كلام بحب
ما أحوج العرب إلى مبادرات للحفاظ على لغتهم الواحدة وحماية «الُفصحي» من هجمات اللهجات العامية المحلية .. ومحاولات البعض الآخر التغريبية التى تخطط لاستبدال العربية بلغات أجنبية بدأت بالفعل تتسرب إلى ألسنة أطفالنا مما يهدد الهوية العربية فى المستقبل
.. لا ندرى ماذا كان سيقول أمير الشعراء أحمد شوقى عما يحدث للغة هذه الأيام اذا كان قد قال عندما سمع ما يكتبة بيرم التونسى : " أخشى على الفُصحي من عامية بيرم " مع ان ما كتبة بيرم كانت تغنية كوكب الشرق أم كلثوم .. فما رأية اذا سمع كلمات أغانى المهرجانات أو طالع المساجلات على " الفيس بوك وتويتر " ؟
اختارت الأمم المتحدة ١٨ ديسمبر من كل عام ليكون يوماً للغة العربية واعتمدتها لغة رسمية عام ١٩٧٣ .. ومنذ ذلك الحين تتجدد فى هذا اليوم الندوات والمؤتمرات احتفالاً " بالفُصحي " .. ويتم إلقاء الخطب عن أهمية وجمال اللغة وتأثيرها على الهوية.. ثم يخرج الحاضرون بتوصيات لا ينفذ أغلبها ربما لعدم وجود إرادة حقيقية جماعية على مستوى الدول العربية حيث تنحاز كل دولة
إلى لهجتها المحلية
للأسف فإن معظم الأسر العربية تتفاخر بأن أطفالها يجيدون اللغات الأجنبية ويحرصون على تعليمهم إياها منذ الصغر.. ولا يعبأون بلغة الـقـرآن .. كما يحرص مذيعو الفضائيات على ادخال كلمات انجليزية وفرنسية فى الحوارات ويتباهون بذلك ظ.. ومثلهم يفعل المشاهير ورجال الأعـمـال ونجوم المجتمع .. لدرجة ان البعض يخشى ان تندثر اللغة الأم التى ينتهكون كل قواعدها على الملأ و لا يفرقون بين المرفوع والمنصوب والمجرور على الهواء مباشرة
أطلق مجمع البحوث الإسلامية مبادرة بعنوان « حـافـظـوا على هـويـتـكـم ».. وأوضـــح الدكتور نظير عياد أمين عام المجمع أنها تأتى ضمن اهتمامات الأزهر الشريف وفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب باللغة العربية التى اختارها الله سبحانه وتعالى لينزل بها القرآن الكريم معجزة النبي- صلى الله عليه وسلم- وأشـار عـيـاد إلــى أن المــبــادرة ستخاطب المؤسسات والكيانات الحكومية والخاصة والجامعات للإهتمام بالفُصحي فى مكاتباتها الداخلية والخارجية وعدم اقحام اللغات الأخرى محلها إلا عند الضرورة ..
كما سيتم دعوة الجمهور خاصة أربـاب الأسر للإهتمام باللغة وتوعية الأبناء بالحاجة إليها ودعم المهارات المتعلقة بها.. والإلتزام بقواعدها فـى كتاباتهم خـاصـة عبر وسـائـل التواصل الإجتماعي .. فهل تعيد هذه المبادرة الإحترام للفُصحي ؟
ألم يسأل الآباء : لماذا يهرب التلاميذ الصغار من حصص اللغة العربية خاصة النحو والصرف ؟!.. بالتأكيد لان المـدرسـين لا يستطيعون تبسيط القواعد لهم .. والأهــم لان كل ما حولهم فى المجتمع يجعلهم يكرهون هذه اللغة الصعبة مع إنها كما قال عميد الأدب العربى الدكتور طه حسين « لغتنا الجميلة ُيسر لا ُعسر».. ولكننا للأسف لم نعد نملكها كما كان القدماء يملكونها
هناك انفصال بين الاستاذ وطلابه .. بل أحياناً يوجد جهل من بعض المعلمين فى كيفية التعامل مـع التلاميذ ومــع طريقة شــرح اللغة وبيان جمالها.. وقد يعود ذلك لعدم الإعــداد الجيد للمعلم لدرجة انك تجد احياناً أستاذ لغة عربية لا يجيد التحدث بها.. وأصبح المـدرسـون فى حاجة إلى مدرسين
نتحدث عن الخطر الـذى تواجهه «الفُصحي» ولـكـن ليس مـن عامية بـيـرم التى خشى منها أمير الشعراء و لا حتى عامية فـــؤاد حـداد وصـلاح جاهين والأبنودى وإنما ممن يسيئون للغة وافتقدوا للحياء لذلك نخشى من تأثيرهم على الأجـيـال مع ان المصري أكثر الشعوب العربية تمسكاً باللغة العربية عبر التاريخ .. ولهجتهم هى الأقـرب لصحيحها.. ولم يستطع الـغُـزاة والمستعمرون أن يفرضوا لغتهم على الشعب .. فلم يكتسب المصريون منهم اللغات الفرنسية ولا الإنجليزية ولا التركية .. عكس الآخرين كما حدث مثلاً فى المغرب العربى حيث كان إلى وقت قريب معظم السكان هناك يتحدثون الفرنسية وحتى لهجتهم لا يمكن لمعظم العرب تفسيرها وفهمهابسهولة .. وأذكر فى بداية السبعينيات عرض التلفزيون فى برنامج نادى السينما الفيلم الجزائرى الرائع " ريح الأوراس " للمخرج محمد الأخضر حمينة