كلام في الهوا
المتابع للعلاقات المصريه الافريقيه يستطيع ان يجزم بأن مصر قد خطت خطوات جذرية في سياق إعادة ضبط المسافات من القاهرة إلى غالبية أو كل العواصم الإفريقية، خاصة بعدثورة يونيه عام 2013 ، والمؤكد أن الفضل الأكبر في هذا الإطار يعزى إلى الرئيس السيسي الذي أعادة تقييم المشهد، وتحدث في زمن ترشحه للرئاسة المصرية عن استعداده للذهاب إلى أعقد نقطة تتشابك فيها العلاقات المصرية الإفريقية، أي اثيوبيا من جراء ازمة مياه النيل،ولعل من ينظر إلى الفعاليات التي شهدتها العاصمة المصرية" القاهرة "في 2019 في سنة ترؤسها للاتحاد الإفريقي، سوف يجد أن القاهرة قد احتضنت أكثر من عشرة مؤتمرات إفريقية على أراضيها.
واصل الحكاية يبدأ عقب ثورة الثلاثين من يونيو 2013حيث بدأت مصر استفاقة حقيقة تجاه العالم الخارجي، وفي محاولة ناجحة لضبط المسافات مع بقية عواصم العالم، أولت القيادة السياسية، أهمية كبرة لإفريقيا، والمحلل المتابع المحقق والمدقق لخطابات الرجل يجده يؤكد مرارا وتكرارا على اعتزاز مصر بانتمائها الإفريقي، كما باتت العلاقات مع دول القارة السمراء مرتبة ومتقدمة على أجندة صانع القرار المصري، وهذا الأمر تجلى في مشاركة السيسي في قمتي الاتحاد الافريقي بغينيا الاستوائية وأديس أبابا، فضلا عن الجولات الإفريقية التي قام بها الرئيس إلى دول إفريقية، واستنهاض الهمة المصرية في إقامة المشروعات الحيوية للأفارقة مثل سد تنزانيا..
ان التحركات المصريه تجاه افريقيا من خلال الدبوماسيه الرئاسيه تنبع من رؤيه الدوله المصريه، وهي ليست عشوائية أو انفعالية بل تقوم على أساس برنامج الاتحاد الإفريقي 2063، وبرنامج الأمم المتحدة 2030، وتمضي في نحو 19 مجالا حيويا على أرض الواقع، وتتمايز أنشطة التعاون بين ما هو سياسي وما هو اقتصادي.
أن جولات الرئيس السيسى لإفريقيا هى جزء من الاستراتيجية المصرية للعودة والتفاعل مع أفريقيا، واستعادة الدور المصرى والمكانة التى انسحبت منها خلال الثلاثة عقود الأخيرة،كما تعتبر الدبلوماسية الرئاسية التي يقوم بها الرئيس هى الأداة الأكثر فعالية فى أفريقيا لأنها تختصر الطريق وتفعل ما يتم الاتفاق عليه سواء على مستوى العلاقات الثنائية فى المجال الاقتصادى والتجارى والسياسى والأمر نفسه يتم فى العمل الإفريقى، حيث يشارك الرئيس فى أغلب الفعاليات، وهذا يعطى ثقل أكبر لهذه الزيارات على أن يتم متابعتها من خلال المؤسسات والأجهزة المختصة،وهذه الخطوات من تنبع من رؤية واستراتيجية متكاملةمما يسهم في استعادة وتمكين هذه العلاقات ووضع أطر للتعاون وإعادة أسهم مصر فى أفريقيا.
.. وبدبلوماسية مكوكية،واستثمار جيد للمتغيرات علي الصعيدين الإقليمي والدولي،استطاعت الدولة المصرية أن تنقل على مدار عام هو مدة رئاسته للاتحاد الأفريقي، قضايا القارة السمراء من المحلية إلى العالمية، لتقدم للعالم أجمع هموم وآمال أبناء القارة وتمد جسوراً من الثقة فتحت بدورها الباب أمام مشاركة أكثر فاعلية فى حل مشكلات الدول الأفريقية، ومساهمة دولية أكبر فى الاستثمار وإعادة البناء فى دول تخلفت كثيراً عن ركب التنمية، كما تسعي بشكل مستمر ،ودائم علي ان تكون لاعبا اقليميا ودوليا في مستقبل القاره في ظل التغيرات المتوقعه خلال القرن الحالي.
