معاً للمستقبل
ما من شك أن أمتنا العربية تعيش أصعب مراحل تاريخها قاطبة؛ ذلك أن وحدة أقطارها تراجعت بصورة ملحوظة بعد أن شق صفها شرذمة منها..فتراجع الاهتمام والدعم الدولي لقضاياها وحقوقها، وتداعت عليها القوى الطامعة في ثرواتها وخيراتها مستغلة ما تفجر في بنيانها من نزاعات بينية وانقسامات تعيد لأذهاننا خطايا الاستعمار البغيض الذي نجح بخبث وعناية في ترسيم حدود عالمنا العربي بألغام لا تزال سبباً رئيسياً في إثارة نزاعات الحدود بين دول الجوار العربي بعضها بعضاً عبر ما سمي باتفاقية سايكس بيكو المشهورة ..وهي الألغام التي لم تنج منها دولة عربية واحدة وقد فتحت الباب لصراعات مكتومة أحياناً ومعلنة في أحايين كثيرة بين الأنظمة العربية بعضها بعضاً.. وكانت سبباً للفرقة ومانعاً للوحدة المنشودة حتى يومنا هذا.
ناهيك عما يتعرض له عالمنا العربي من حروب حديثة تستهدف تدمير دوله من داخلها بأيدي أبنائها الذين باتوا هدفاً للشائعات والتحريض والتشويش بغرض فك ارتباطهم بدولهم ليسهل ابتزازها والهيمنة على مقدراتها دون إطلاق طلقة واحدة بأيدي أعدائها.
احتلال العراق للكويت في تسعينيات القرن الماضي كان بمثابة ضربة موجعة لبنية النظام العربي.. وربما كان القشة التي قصمت ظهر البعير..وقدمت على طبق من فضة ذريعة للتدخل الأمريكي في منطقتنا بصورة سافرة انتهت باحتلال بلاد الرافدين في عام 2003.. وتلك خطوة فاصلة ترتب عليها تداعيات خطيرة تكشف على ضوئها في السنوات اللاحقة حقائق صادمة رفعت الستار عن مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي أعقبته الفوضى الخلاقة التي بشرت بها كوندوليزا رايس وهبت بالفعل في أواخر 2010 تحت مسمي الربيع العربي الذي تحولت رياحه إلى خريف تدفع أمتنا حتى اليوم فاتورته باهظة من استقرارها وتقدمها وحق أجيالها القادمة في حياة آمنة .
هجوم صدام حسين على الكويت كانت نقطة البداية لتنفيذ خطة السيطرة على المنطقة بعد تفتيت دولها ودق الأسافين فيما بينها.. ثم جاءت إدارة أوباما لتستكمل ما بدأته إدارة بوش الابن ؛ لكن يبقى جوهر الاستراتيجية الأمريكية واحدًا لا خلاف عليه ؛بل يتعهد بتنفيذه الرئيس الأمريكي ديمقراطياً كان أو جمهورياً لا فرق بينهما إلا في الإجراءات والوسائل.. لكن الغاية واحدة تحرسها مؤسسات الدولة وأركانها الرئيسية..أقول هذا بمناسبة ما أصدره باراك اوباما الرئيس الأمريكي الأسبق ذو الجذور الأفريقية من مذكرات في كتابه "الأرض الموعودة" الذي نُشر جزؤه الأول ليسرد مسيرته السياسية الأولى وحملته الانتخابية راصداً انطباعاته الشخصية عن زعماء بعض الدول، وهي انطباعات جاء بعضها سلبيًا عن طائفة من الرؤساء وبينهم رئيس مصر الأسبق حسنى مبارك الذي تخلت عنه إدارة أوباما غداة اندلاع أحداث يناير 2011، بل سعت لمساعدة المطالبين بالتغيير الذي لم يبدأ في رأيي من هذه اللحظة بل سبقته إرهاصات ومقدمات مهدت الأرض أمام ميلاد مثل هذه العاصفة.. وهو ما يدركه المراقبون السياسيون الذين يعلمون أن شرارة التغيير الفوضوي انطلقت مع ولاية بوش الابن والمحافظين الجدد في إدارته التي تبنت مشروع الفوضي الخلاقة الذي بشرت به كوتدوليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية وقتها..وكان أحد تجلياته الغزو الأمريكي للعراق الذي تم بالتنسيق والتعاون مع إيران حتى لا تعترض الأخيرة وأنصارها في العراق على غزو بلاد الرافدين وإسقاط نظامها الحاكم.
الوجه القبيح لمشروع الفوضى الخلاقة بدا جلياً في خطاب بوش الابن الذي ألقاه في مؤتمر السلام بشرم الشيخ ..ومن يومها لم تتوقف آلة التدمير عن استهداف العراق الذي لم يعرف أهله استقراراً ولا طريقاً للديمقراطية الأمريكية المزعومة التي جاءته على دبابات البنتاجون.. وكل ما حدث هو انتهاك العراق ونهب خيراته وتركه ساحة مفتوحة للصراعات الأيديولوجية والفوضى والتخريب لكل من هبّ ودبّ.