والحائز على جائزة مهرجان كان عام ١٩٦٧ .. وللاسف رغم انه ناطق باللهجة العامية الجزائرية التى من المفترض انها عربية الا ان المشاهدين لم يستطيعوا متابعتة فاضطر التلفزيون لوضع ترجة بالفصحى .. وكنا نتندر ايامها بان فيلماً عربياً توضع له ترجمة عربية !! .. ولكن الشاهد ان الفصحى هى لغة العرب جميعا وتفهمها كل الشعوب من المحيط للخليج لذلك يجب الحفاظ عليها .. ولذلك لابد من الاشادة بمبادرة وزارة الهجرة والمصريين بالخارج " اتكلم عربى " التى اعلنتها الوزيرة نبيلة مكرم لربط ابناء المغتربين بوطنهم وللحفاظ على هويتهم العربية وضمان تمسكهم بلغة بلدهم مصر
*******
لغة المستقبل .. والجامعة العربية
فى يوليو 2015 نشرت صحيفة «الاندبندنت» البريطانية موضوعا بعنوان «انسوا الفرنسية والصينية.. فالعربية هـى اللغة الـتـى يجب تعلمها».. وأضـافـت ان الأطـفـال فـى انجلترا يعانون من تعلم هذه اللغة لانها تكتب من اليمين إلى اليسار عكس اللغات الأوروبـيـة .. ومع ذلك يمكن ملاحظة حجم الحماس الشديد لتعلمها.. وأشـــارت إلـى أن المعهد البريطانى أعلن ان العربية ثانى أهم لغة أجنبية للحصول على عمل فى المستقبل بعد اللغة الأسبانية، بينما تسعى الدول الأوروبية والأمريكية لتعليم أطفالها لغة المستقبل فأبناء العرب يتجاهلونها.. فهل يمكن أن يتدخل «بيت العرب» ويكون له دور فى إعادة الكرامة إلى «الفصحي» لسان العرب؟
إذا لـم تكن جامعة الـــدول العربية قــادرة على توحيد العرب سياسيا واقتصاديا وحل مشاكلهم وإنهاء خصوماتهم .. فعلى الأقــل تحاول أن تكون ذات فائدة على الجانب الثقافى وتشجع اللغة العربية الفصحى بالتعاون مع وزارات التعليم فى الدول التابعة للجامعة ومع اليونسكو ومجمع اللغة العربية للوصول إلى مفردات سليمة يتم تبنيها وتعميمها عن طريق قيام الجامعة بعقد ندوات ومؤتمرات دوريــة فى مختلف العواصم العربية.. وإنتاج مسلسلات وأفــلام سينمائية باللغة التى يتم التوافق عليها وعلى مفرداتها بدلاً من سيطرة اللهجات المحلية فى ظل الهجمة «الشعباوية» التى تجتاح العالم وتتسرب إلى دولنا رافضة الوحدة والتضامن وداعية إلى الإنعزال والتقوقع محلياً
يمكن أيضاً إقامة مسابقات للشعراء والأدبـاء وعمل برامج تــذاع على الفضائيات العربية تشجع اللغة وتعرف بها.. وكذلك عمل دورات للمدرس وإعداد أجيال منهم تعتز بلغة الأجداد وعدم احتساب من يتحدث بها رجعياً متخلفاً
لا يمكن أن نتخيل أن نعيش فى دولــة عربية ونسمح بـأن تكون أسـمـاء الـشـوارع والمحلات أجنبية .. وكـيـف يـكـون التعامل فـى الفنادق والأماكن السياحية بالإنجليزية أو الفرنسية فقط ويعتبرون ان من يتحدث العربية جاهلاً ؟
لماذا لا تكون الأولوية فى المطارات العربية وعلى متن الطائرات للتحدث بلغة الضاد ولامانع من الترجمة للإنجليزية وليس العكس .. وما الداعى لان ترسل البنوك المحلية من المحيط إلى الخليج المخاطبات إلى المتعاملين معها بلغة أجنبية رغم انه فى الكثير من الأحيان يكون المواطن لا يعرف سوى العربية .. وفى ظل وجود وسائل الترجمة الفورية لماذا يصر المسئولون العرب على التحدث بالإنجليزية أو الفرنسية فى المؤتمرات الصحفية وكأنهم يشعرون بالعار إذا تحدثوا بالعربية .. مع إننا نرى ان أبناء كل دولة فى الخارج يعتزون بلغتهم ولا يتحدثون بسواها مع اجادتهم لعدة لغات أخري؟
لابـــد أن يـتـفـق الــعــرب عـلـى الـحـفـاظ على «الفصحي» خاصة التى يتبناها مجمع اللغة العربية ويـطـورهـا لتناسب العصر ويضيف إليها مفردات جديدة ومطلوب الإستعانة بها فى المناهج الدراسية.. وإلا خلال سنوات قليلة ستندثر ليحل محلها لهجات تتحول إلى لغات يتحدث بها أبناء كل دولة عربية إلى جانب الإنجليزية والفرنسية ويضيع آخر أمل فى ايجاد ولو شيء واحـد يجمع الأمـة من المحيط إلى الخليج
كانت اللغة دائما مثار فخر الشعراء العرب وفيها قـال شاعر النيل حافظ إبراهيم : «أنـا البحر فى أحشائه الــُدر كامن.. فهل سآلوا الغواص عن صدفاتي».. ولكن بعد تدهورها فى العقود الأخيرة فلو عاد حافظ مرة أخـرى لغير رأيه وقـال : «أنا البحر فى اللهجات أغرقوني .. فهل سألوا العرب كيف أضاعوني»؟