بنات أفكارى
دعت إحدى الأمهات فى جروب نسائى، العضوات التفكير معها إين يخفى طفل يبلغ عمره عشرة أشهر شئ ثمين، حيث استطاع صغيرها إخفاء خاتمها الذهبى، ولكنه لم يستطع تذكر أو الإشاره لمكانه، وإنهالت الأمهات بالتوقعات للأماكن اللانهائية التى قد يخبأ فيها صغارهن الأشياء بداية من قذفها من الشباك مروراً بالأوانى فى المطبخ وتحت السجاد وفى جيوب الملابس!
تذكرت ابنتى عندما كانت صغيرة فتأخذ بعض الأقلام والريموت كنترول وغيرها من الأشياء التى لا تعى معناها وقيمتها، وتضعها داخل حقيبة سيارتها اللعبة، وبعد مشقة البحث وبسؤالها تذهب لتحضرها من مخبأها السرى وتبتسم!
أشياء يراها الصغار مهمة وخاصة بالكبار، ومتوافرة لديهم ولكنهم لا يدركون قيمتها، غير كونها مجرد لعبة يلهون بها بعض الشئ، ثم يملون منها فينسوها فى أى مكان، لا يقدرون كم هى نعمة أن يلعبوا بممتلكات غالية دون غيرهم الذين لا يملكون مثلها.
تنبهت هنا لمصطلح قديم يصف بعض الأشخاص الذين قد يعترضوا حياتنا، أو نسمع عنهم، ولا ينتهون، فمن على شاكلتهم مستمرون فى كل وقت وحين، برغم سقوط غيرهم سقوطاً مدوياً، "فما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع".
"مُحدِثوا النعمة"، هؤلاء الأشخاص الذين أنعم الله عليهم بالمال أوالمنصب، وتغير حالهم من العدم، فبدلاً من المحافظة عليها بالتواضع وعدم التكبر وتقبل النصيحة ومساعدة الناس، فيصيبهم الغرور والتفاخر، ويستخدموا نعمة "الثراء" فى التعالى والابتذال، بعد أن ينتقلوا من طبقة بسيطة إلى طبقة أعلى، فيتناسوا مع هذا الانتقال الطبقى القيم الأخلاقية والاجتماعية النبيلة التى يجب أن تكون، ربما نكاية فى أشخاص تنكروا لهم فى سابق حياتهم.
هؤلاء الأشخاص يطلق عليهم الأثرياء الجدد (Nouveau riche)، أوأغنياء الحرب.. فى الماضى كنا نلاحظهم فى دائرة معارفنا أو مَن حولنا، ولكن هذه الأيام مع تعاظم دور السوشيال ميديا أصبحنا نراهم فى كل لحظة وكل دقيقة وأشخاص قد لاتربطنا بهم علاقة اجتماعية.. المشكلة تكمن فى المجتمع الاستهلاكى يضع لكل شئ قيمة مالية حتى العلاقات الإنسانية..تلك النظرة التى جعلت "المُحدِثون" يتبعون شهوة التفاخرولا يدركون قيمة ما لديهم من نعم كالأطفال الصغار!
يتصرفون بأنانية ويجرحون الآخرين لمجرد الظهور والتباهى واكتساب مزيداً من الشهرة الفارغة، فقاعة هواء تتحول إلى بالون، حتى يصلوا إلى نقطة لايسطيعون فيها السيطرة على غرورهم، ويقعوا فى خطأ فادح ينفجر منه البالون الأجوف، وتصير النعمة ابتلاء، فيبتلى الله بعض الناس بالنعم وأن لم تصان تصبح ابتلاء.. وتظل أحشاء مُحدِثى النعمة مملؤه فقراً.
الشهرة الزائفة وصناعة بطل من ورق، قد تحوله إلى تنين يأكل كل من يعترض طريقه، ويحرق كل من يسانده ويدعمه.. يتناسى فضل الله، ويردد كلمة "أنا" مئات المرات، يتخذ من ذيل الطاووس شعاراً، يتجاهل أخطائه المتكرره التى تسحبه من بساط العز والجاه.
حالات سمعنا عنها قديماً، وزادت فى حياتنا المعاصره، وقد لا تنتهى فى المستقبل، سنظل نرصدها بأعيوننا، ونحصن أنفسنا وأبنائنا منها.. ونسير على درب الأمام على بن أبى طالب فى قوله: إذا كنت فى نعمة فارعها.. فإن المعاصى تزيل النعم..وحافظ عليها بتقوى الإله.. فإن الإله سريع النقم.