استبشر البعض بصعود أوباما لرئاسة أمريكا؛ خدعتهم بشرته السمراء ولغته المخادعة وخطابه الذي ألقاه في جامعة القاهرة التي حرص على زيارتها كما حرص على دغدغة مشاعر المسلمين حول العالم بكلمات براقة سرعان ما ثبت زيفها فيما أحدثه صاحبها من فوضى هدامة جرى زرعها في أرضنا العربية، ومهدت الأرض أمام خلط الدين بالسياسة، وتوظيف تيارات العنف والإرهاب لركوب الموجة أو الهوجة بتعبير أدق في عالمنا العربي.
ثمة مغالطات كثيرة انطوت عليها مذكرات أوباما ..فإذا كان قد سلط الضوء على زعماء بعينهم واصفاً إياهم بالديكتاتورية..وكنا ننتظر منه بدلاً من النبش في سيرة أموات رحلوا عن دنيانا بما لهم وما عليهم أن يجيب عن سؤال أحسبه لا يجرؤ على الاقتراب من الحقيقة فيه وهو: منْ صنع داعش وأقرانه..من أمدهم بالمال والسلاح والدعم اللوجيستي ..من سمح لهم باختراق أرض العرب وانتهاك حرمتها وتحويل بعضها إلى جحيم أكل الأخضر واليابس وبدد الحضارة وأزهق روح الإنسانية.. ناهيك عن الشعور بالأمن أو الاستقرار.
كنا نرجو ممن يتشدقون بالديمقراطية والقانون الإنساني الدولي من قادة الغرب لو قاموا بالتكفير عن خطايا أسلافهم المستعمرين الذين نهبوا خيرات الشرق وأذلوا أهله قروناً أن يتخلوا عن عقلية المستعمر ومصاص الدماء، بدلاً من خلق داعش والقاعدة وإطلاقها تعيث في أرض العرب فساداً وتدميراً وقتلاً وتخريباً.
أمريكا والغرب ومن ورائهما ربيبتهما إسرائيل كانت على علم بشهادة منصفين من الغرب نفسه وبدلائل قوية تؤكد كلها أن داعش صنيعة الغرب، وأن جماعة الإخوان متورطة في أعمال عنف وتخريب في مصر وكثير من البلدان العربية وحتى الأوروبية؛ فهي-أي جماعة الإخوان- داعمة بل منبتة لجماعات العنف والمتطرفين حول العالم بالفكر تارة، وبالأموال تارة أخرى تحت سمع وبصر أنظمة دول وحكومات لا تخفي تأييدها لهذه الجماعة وغيرها من الجماعات المسلحة مثل تركيا وقطر وإيران..فبأي وجه تخرج علينا الإدارة الأمريكية من حين لآخر لتقول إنها جادة في محاربة الإرهاب وتنظيماته حول العالم..؟!
عقد قمة عربية فعالة بات مطلوباً بشدة هذه الأيام رغم أنها باتت تنعقد بشق الأنفس حتى أنها تعقد وتنفض دون نتائج ملموسة من شأنها استعادة الصف أو رأب الصدع أو إحداث تغيير حقيقي على الأرض يعيد للأمة هيبتها ويذود عن حياضها لاسيما في ظل ما نراه من تراجعات تزداد عاماً بعد الآخر، حتى أفضى ذلك إلى خروج البعض عن الحدود الدنيا للإجماع أو التوافق لينسج مكائد سياسية وصراعات خفية ومعلنة كما فعلت الدوحة، ولا تزال مع جاراتها الخليجيات ومصر وليبيا وغيرها..الأمر الذي جرأ أردوغان على غزو شمال سوريا ثم العراق وليبيا بصلف وغرور غير مسبوقين وما كان لرئيس تركيا أن يفعل ذلك إلا لتراجع العرب وضعف الاهتمام بقضاياهم المصيرية التي لم تعد بنداً حاضرًا على جدول الأعمال.. فكنا نرجو مثلاً أن يتصدر ملف سد النهضة أولويات الدول العربية وشواغلها حتى تكف أثيوبيا عن مراوغاتها وتعنتها حيال دولتي المصب والانصياع لاتفاق ملزم حول إدارة وملء السد وتشغيله.
ما أحوجنا الآن إلى محور عربي فعال ورادع وقادر على مجابهة ما يحدق بنا من مخاطر تهدد وجودنا للحفاظ على ما بقي من مقومات هذه الأمة.
