لوجه الله
الرفض الرسمى والشعبى المصرى للتنمر يجسد إنسانية المصريين ورقيهم ويؤكد أن سلوك القلة المنحرفة التى خرجت عن النص خلال الأيام الماضية بعيدة كل البعد عن أخلاق المصريين، وملاحقتهم من قبل أجهزة الدولة وتقديمهم للعدالة يؤكد أن كل من يمارس إسفافا وانحرافا عن القيم والأخلاق سوف ينال عقابه الرادع ليكون عبرة لمن يعتبر.
قانونا.. تم تعديل قانون العقوبات المصرى مؤخرا لتشديد عقوبة التنمر بإضافة مادة جديدة لقانون العقوبات، برقم (309 مكرر ب)، والتي أوردت تعريفا للتنمر وذلك في ضوء تزايد الظاهرة وتناميها بصورة تشكل خطراً على أمن وسلامة المجتمع المصري، ولتحقيق العدالة الاجتماعية.. حيث نص التعديل على أنه "يعد تنمرا كل استعراض قوة أو سيطرة للجاني، أو استغلال ضعف للمجني عليه، أو لحالة يعتقد الجاني أنها تسئ للمجني عليه، كالجنس أو العرق أو الدين أو الأوصاف البدنية، أو الحالة الصحية أو العقلية أو المستوى الاجتماعي، بقصد تخويفه أو وضعه موضع السخرية، أو الحط من شأنه أو إقصائه عن محيطه الاجتماعي.. وحدد القانون عقاب المتنمر بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، وبغرامة لا تقل عن 10 آلاف جنيه، ولا تزيد على 30 ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين".. كما نص القانون على تشديد عقوبة التنمر فى حالات معينة كأن كان المرتكب لجريمة التنمر من أصول المجنى عليه أو المتولين تربيته، أو كان خادما لديه.
هذا الردع القانونى مهم جدا فى مواجهة ظاهرة التنمر فالله سبحانه وتعالى (يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن) كما قال عثمان بن عفان رضى الله عنه.
***
دينيا.. أكدت دار الافتاء أن التنمر سلوك مذموم شرعا، ومجرم قانونا؛ وذلك لما يشتمل عليه من الإيذاء والضرر الـمُحَرَّمين، إضافة لخطورته على الأمن المجتمعي.. وقالت فى فتوى لها "التنمر سلوك عدواني يهدف للإضرار بشخص آخر عمدا؛ سواء كان العدوان جسديا أو نفسيا" وهو بهذا الوصف عمل محرم شرعا، ويدل على "خِسة صاحبه وقلة مروءته"؛ ذلك لأن الشريعة الإسلامية حرمت الإيذاء بكل صوره وأشكاله، والله عز وجل يقول فى كتابه الحكيم: "والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا".. ويقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إن دماءكم وأَموالكم وأَعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا».
وأكد دار الافتاء أن التنمر يشتمل على جملة من الإيذاءات النفسية أو الجسدية الحاصلة من الـمتنمر، والتي يحصل بسببها ضرر على الـمتنمر عليه؛ وقد جاءت الشريعة الإسلامية لحماية الإنسان من كل ما يمكن أن يصيبه بالضرر؛ ففي الحديث الصحيح أَن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا ضرر ولا ضرار»؛ فحرَّمت الشريعة عليه كل ما يضره، وجرمت إيصال الضرر إليه بشتى الوسائل؛ والإيذاء والاعتداء الحاصل من الـمتنمر تجاه الآخر هو من الإضرار بالغير الممنوع شرعا.
وأوضحت الافتاء أن التنمر يشتمل على السخرية واللمز والاحتقار؛ وهي أفعال مذمومة؛ جاء الشرع الشريف بالنهي عنها صراحة في القرآن الكريم بقول الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون".. فالتنمر قد يشتمل على السب وبذاءة اللسان، وهو محرم شرعا، وموجب لفسق صاحبه؛ ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر".
***
اجتماعيا وأخلاقيا هناك رفض تام لكل سلوك المتنمرين ظهر بوضوح من خلال وسائل الإعلام المصرية ومواقع التواصل الاجتماعى.. والواقع أنه بعد هذه الإدانة الدينية والتجريم القانونى للتنمر، والرفض الاجتماعى لهذه السلوكيات القبيحة لا يجوز لأحد تبرير سلوك المتنمرين، ولا البحث عن ثغرات قانونية لكى يفلتوا من العقوبة، وذلك إذا أردنا أن نقضى على هذه الظاهرة بكل أشكالها، ونطهر مجتمعنا المصرى منها.. فالتنمر سلوك معيب، مرفوض شرعا كما هو مرفوض خلقا وآدابا، ونحن فى مصر تربينا على الاحترام المتبادل، وتربينا على احترام حقوق الآخرين أيا كانت صورهم أو هيئاتهم، كما تربينا على احترام النساء وكبار السن وأصحاب الهمم (ذوو الاحتياجات الخاصة) فهؤلاء يبنغى أن نتبارى جميعا فى كفالة حقوقهم واحترام إنسانيتهم، بل تربينا على احترام حقوق الحيوان وعدم إيذائه.. فما بالك بالإنسان الذى كرمه الله، وحث كل عباده على كفالة حقوقه والإحسان إليه.
الشباب المنفلت الذين يستهينون بالآخرين ويوجهون الاساءات لهم ينبغى تطبيق العقوبات المقررة عليهم حتى يكونوا عبرة لمن يعتبر، وحتى تحقق العقوبات الردع المطلوب، ونرتقى بالسلوك العام فى المجتمع المصرى، ونلزم الجميع بكل ما هو راق ومتحضر من السلوك حيث ما زلنا نشاهد بعض صور الاسفاف من شباب مستهتر بقيمنا وأخلاقنا وتعاليم ديننا.
**
لقد سعدنا جميعا بملاحقة بعض الشباب الذين ارتكبوا جريمة التنمر من قبل أجهزة الأمن وتقديمهم للعدالة، وبالتأكيد ستكون العقوبات الموقعة عليهم رادعا قويا لكل من تسول له نفسه الاستهانة بإنسانية الآخرين وممارسة التنمر بأى شكل ضدهم.
وهنا نذكر الآباء والأمهات بواجبهم التربوى والأخلاقى تجاه أولادهم فمواجهة التنمر والاستهانة بحقوق الآخرين تبدأ من داخل الآخرة، فسلوك الشخص خارج البيت تعكس بوضوح أسلوب التربية الذى تربى عليه داخل أسرته.
واجب الآباء والأمهات تربية أولادهم منذ الصغر على عدم الاستهانة بالآخرين وغرس الآداب والأخلاق الراقية التى ألزمنا بها ديننا وفى مقدمتها احترام حقوق الآخرين ولن يتحقق ذلك إلا إذا كان ىلآباء قدوة طيبة لأولادهم فى الالتزام الأخلاقى.
لو ربينا أولادنا على تعاليم وقيم وأخلاق ديننا لاختفى التنمر وظواهر سلبية كثيرة نعانى منها الآن؛ فالقيم والآداب الدينية تلزمنا بالفضائل، وتفرض علينا السلوك النبيل، وبذلك تختفى من حياتنا كل صور السلوك القبيح.
ما أحوجنا الى أن يسود السلوك الراقى المتحضر كل مظاهر حياتنا، فنحن المصريين أصحاب حضارة راقية وقد صدرنا للعالم كل ما يرقى بالسلوك ويهذب الآخلاق.. ولذلك أصبح مواجهة كل انفلات سلوكى بكل حسم أيا كان شكل هذا السلوك واجبا دينيا ووطنيا.