برقيات
كشفت عمليات التنقيب عن الأثار مؤخرا في البر الغربي بالأقصر عن 45 ورشة ملكية وهو حدث بالغ الأهمية وفق تصريحات الدكتور زاهي حواس، هذه الورش كان يتم فيها تنظيف الأثار قبل دخولها المقبرة إلي جانب أعمال ترميمها، وورش ذهب، وفخار، وأدوات أحجار كريمة، وصناعة الحصير وأخري للكتان، والجلود، وورش مختلفة إضافة إلي استخراج أول مقبرة تكتب باسم مصر لآن الـ64 مقبرة التي تم كشفها في وادي الملوك من قبل كانت كلها بواسطة الأجانب لكن المقبرة الـ65 كشفت بسواعد مصريه وداخل المقبرة وجد كل أدوات الترميم والتحنيط بما فيها فرشة وطبق ألوان حتي يعملوا "ميكب" للمومياوات حتي يظلوا بصورة جيده زاهيه وهم ينتقلون للعالم الأخر.
ورش متخصصة شديدة التنوع توضح مدي الدقة والإتقان المبهر المعجز لأجدادنا القدماء, ولعل اختفاء تلك الورش واندثار الصناعات والحرف اليدوية المتقنة يفسر حال التراجع والاضمحلال الذي نشكو منه جميعا مع تراجع التعليم المهني والفني بشكل عام.
من أوراق التاريخ انقض الجنود العثمانيون عام 1517 بأوامر من السلطان سليم الأول علي منازل وورش وأماكن عمل المصريين وكانوا يشحنون أمهر صناع النحاس والسجاد والخزف والخراطين والخطاطين والبنائين والنجارين وعمال الرخام والقبانيين والحدادين والوراقين والمبلطين والنحاتين وغيرهم من أصحاب الحرف المهرة وأصحاب الفنون حتي أن ابن إياس في كتابه بدائع الزهور في وقائع الدهور, كتب أن عدد تلك المهن خمسين مهنة, بينما ذكر أخرون أنها ثلاث وخمسين مهنة المهم أنها نقلت بكل قوة وغلظة إلي الاستانة عاصمة الدولة العثمانية لتبني بهم نهضتها, وترك في مصر الحرف البسيطة الرديئة التي لا تصنع نهضة ولا ترتبط بعلم أو ابتكار.
وحين أصبحت الدولة العثمانية رجل العالم المريض تهاوت بنفس السرعة التي بناها الحرفي والصانع المصري, لكن النتيجة المؤكدة هي انهيار الصناعة والبناء في مصر طيلة فترة الاحتلال العثماني وما بعدها من فترات احتلال.
الورش المكتشفة حديثا في وادي الملوك, كان يمكن حال استمرارها بكل ما تبوح به من أسرار في الصناعة والعلوم والفنون اعتلاء قمة العالم ولا تبارينا قوة أخري مهما عظمت, خاصة وان العالم يضم دولا بدأت نهضتها في التاريخ الحديث بعد الحرب العالمية الثانية مثل ألمانيا الاتحادية وهي الأن من أكبر اقتصاديات الاتحاد الأوروبي بل والعالم.
خلال مشاركتي احتفالات جامعة "أولم" الألمانية باليوبيل الذهبي عام 2017 علمت أن ولاية بادن فورتمبورغ وهى إحدى مقاطعات ألمانيا الستة عشر والتي يقع حرم الجامعة في نطاقها, أنها لو أرادت الاستقلال عن ألمانيا سيكون ترتيبها اقتصاديا الـ17 على العالم حيث أنها تصدر وحدها 220مليار يورو سنويا، مصنع المسامير ينتج وحدة بـ 12مليار يورو, مكاتبها الاستشارية تصدر استشارات فقط بـ12مليار يورو ومن هنا تأتى القوه والأهمية والمكانة، لمنظومة متكاملة تحكى قصة نجاح مبهره أبطالها الصناعات الصغيرة, والاهتمام بالقوي العاملة الموهوبة المتعلمة التي مكنت ألمانيا أن تحتل مكانها في صناعة السيارات والآلات والمواد الكيماوية والمعدات والأدوات المنزلية في جميع أنحاء العالم وتعتبر الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تتمتع بدرجة عالية من الابتكار هي العمود الفقري للاقتصاد الألماني وهي محرك الصادرات وكثير من هذه الشركات تمثل مع الشركات الكبرى قاعدة للصناعات التحويلية في ألمانيا مثل باير وباسف و دايملر فولكس فاجن وسيمنس ومرسيدس, وغيرها.
حين يذكرنا الأجداد بما كان لديهم من نهضة صناعية وعلمية وثقافية تفوح بها جدران المعابد وتخلدها المسلات وتجود بها الاكتشافات الأثرية الهامة وأخرها 45 ورشة متخصصة حتي في فن المكياج, يحق لنا السؤال عن التعليم الفني والمرتبط بالصناعات الصغيرة والمتوسطة وكيف لم تمتد له يد الإصلاح بما يليق به وبمصر حتي الأن, التعليم الصناعي والمزدوج الذي له كل التقدير والاحترام في بلاد غير بلادنا مثل ألمانيا مازال يعاني من الإهمال الشديد والنظرة الدونية لأصحابه.
صحيح أن الدولة أبدت اهتماما بالمشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر وأنشئت لها جهاز متخصص عام 2017 ليحل محل الصندوق الاجتماعي للتنمية الذي أنشئ عام 1991, والهدف في كل الأحوال من هذا أو ذاك وضع برنامج وطني للتنمية وتطوير المشروعات, وأهمس لهما ولمبادرة البنك المركزي لتمويل المشروعات إن أردتم النجاح أما أن تبدأوا من حيث انتهي الأجداد بورشهم المكتشفة حديثا أو من ولاية بادن فورتمبرج المؤهلة باقتصادها الاستقلال عن ألمانيا لو أرادت ذلك.