معاً للمستقبل
الكلمة أمانة.. والقلم رسالة أخلاقية؛ فهو يُخلّد ما يسطره المرء، ، لذا خصّه الله بالقسم (والقلم وما يسطرون) ..به اقترن العلم واتصلت الحكمة وعلت الرسالة ( اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم )..والكلمة أيًا ما تكن صورتها مسئولية ثقيلة على صاحبها، يستوي في ذلك الصحفيون والكتاب وأصحاب الرأي والدعاة والمفكرون والنخبة والمعارضون، وكل من يملك تأثيراً على الجماهير حتى ولو على مواقع التواصل الاجتماعي التي استحوذت على عقول الناس واهتماماتهم.
القلم رسالة أخلاقية قبل أن يكون وظيفة أو أكل عيش؛ فإذا كانت قدمك تترك أثراً على الأرض فإن كلمتك تترك أثراً في القلب والعقل والوجدان..ورب كلمة لا يلقي لها الإنسان بالًا ثم تحدث تأثيراً لا حدود له..وهو الأمر الذي نبهنا إليه نبينا الكريم بقوله"إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم، وهو من نحو قوله - تعالى – "وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم".
الإعلام يمارس أخطر الأدوار في أي أمة؛ وعلى الإعلامي تقع الأعباء الجسام في تصحيح الصورة وإيقاظ الهمة وتبصير الوعي؛ ومن ثم فعلى كل من يعمل في وسيلة إعلامية أن يستشعر عِظم الأمانة الملقاة على عاتقه، وأن يتحلى بالموضوعية ويلتزم الصدق لما لقوله من تأثير كبير على الناس فالله تعالى يقول "يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين"(التوبة:119)..وهو ما دعانا إليه رسولنا الكريم بقوله:" إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب صديقا"..وليحذر الإعلاميون أشد الحذر من الكذب مهما تكن الذرائع والمبررات لقوله صلى الله عليه وسلم" وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب حتى يكتب كذابًا".
الإعلامي الحق يعلي قيم المهنية وأولها الصدق فلا ينقل خبراً إلا بعد تحرى مصداقيته والتيقن من صحته وعليه التثبت مما يصل إليه من أنباء، فليس كل ما يقال حقاً ولا كل ما ينشر صدقاً ، فالله تعالى يقول:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (الحجرات: 6).
مصلحة الأمة ينبغي ألا تغيب عن الإعلامي إذا تعلق الأمر بشواغلها وقضاياها وشئونها الكبرى؛ فليس كل ما يعرف يقال ولو كان حقاً وصدقاً ..وإلا ما قال الله تعالى:" وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا" (النساء: 83)؛ فالإعلامي لا تقتصر مهمته على نقل الخبر من هنا وهناك، ولا تقف مسئوليته عند تحليل الأخبار بل تمتد رسالته لأبعد من ذلك بكثير؛ بل يحمل أمانة أعظم رسالة تحقق في جوهرها مقاصد الأديان في التنوير والإرشاد وبناء الضمير.
ينبغي للإعلامي الحق أن ينشر صورة مشرقة وصحيحة للدين الذي يعتنقه؛ صورة خالية من الانحرافات العقدية والعملية والأخلاقية، وأن يكون قدوة لغيره في نشر الخيرات حتى لا يقع تحت طائلة قول الله تعالى:" إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (النور:19).. ولا يخفى أن هذا من قبيل التأديب لمن سمع شيئا من الكلام السيئ ، فقام بذهنه منه شيء ، وتكلم به ، واختار ظهور الكلام القبيح عن المؤمنين، وكان أولى به ألا يكثر منه أويشيعه ويذيعه بين الناس.
خطورة الكلمة ليست خافية وإذا كان البعض لا يستشعر تلك الخطورة فلا أقل من استحضار ما دار من حوار بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعاذ بن جبل الذي قال : "يا نبيَّ اللَّهِ ، وإنَّا لمؤاخَذونَ بما نتَكَلَّمُ بِهِ ؟ فقالَ : ثَكِلَتكَ أمُّكَ يا معاذُ ، وَهَل يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ على وجوهِهِم أو على مَناخرِهِم إلَّا حَصائدُ ألسنتِهِم" .