يحسب للرئيس في انه استطاع خلال توليه مسئوليه اداره البلاد في ان تتحول القاهرة، وفي غضون خمسة أعوام إلى قلب جديد للقارة الافريقية،ربما يضاهي وينافس جنوب إفريقيا، ولا يكاد يمر شهر من شهور السنة من دون زيارة رئيس إفريقي أو مسؤول كبير لمناقشة خطوط التعاون الثنائي مع مصر، وعادت الأكاديميات العسكرية والأمنية المصرية" مزارا هاما " لكبار ضباط القوات المسلحة، وقوات الشرطة من كافة الدول الإفريقية،بعدما نجح في احداث نقله نوعيه على صعيد العلاقات المصرية الأفريقية خلال السنوات الماضية،ما أدي لتزايد الوجود المصري في أفريقيا، وتسابق عشرات الشركات المصرية للاستثمار فيها.
ايضا استطاعت الدولة المصرية ممثلة فى الرئيس عبدالفتاح السيسي أن تحقق نجاحات عدة فى ملفات القارة الشائكة، بمقدمتها مكافحة الإرهاب والبحث عن حلول واقعية وعملية لظاهرة الهجرة غير الشرعية من القارة السمراء، وتدشين مشروعات تنموية كبري فى الدول التى طالما عانت نزاعات أهلية وحروب وإرهاب، وقبل ذلك كله التصدي لمحاولات التعدي علي دول القارة، كما هو الحال فى مع محاولات تركيا غزو الأراضي الليبية.
إن تحركات الرئيس الأفريقية وعمله لتعزيز العلاقات مع كل دول أفريقيا من ناحية وإبراز القضايا الأفريقية وتطلع الدول الأفريقية للتنمية في كل المحافل الدولية من ناحية أخرى كلها تحركات غير مسبوقة وتخضع لرؤى واضحة،لانه يؤمن ويسعي الي الي ان تكون أفريقيا أكبر منطقة جاذبة للاستثمارات في العالم هي أكبر دعاية للقارة السمراء ومقدراتها وكنوزها، خاصة مع ادراكه لما مرت به مختلف الدول الأفريقية من مصاعب خلال العقود الماضية ورغبة كل دولها في التحرر من أسر التخلف والسير في ركاب الحضارة.
..وتبقي نقطه هامه وتتمثل في ان العلاقات المصرية- الإفريقية تصب في صالح الحضور العربي داخل القارة التي تحتاج إلى تنمية وتطوير، وهناك شراكات عربية – عربية، ومصرية خليجية على الأراضي الإفريقية، لاسيما في ظل وجود أطراف تراهن على موقع القارة السمراء حتى تجعله حاضنة إرهابية بعدما باءت تجربتها السابقة في سوريا والعراق بالفشل الخلاصه انه مثلما تجد مصر نفسها المتأثر الأول بما يجري في ليبيا، ولذلك فهي تدعو لتفعيل التعاون الإفريقي – العربي، بين دول الساحل والصحراء، وغيرها من دول شمال إفريقيا العربية، وعليه فإن آفاق التعاون المصري الإفريقي تتنامى يوما تلو الآخر، لاسيما في ظل مشروعات كبرى كالربط الكهربائي، وشق الطرقات الدولية، وتفعيل مناطق التجارة الحرة، ولم تعد مصر تولي وجهها شطر أوربا أو أميركا فقط، بل تتطلع أيضا إلى إفريقيا، فيما يقال إن العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين سوف يصبح عقدا إفريقيا خالصا بالنسبة لمصر والمصريين من حيث التوجه والاهتمام..
وفي النهاية يمكن القول بان الرئيس السيسي نجح في تاكيد ،واثبات أن مصر قد تحولت مجددا إلى رقم صعب في القارة الإفريقية، وتقديرا لجهودها في دعم التعاون الإفريقي،وهو قول يؤكده الواقع قولا وفعلا، لاسيما أن إفريقيا اليوم تكاد تتحول إلى ساحة أممية للتنازع بين القوى الإقليمية والقوى الدولية الكبرى، أي الجهات التي تنظر إلى القارة بمثابة فرصة غنية بالموارد الطبيعية من جهة، أو تتعامل معها كفرص استثمارية واعدة من جهة أخرى.
خارج النص:
ويبقي السؤال هل تستطيع مصر في خلال السنوات القادمه في استعادة افريقيا باعتبارها عمقا استراتيجيا لها ؟وهل تستطيع ان تقود حركه التنميه لشعوب القاره مثلما فعلت حينما ساعدتهم، ودعمت حركات التحرر الوطني الافريقي للحصول علي الاستقلال في ستينات القرن الماضي؟