حتى وقت قريب كان هناكً الكثير-وتحت كلمة الكثير يمكن ان نضع اسماء العديد من الرموز السياسية والإعلامية والاقتصادية – يروجون لتطبيق نموذج الدولة التركية في مصر ، وشواهدهم على ذلك كانت تتلخص في قوة الاقتصاد الذى أصبحت عليه تركيا في ظل حكم رجب طيب اردوغان الذى بدأ في 2003 .
في حقيقة الامر ، الكثير من هؤلاء تم خداعهم سواء جهلا منهم او رغبة في ان يصبحوا ضمن موكب المؤيدين المروجين للنموذج التركى، ولكن مع مرور الوقت تكشفت النوايا وسقطت الأقنعة وجرت مياه كثيرة من تحت الجسور حولت هذا النموذج من مدعاه الفخر الى مأساة حقيقية خاصة بعد ان قام اردوغان بالتحول من النظام البرلماني الى النظام الرئاسي ليصبح هو فقط المتحكم في كل خيوط اللعبة السياسية والاقتصادية في بلاده.. وهذا امر يخص الشعب التركى بكل تفاصيلة ولا يجوز لاحد ان نزايد عليهم. ولكن علينا ان نعيد النظر في كيف كانت تركيا في بداية عهد اردوغانً وكيف أصبحت الان بعد اعتلائه السلطة لمدة تقترب من 18 عاما..
وعلى حسب التقارير المنشورة من الداخل التركى، فان فترة حكم حزب العدالة والتنمية الحاكم ألحقت أضراراً اقتصادية كبيرة بالدولة التركية خلال 18 عاماً وزاد عدد الفقراء والعاطلين عن العمل بأشكال غير مسبوقة، وأخفقت الحكومة في مواجهة أزمة كورونا وطبعت ما قيمته 56 مليار دولار لضخها في الأسواق وسحبت من احتياطي البنك المركزي، فقط من أجل إبقاء سعر الدولار عن 7 ليرات وعدم انهيار الليرة التركية أكثر من ذلك ، وهو ما أدى في نهاية الامر الى اجبار اردوغان نفسه على طرد صهرة وزير الخزانة والمالية برات البيراق.
حتى ان احدث نتائج الاستطلاع الرأي ، كشفت فبل ايام، أن أصوات حزب العدالة والتنمية الحاكم هبطت إلى نحو 34 في المائة للمرة الأولى منذ اعتلائه السلطة، بينما ارتفعت أصوات حزب الشعب الجمهوري إلى 28 في المائة، وحزب "الجيد" إلى 11 في المائة، وتراجع حزب الحركة القومية الحليف للحزب الحاكم إلى 8.9 في المائة، بينما حصل حزب "الديمقراطية والتقدم" أحدث أحزاب تركيا، الذي أسسه نائب رئيس الوزراء الأسبق علي بابا جان في مارس الماضي على 2.7 في المائة من الأصوات، وحزب "المستقبل" الذي أسسه رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو على 2.4 في المائة من الأصوات، وذلك في حال توجهت البلاد إلى انتخابات الآن.
الغالبية العظمى في تركيا ترى ان اردوغان لن يكون موجودا بعد الانتخابات المقبلة، بل ان الأصوات الان تتعالى في الداخل تطالب مجددا بوضع دستور جديد للبلاد يضمن إزالة جميع العقبات التي تعترض حرية الفكر والمعتقدات والإعلام وحرية تكوين النقابات ومبدأ الفصل بين السلطات واستقلالية القضاء، التي تعد من أهم ركائز سيادة القانون، ووضع نظام انتخابي جديد يضمن تمثيل الإرادة الوطنية على أوسع نطاق ممكن في البرلمان التركي.
والأكثر من ذلك ، فقد امتدت المطالب الى ضرورة إلغاء النظام الرئاسي والعودة إلى نظام البرلماني قوي، معتبرين أن أسوأ يوم عاشته تركيا هو 16 إبريل 2017 الذي شهد استفتاءً على تعديلات دستورية مهدت لتطبيق النظام الرئاسي بالبلاد بدلاً عن النظام البرلماني... هذا هو الحال الان في تركيا التي حاولوا ان يقنعونا بتطبيق تجربتها على مصر والمصريين. كثيرون لا يدركون ان الديمقراطية هي اكثر تحررا من أفكارهم ومعتقداتهم ، لانه ببساطة لكل شعب ووطن نموذجه الديمقراطي الذى يتناسب مع متطلبات واقعه الاجتماعى والاقتصادي.
--------------
استاذ بجامعة حلوان