وما قال رسول ذلك إلا لأن حصائد الألسنة والأقلام قد تكون وسائل بناء أو معاول هدم للمجتمعات؛ فالفتنة أشد من القتل وأكبر وهو ما أكدته أبحاث كثيرة أجراها غير مسلمين ؛ ومن ثم أمرنا الله تعالى بانتقاء كلماتنا فهي مفاتيح القلوب حتى لا نؤذي بها أحدًا:" قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (البقرة:263) وقال تعالى: "وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ" (الحج:30) " كما أمرنا سبحانه بلين القول وطيب الكلم بقوله :" ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (النحل:125) وذلك حتى نحدث أثراً طيباً في النفوس تأتلف به القلوب وتلتئم به الصفوف وتتحد به الكلمة وحتى نعطى للآخر صورة صحيحة عن الإسلام..ولمَ لا وقد أمر الله نبيه موسى وأخاه هارون بأن يلينا الكلام لفرعون بقوله تعالى:" اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (طه 43،44).
ما أوردناه سلفاً يدلنا بوضوح على أن للكلمة الطيبة تأثيراً لا يعدله تأثير، ومن ثم قدمها الله على الصلاة والزكاة في قوله تعالى: " وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ (البقرة:83) كما جعلها رسول الله صدقة لقائلها بقوله " الكلمة الطيبة صدقة"..فما من كلمة يصدرها الإنسان إلا وتترك أثراً في متلقيها لا يزول بمرور الزمن وهي إما أن تكون سبباً في شقاء الإنسان أو سعادته وربما تكون أكثر إيلاماً من العقاب البدني؛ ولهذا وجب الحرص على ترك أثر طيب في نفوس الآخرين وعقولهم؛ فلا ندري لعل كلمة طيبة تكون سبباً في دخول صاحبها الجنة.. يقول ربنا عز وجل :" أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ... وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ"(إبراهيم24-26).
الرئيس السيسي أدرك أهمية الكلمة وخطورتها على المجتمع بحسبانها رسالة أخلاقية فطالب أرباب الأقلام وأصحاب الرأي بأداء واجبهم الحق في نشر الوعي الحقيقي حماية للدولة من الوعي الزائف الذي يتخذ مروجوه من الشائعات والأكاذيب سلاحاً يستهدفون به جبهتنا الداخلية، مؤكداً أن مسئولية القلم أخلاقية قبل كل شيء؛ فالإعلام وأرباب الأقلام والمذيعون يسطرون أفكاراً وآراء تشكل وعي الناس ووجدانهم وتبصرهم بالحقائق ومنظومة القيم والمثل العليا..وبقدر ما يخلص هؤلاء ويحسنون مخاطبة الناس بلغة يفهمونها ويتجاوبون معها ويقدمون لهم ما يحتاجون إليه لا ما يحبونه وبينهما فارق شاسع ..تأتي الثمار طيبة تشحذ همم الشعوب وتقوي إرادتها فيتحقق التقدم والتطور والرخاء..أما إذا تجردوا من الفضيلة وتنازعتهم الأهواء وغلبت عليهم المطامع الضيقة فإنهم يلبسون الحق بالباطل، وينشرون وعياً زائفاً ويخلقون بلبلة تفضي إلى إغراق المجتمع في بحار الوهم والتشوش والإحباط والتخبط، وتجعله لقمة سائغة في أفواه أعدائه، وبيئة خصبة للشائعات والوهن والانقسام والاستقطاب.. وهي الآفات التي طغت علي دولنا في أعقاب أحداث يناير 2011 بما فعله بعض الساسة ومن يسمون أنفسهم نشطاء ونفر من حملة الأقلام والإعلاميين الذين أسهموا في حرق الوطن وتعريضه للخطر لولا عناية الله الذي جمع قلوب الناس على ثورة 30 يونيو فصححت المسار واستعادت الدولة من براثن الفوضى واليأس والحرب الأهلية التي كان يدبر لها أعداؤنا هنا وخارج هنا ومن ورائهم جماعة الإخوان الإرهابية.
