معاً للمستقبل
سباق محموم يشهده العالم اليوم لإنتاج لقاح كورونا، وقد انتهت خمس دول فعلياً من اختبارات هذا اللقاح الجديد تمهيداً لطرحه للتداول العام وتحصين البشر ضد هذا الفيروس الفتاك الذي أودى بحياة مليون ونصف المليون إنسان حول العالم، كما أحدث نحو 65 مليون إصابة ..بينما تجاوز المتماثلون للشفاء منه حاجز ال42 مليونًا..وقعت أكثر الإصابات في أمريكا فالهند ثم البرازيل وروسيا وفرنسا.
كل المؤشرات تقول إن "كورونا" مستمرة معنا لفترة قد تطول أو تقصر حسب قوة مفعول اللقاحات المنتظرة ومدى التزام الناس بالإجراءات الوقائية والصحية المنشودة.. هذا ما أكدته شبكة بلومبرج الأمريكية التي قالت إن جائحة كورونا سوف تستمر على الأرجح في موجات ربما تتجاوز 2022.. وإن مصر –بحسب الشبكة- من بين أقوى 10 اقتصاديات نمواً في العالم عام 2020وهو ما جعلها تصمد في مواجهة التداعيات الكارثية لكورونا التي لم تكن مجرد مرض اجتاح البشرية بل قضية تستلزم التفاعل والتعاون الدولي لمواجهته والإفلات من آثاره الوخيمة التي أصابت الملايين، وأحدثت انكماشاً اقتصادياً غير مسبوق اللهم إلا في ثلاثينيات القرن الماضي.
ويبدو منطقياً في ظل أوضاع كهذه أن توجه الحكومات رسائل تهيئة وتوعية لشعوبها لتقبل تلك التداعيات دون ضجر أو سخط، ..وما ينبغي لهم أن يفعلوه للتعايش الآمن مع هذا الوباء المستجد إذا ما عاود نشاطه وموجاته خلال العامين المقبلين، وحتى لو خرج عن السيطرة بفضل قدرته الهائلة على الانتشار السريع عبر الانتقال من أشخاص لا تظهر عليهم أعراضه إلى غيرهم ..والسؤال: هل ينجح العلماء ومعهم الدول في إنتاج لقاحات كافية لتحصين البشر ضد هذا الفيروس اللعين..وهل تكفي القدرات الاقتصادية للدول الفقيرة لشراء الكميات اللازمة لشعوبها..والأهم هل تكفي جرعة أو حتى جرعتان من اللقاح لكسب المناعة المطلوبة وكبح جماح هذا الوباء..؟!
التجربة أثبتت أن الدول التي استعدت مبكراً لمواجهة جائحة كورونا نجحت في تقليل الأضرار الناجمة عنها وتحجيم عدد الإصابات والضحايا مقارنة بدول أخرى تهاونت وربما هونت من شأن الجائحة التي يمكننا القول باطمئنان إن الحكومة المصرية، وهذا مما يحسب لها، تعاملت منذ البداية بجدية واحترافية مع الوباء؛ وهو ما ظهر عملياً في قلة معدلات الإصابات اليومية وحالات الوفاة الناجمة عن الفيروس المستجد.
جهود الحكومة وإجراءاتها الاحترازية أسهمت بلاشك في تقليل الإصابات التي لا تزال أرقامها في الحدود الآمنة حتى الآن ؛ لكن ذلك ينبغي ألا يكون باعثاً على الاسترخاء أو الاستهتار أو التخلي عن الحذر المطلوب أو إهمال الإجراءات الاحترازية منارتداء للكمامات وتباعد اجتماعي و التجمع بأعداد مناسبة في المناسبات المختلفة.
المصارحة والشفافية كانت ولا تزال حاضرة بقوة في منهج الحكومة في التعامل مع أزمة بحجم كورونا دوخت العالم كله ولا تزال منظمة الصحة العالمية تراقبها لحظة بلحظة وتعلن أرقامها على الدنيا بأسرها ..ويحسب للدولة في هذا المعترك الصاخب أنها لم تترك المواطن نهبًا لشائعات جماعة الإخوان الإرهابية وأكاذيبها بل عمدت إلى التصدي لها بحسم وتفنيدها في لحظتها.. وتتبارى جهات الاختصاص بالرد مشفوعاً بالحقائق والمعلومات والأرقام الصحيحة سواء تعلقت بكورونا التي استغلتها الجماعة أسوأ استغلال بترويج افتراءاتها عبر قنواتها الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي للتشكيك في إجراءات الحكومة وقراراتها لإثارة الرأي العام المصري ضدها.
