"من اجل ذلك خلق الله الندم".. هذه العبارة ترددت علي لسان بطل مسلسل الجماعة للمؤلف العظيم وحيد حامد في آخر مشهد بالجزء الأول لتلخص لنا ندمه علي مافعل وما آلت اليه الأمور بسبب رعونة تصرفاته.. ويبدوا اننا بصدد تكرار نفس المشهد ،لكن هذه المرة علي لسان الرئيس التركي رجب اردوغان، الذي سيمثل له عام 2021 امتدادا لعام 2020 بالنسبة الي تركيا التي تعيش أسوأ كوابيسها السياسية والاقتصادية بعد ان أعلنت الولايات المتحدة، فرض عقوبات على رئاسة هيئة الصناعات الدفاعية التركية لانخراطها في اتفاقيات مع مؤسسة عسكرية روسية للحصول على منظومة صواريخ "إس 400" الروسية وهو ما يتعارض مع امن حلف الناتو.
سيف العقوبات الامريكية سيشمل حظر رخص التصدير الأميركية لهيئة الصناعات الدفاعية التركية وتجميد أرصدة وفرض قيود على تأشيرة رئيس المؤسسة إسماعيل دمير ومسؤولين آخرين... والأخطر انه جاء متوازيا مع
عقوبات منتظرة للاتحاد الأوروبي على انقرة بسبب أعمال التنقيب غير القانونية في شرق المتوسط، والعبث في المنطقة، ومحاولات التمدد في سوريا وليبيا.
وتأتي العقوبات التي فرضها الكونجرس ضمن قانون مكافحة أعداء أميركا، وهو معروف باسم "كاستا"، الذي اعتمدته لمعاقبة خصومها في 2017، وهو يفرض فعليا على إيران وكوريا الشمالية وروسيا.
والقانون، يعطي الحق للرئيس الأميركي إلى فرض سلة من 5 عقوبات أو أكثر، بشأن تضييق الخناق على تركيا من أجل التخلي عن منظومة الدفاع الروسية، بما في ذلك منع الصادرات، أو منع بعض المسؤولين الأتراك من إجراء معاملات أميركية، أو إيقاف البنوك الأميركية أو المؤسسات المالية الدولية من تقديم القروض لأنقرة، وهي خطوة قد تسبب أضرارا كبيرة للاقتصاد التركي المتأزم أصلا.
أعتقد أن هذه العقوبات تمثل خطوة أولى في طريق الردع، وقد تمهد لفرض عقوبات جديدة على أنقرة بشكل أكبر وأكثر قسوة، وقد تخير واشنطن أنقرة بين العودة كحليف للولايات المتحدة أو تحمل عواقب وخيمة بدلا من ذلك في حال لم تتوقف انقرة عن استفزازاتها وسلوكها العدواني في المنطقة ومع حلفائها في الناتو وبالأخص اليونان وفرنسا.
في كل الأحوال هذه العقوبات ستؤثر على ثقة المجتمع التركي والمستثمرين في مستقبل تركيا السياسي والاقتصادي وستزيد مخاوف المستثمرين في ظل التعثر الحكومي في تسديد استحقاقاتها المالية والتعافي من تداعيات فيروس كورونا، ووجود صعوبات في التعامل مع مشاكلها الجيوسياسية. وكل هذه الأمور مجتمعة تنعكس على استقرار الوضع الداخلي في تركيا .. وهنا يكون لسياسة خلق الأوراق دورا في منح قبلة الحياة لاردوغان الذي يسعي حثيثا الي تأزيم مسار التفاوض في ليبيا للبقاء فيها أطول فترة ممكنة للاستفادة من خيراتها ، او الانقلاب علي حليفه التقليدي "ايران" كما حدث خلال الأيام الماضية ليؤكد للجانب الأمريكي انه الشريك الأفضل الأكثر تآثيرا اذا ما قرر الأخير معاقبة ملالي طهران..
الحياة لا تبدو جيدة علي الاطلاق بالنسبة لاردوغان، فالإدارة الأميركية الجديدة القادمة الي البيت الأبيض لديها تحفظات شديدة على العبث التركي ، بل ربما لا توجد كيميا حتي بين الرجلين (جو بايدن واردوغان)، فالاول لديه رغبة سابقة في معاقبة الوالي العثماني ، وهو جاهز بقائمة عقوبات جديدة ستكون شديدة الإيلام على الاقتصاد التركي وستزيد من عزلة الحكومة التركية، بل وقد تفتح الباب أمام تغيير سياسي مستقبلا في أي انتخابات مقبلة في تركيا.
---------------------
استاذ بجامعة حلوان