للكلمة كما للقلم مكانة تعلو به لمدارج سامية.. وليس أدل على علو تلك المنزلة من تسمية الله في قرآنه سورة باسم القلم التي زكّى فيها أخلاق رسوله الكريم بقوله تعالى" وإنك لعلى خلق عظيم" ..أفلا يضاعف ذلك المسئولية الأخلاقية لأصحاب الكلمة مكتوبة أو مسموعة..فماذا بعد قسم الله بما يسطرون ..أفلا يكفي ذلك دليلاً على خطورة ما يطرحون من أفكار وآراء وما يثيرون من قضايا وما يعالجون من هموم وشواغل تخص وطناً وشعبًا هم ضميره وعقله وبوصلته إلى حقائق الأمور.. فما يسلطون عليه الضوء ينجلي ويسطع وما يعرضون عنه يظلم ويتلاشى .. بهم يتقدم المجتمع نحو غايته المنشودة وأهدافه المرجوة إذا ما أحسنوا توصيل الرسالة الإعلامية، ونجحوا في إقناع الناس بواجبات الوقت وأولوياته القصوى ..ويغرق هذا المجتمع في الجدل والسطحية إذا انشغلوا بتوافه الأمور ..وهنا لا يرجى منه خير ولا يتوقع له نجاح !
وما دام القلم وأصحابه على هذا القدر من السمو والرفعة ..فأي الأقلام يستحق تلك الدرجة الرفيعة ..وهل يستوى الأخيار والأشرار..هل يستوى المنصفون المخلصون والمغرضون الأفاكون..هل يستوى المعتصمون بالحق الثابتون على المباديء ..ومن يروجون للباطل ويدعون للزيف والبهتان ..هل يستوى من يتحرى الصدق والموضوعية ويتحلى بالمهنية متثبتاً من كل معلومة مهما يكلفه ذلك من مشقة وتعب ومن يلبسون الحق بالباطل ويكتمون الحق وهم يعلمون وينتهكون الميثاق ويشيعون الكذب ويطلقون الشائعات ..من يؤدون أمانة الكلمة ويتحملون مسئوليتها بشجاعة وإخلاص ويوفون بعهودهم ويبرون بقسمهم ويدفعون ضريبة الثبات على الحق ..ومن يستسهلون التضليل والخداع والنفاق ويهادنون الفساد رغباً ورهباً..هل يستوي من يهدون الناس إلى سواء السبيل ومن يضلونهم ويشغلونهم تارة بالغيبة والنميمة وتارة أخرى بنهش الأعراض واغتيال السمعة والفتن ..شتان بين من يرسمون للوطن طريقه نحو المستقبل ويصوغون له أولوياته الواجبة ومن يضلون أبناءه ويشوشون وعيهم.
ومن أسف أن أصحاب الأقلام الشريفة الذين يؤدون رسالة الكلمة وأمانتها بحق قلة قليلة ..ورغم ذلك لم ينالوا حقهم في التكريم والإشادة تخليداً لذكراهم بعد رحيلهم حتى يكونوا قدوة تحتذي بهم الأجيال الجديدة وتتذكرهم بالإشادة والعرفان وحتى تحتفظ بهم ذاكرة الوطن وتعصمهم من النسيان..ومن المضحكات المبكيات في زماننا أنهم لا يلقون ما يلقاه أهل الفن والرقص والطرب والكرة الذين شعبوا شهرة ومالاً وتكريماً وجوائز نادراً ما تجد طريقها للمفكرين وحملة الأقلام وأصحاب الرأي المستنير والساسة المستقيمين الذين يملكون تأثيراً قوياً في وجدان المجتمع بأفكارهم وآرائهم ومواقفهم التي يدفعون ضريبتها غالية.
الكلمة أمانة كما قال الرئيس السيسي.. وللقلم منزلة مقدسة بنص القرآن الكريم الأمر الذي يفرض علينا وعلى كل صاحب قلم ورأي أن يحسن ويصدق فيما يقول وأن يتحرى الموضوعية ووجه الحق والوطن في كل ما يقول ..فذلك كفيل بصلاح مجتمعنا ودنيانا وآخرتنا ..فكل ما يصدر عن الإنسان من قول أو فعل محسوب عليه ومكتوب في صحيفة أعماله يجازى به، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر....فافعل ما يسرك أن تجده في ميزانك يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.