ولا أبالغ إذا قلت إن أضرار كورونا فاقت في تأثيرها ما وقع من انهيار مالي عالمي في العام 2008؛ فقد فقد الملايين وظائفهم حول العالم وتراجع الاقتصاد بصورة حادة في أغلب الدول التي اضطرت للإغلاق ووقف النشاط أمام طوفان الإصابات بالفيروس الفتاك..الأمر الذي جعل الخبراء يتفقون على أن وقع التأثير الاقتصادي سيكون شديدًا وملموساً على المدى القريب..ويبقى السؤال الأكثر جدلاً بين الاقتصاديين: ماذا سيحدث للاقتصاد العالمي على المدى المتوسط إلى البعيد ..هل نحن إزاء ركود يتبعه انتعاش مفاجيء فور احتواء الفيروس كما يتوقع كثيرون ..أم أننا سنشهد انتعاشاً بوتيرة تصاعدية أكثر بطئاً ..؟!
صندوق النقد يتوقع انكماش دخل الفرد في أكثر من 170 دولة، يصاحبه تراجع الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 3% مع استمرار ركود يتبعه انتعاش اقتصادي جزئي في 2021 وربما يستغرق الأمر وقتاً حتى يعود الاقتصاد لما كان عليه من معدلات قبل ظهور كورونا..ولسنا متيقنين من قدرتنا على مجابهة موجات لاحقة للفيروس قد تسبب ركوداً أو كساداً كبيراً حتى يخرج للنور لقاح ناجع يشير أكثر التقديرات تفاؤلاً إلى ظهوره في ربيع العام المقبل في العالم كله..لكن البعض لا يزال يشكك في نتائج اللقاحات التي توصلت إليها أمريكا وإنجلترا وروسيا والصين ..وهل ستؤخذ جرعة اللقاح دفعة واحدة أم دفعتين في العمر كله.. أم تتجدد الجرعات في كل عام كما في مصل الأنفلونزا الموسمية ..وما مدى تأثيره على كبارالسن وذوي الأمراض الخطيرة و ضعاف المناعة ..وغيرها من الأسئلة التي لا تزال مطروحة تبحث عن إجابات في عقول العلماء ومعاملهم.
شعوب العالم يراودها الأمل.. وتتحرق شوقاً لظهور لقاح سحري يقضي على المرض اللعين ويجتث هذا الوباء من جذوره بلا عودة حتى تعود لهم حياتهم الطبيعية التي حرموا منها تحت وطأة الإجراءات الاحترازية والرعب من الإصابة بالفيروس الجامح.
ويبدو طبيعيا مادمنا نتحدث عن العلماء وجهودهم أن ترنو أبصارنا صوب جامعاتنا العربية ومراكز أبحاثنا ..أين هي مما يجري حولها من سباق محموم لإنتاج لقاح لكورونا..ما عائد التكلفة لما ينفق عليها ..ومتي تتحرك لمزاحمة الباحثين عن لقاح كورونا في جامعات العالم المختلفة..وإلى متى تعيش دولنا عالة على غيرها رغم ما تملكه من ثروات وموارد هائلة.. فتستورد من الغير غذاءها وكساءها ودواءها وسلاحها.. وحتى كمالياتها.
جائحة كورونا هي أصعب النوازل التي فجعت بها البشرية منذ الحرب العالمية الثانية وقد تزامن معها للأسف وباء آخر لا يقل خطراً؛ وهو وباء المعلومات المضللة التي تنطوي على مخاطر جمة؛ فالناس خائفون يترقبون ويتوقون لمعرفة ماذا يفعلون.. وكيف يتعاملون مع هذا السيل الجارف من المعلومات المضللة والوصفات الطبية الضارة والكاذبة التي تحاصرهم عبر الإنترنت، زاعمة قدرتها على الشفاء من جميع الأمراض..كما أن ثمة فيروسًا آخر أشد فتكاً من كورونا وهو فيروس الكراهية الذي يستشري بشكل ملحوظ ويحتاج أن يتحد العالم كله لمواجهته..وتتضاعف مسئولية شركات وسائل الاتصال الجماعي التي آن لها أن تبادر بمزيد من الإجراءات لاجتثاث جذور الكراهية وإزالة الوصفات الطبية الضارة بشأن وباء كورونا.
خطورة المعلومات المضللة دفعت الأمم المتحدة للمطالبة بمواجهة أكاذيب الإنترنت بنشر الحقائق والأدلة العلمية لوقف تلك الآفة المتزايدة التي هي سم يعرض المزيد من الأرواح للخطر..تقول المنظمة الأممية " بإمكاننا إذا توحدنا على قضية واحدة واهتدينا بمنطق الأمور وحقائق الواقع أن نتغلب على الوباء ، وأن نبني عالماً أوفر صحة وأكثر إنصافاً وعدلاً وتماسكاً.." ثمة تحديات كثيرة أمام العلماء فقد يتوفر قريباً العديد من لقاحات كورونا..وفي الوقت الذي يرغب فيه كثيرون في الحصول على اللقاح في أسرع وقت ممكن يشعر آخرون بالقلق من تناول لقاح مجهول الهوية..وعلى العلماء التأكد من سلامته، وأن يوفر وقاية طويلة الأمد وحماية لكبار السن..