كثيرة هي إخفاقات العرب ونكباتهم.. وكلها للأسف من صنع أيديهم ونتاج خلافاتهم البينية وخيانة بعضهم لقضايا أمتنا ومصالحها الإستراتيجية ..ورغم ما تملكه هذه الأمة من موارد بشرية وطبيعية هائلة فلا يزال مواطنوها على مسافة هائلة من نظرائهم في الغرب من حيث التعليم والبحث العلمي والتفكير والإنتاج والصحة..فهل هناك نكسة أكبر من جلوسنا على مقاعد المتفرجين في السباق العالمي لإنتاج لقاح لفيروس كورونا وننتظر أن يمنَّ علينا أصحاب السبق بما نحتاجه من جرعات لتقينا شر الوباء المستجد..ناهيك عن استيراد أكثر احتياجاتنا من الغذاء والكساء والدواء والسلاح وحتى الكماليات من الخارج..لكن وإحقاقاً للحق فإن للرئيس السيسي تصريحات شجاعة ومؤثرة نبهنا بها إلى الأخطار الكبرى للتدخلات الخارجية في شئون الدول العربية واحتلال تركيا أجزاء من سوريا والعراق وتدخلها السافر في ليبيا، مؤكداً أنها أراضٍ عربية لا يجوز لأحد أن يقرر مصيرها إلا شعبها، وأن فلسطين هي قضية العرب المركزية، مطالباً بالحل السياسي في اليمن وليبيا؛ فمصيرهما لابد أن يحدده أهلهما وحدهم دون وصاية من أحد لقطع الطريق على الأطماع التوسعية لأردوغان وغيره من المتربصين بثروات ليبيا وغيرها من بلاد العرب.
والسؤال: إلى متى يعول العرب على موقف المجتمع الدولي الذي لا يحرك ساكنا تجاه قضاياهم وحقوقهم المهضومة، ويقف صامتاً على خروقات وانتهاكات أردوغان وتميم قطر..حتى بات هناك اعتقاد بأن الغرب الذي يعلم أدق تفاصيل خلافاتنا هو من يدبر تلك الخلافات ويصنع تلك الأزمات ليستفيد هو منها ويفيد أطرافاً أخرى تجمعه بها مصالح مشتركة على حسابنا..ويحملني على هذا الاعتقاد ما قاله ترامب الرئيس المنتهية ولايته على مرأي ومسمع من العالم أجمع أنه سيتقاضى مقابلاً نظير توفير الحماية لأي دولة.. وهو نهج تاجر براجماتي يتعامل مع المواقف بمنطق الصفقة، باحثاً عن المكسب أينما كان على حساب أي شيء..ولمَ لا وقد قالها الرجل صريحة إن الأخلاق والإنسانية لا تحكم العالم بل تحكمه المصالح فقط؛ ومن ثم فلا مكان للقيم الإنسانية..وقد اعترف ترامب بأنهم كانوا يقلبون الأنظمة ويدمرون الدول تحت مسمى الديمقراطية لأن همهم أن يثبتوا للجميع أنهم شرطة العالم ..أما اليوم فلم يعد هناك داعٍ للاختباء فأنا - والكلام لترامب- أقول أمامكم لقد تحولت أمريكا من شرطة إلى شركة والشركات تبيع وتشتري، وهي مع من يدفع أكثر ..والشركات كي تبني عليها أن تهدم دائماً..ثم يصل ترامب إلى نتيجة صادمة ومفزعة للعرب أجمعين بقوله "لا يوجد مكان مهيأ للهدم أكثر من العالم العربي ، وأن السيطرة على نفطه إذا ما تمت اكتملت السيطرة على أوروبا "..هكذا كان ترامب يفكر ..وهكذا تعامل مع قضايا العرب المختلفة..الأمر الذي يطرح سؤالاً: هل ستتغير سياسة أمريكا ومواقفها مع العرب في عهد بايدن عما كانت عليه في عهد ترامب وأوباما..وإن كانت الإجابة بالنفي ..فهل يسارع العرب لتكوين موقف موحد في مجابهة التحديات والمخاطر..؟!
رأيي أن هناك أموراً استجدت ولابد من التعامل معها بواقعية ؛ فمصر الجديدة مثلاً ليست هي مصر 2011 ولا حتى 2013 إنها الآن بلد المؤسسات والتنمية والسيادة والاستقلال تستمد قوتها من صلابة شعبها وقوة جبهتها الداخلية، ويمكنها التعامل مع الرئيس الأمريكي القادم شأنه شأن كل زعماء العالم بمنطق تبادل المنافع والمصالح الاستراتيجية على أساس قاعدة عدم التدخل في شئون الغير .
وإذا كنا نطالب بإنقاذ الجامعة العربية حتى يمكنها بلورة موقف عربي موحد وتنمية الإنسان العربي صحياً وتعليمياً وتكوين قوة عربية موحدة.. فإننا نطالب في الوقت ذاته بإصلاح النظام الدولي وخصوصاً مجلس الأمن ليصبح أكثر عدالة ومصداقية بتوسيع عضويته حتى لا تقتصر على الخمسة الكبار الذين بإمكان أي منهم إشهار الفيتو تحقيقاً لمصالحه على حساب حقوق الضعفاء وعلى أنقاض العدالة..قوة العرب لابد أن تنبع من داخلهم لا من التعويل على الجالس فوق كرسي البيت الأبيض ..فأنت من تضع نفسك في مكانك المستحق.. والقوة لا توهب بل تنتزع وعلينا أن نتحد قبل أن يأتي يوم نقول فيه "أُكلنا يوم أكل الثور الأبيض".