لا تصح الاستهانة بكورونا وتداعياتها.. فقد كانت أحد أسباب سقوط ترامب سياسياً..ولم يفلت منها رؤساء ومشاهير وساسة أصابهم الفيروس اللعين.. وبينهم ترامب نفسه ورئيس البرازيل ورئيس وزراء بريطانيا وولي عهدها .. نهاية مشهد كورونا التي لا نعرف متي ستضع أوزارها لن تكون قطعاً كبدايتها ؛ ذلك أن نظاماً عالمياً جديداً سيولد على أنقاض النظام القديم كما عاشت البشرية ذلك الحدث الجلل مرتين في أعقاب الحرب العالمية الأولى والثانية ؛ فعلى إثرهما صعدت دول.. وهوت أخرى للقاع.
دعونا نتفاءل بما هو آت؛ فمصر كانت ولا تزال واعية بخطورة اللحظة وتداعيات كورونا منذ بدايتها فاستعدت لها مبكراً ..ويبقى أن كل صعب سيمر مهما طال البلاء واشتد الخطب..دعونا نفترض أن كورونا أزمة وعدت ..وصار بمقدور الناس أن تعود لحياتها الطبيعية وأن تخرج وأن تتلاقى مرة أخرى..لكن يبقى السؤال الأهم: ماذا استفدنا من تلك الأزمة ..وما الدروس والعبر التي استخلصناها منها..هل سنعود لسيرتنا الأولى فنتخلى عن الحذر ويصافح بعضنا بعضاً بالقبلات والأحضان دون اكتراث بالعواقب..هل نتخلى عن العمل والتعليم إلكترونياً ولو لبعض الوقت.
علماء النفس والاجتماع يتوقعون أننا سنحافظ على الأرجح على تغيرات سلوكية بعض الوقت.. وسوف يجد التغير طريقه إلى عاداتنا القديمة؛ فمثلاً ستتغير طريقتنا في تحية بعضنا البعض ..لكن لا أحد يعرف إلى متى سيستمر ذلك..!
المؤكد أن العالم بعد كورونا لن يكون أبداً كما كان قبلها ..أشياء كثيرة سوف تتغير..والمواقع سوف تتبدل ..وتتحقق سنن الله في كونه..فيبزغ نجم دول وتأفل دول أخرى..وفي كل الأحوال فإن تداعيات سلبية سوف تلحق بالجميع في شتى المجالات..وعلى العالم كله أن يتحد ويتعاون للقضاء على كورونا التي أصابت الجميع دون أن تفرق بين جنس أو لون أو عرق..وربما ساقها القدر للبشرية كي تترك النزاعات والصراعات والحروب والمطامع وتنتهز الفرصة لتوجيه نفقات الحروب إلى علاج المرضى وإطعام الفقراء وإيواء المشردين وتشغيل المتعطلين واستعادة الوجه البريء للإنسانية والتراحم والتسامح.
من رحم المحن تولد المنح.. وليت المنظمات الدولية تعتبر مما جرى وتنهض بدورها في إقرار العدل والسلم الدوليين دون انحياز ولا أنانية ..وأن تتوقف الدول الراعية للإرهاب عن توظيفه لأغراضها السياسية كما تفعل تركيا التي تصر على انتهاك سيادة دول عربية واستحلال أجزاء من أراضيها كما في سوريا والعراق وليبيا.
كورونا برهان جديد يؤكد للبشرية أن ثمة فرصاً عظيمة للتعاون والتكافل في مواجهة الكوارث وإعادة تذكير البشرية بالغاية المثلى للأديان وهي احترام الآدمية وعدم انتهاك حرمة الإنسان ..ولنتأمل ما قاله الإمام الأكبر الشيخ أحمد الطيب بأنه لا مخرج لعالمنا من أزماته الحادة بكل يموج بها من قسوة وعنف ووحشية إلا بالعودة إلى الأخلاق وعلى الأخص خلق الرحمة والتراحم ..ولا يرى فضيلة الإمام في كورونا عقاباً إلهياً كما يزعم البعض بل هو ابتلاء واختبار للعباد؛ فسبب البلاء أن الله يمتحن عباده ليظهر لهم عملهم، وليعرف العبد بعد ذلك هل نجح في ذلك الابتلاء أم لا..والبلاء يكون في الخير ويكون في الشر كذلك، مصداقاً لقوله تعالى" ونبلوكم بالخير والشر فتنة وإلينا ترجعون" ( الأنبياء: 35).
وشكر النعمة يكون من جنسها؛ فالابتلاء بالرزق الحسن والثراء لا يكفي معه مثلاً أن نشكر الله باللسان بل بإخراج الحق المعلوم في هذا المال من زكاة وصدقة وحق ذي القربى ..فنحن مستخلفون في هذا المال وسيسألنا الله تعالى من أين اكتسبناه وفيم أنفقناه..وكورونا إنذار من الله ورسالة للإنسان في كل مكان ..فهل نتعظ وندرك أن الأمر كله بيد الله ..وأن الإحسان عاقبته الخير ..والإساءة ترتد في نحور أصحابها وبالاً ودماراً..نتمنى أن نراجع أنفسنا وأن نخرج من تلك المحنة بوجه أحسن مما دخلناه فيها..فتلك هي التجربة المثمرة.