أبيض وأسود
(1)
"هكذا تعلَّم فايس أنّ الدرس الأوّل من أصول الفنّ الوطنيّ المعقَّد في المخاتلة والوصوليّة بعد تغيير أيّ نظام هو التالي: آلافٌ من الإمّعات والمتبدِّلين يشاركون في التسلّق، لذا فإنّ المنافسة ستكون قاسية علي أشدّها".. عندما كتب الأسباني العظيم كارلوس زافون هذه القاعدة في رواية سجين السماء الجزء الثالث من ثلاثية مقبرة الكتب المنسية، كان يحاول أن يكشف الآثار السلبية للحرب الأهلية على المشهد الثقافي الإسباني في الخمسينات، وكان يزيل ورقة التوت لتعرية بعض رموز النخبة الثقافية والفنية المتسلطة والمتصدرة، كان زافون يسترجع التاريخ بعد مرور نصف قرن علي هذه الأحداث للوقوف علي حقيقة كيف نبت كل المخاتلين والوصوليين في برشلونة ورقصوا علي جثث الأحياء وتظاهروا بالوطنية وارتدوا أقنعة الفن والثقافة، وتباروا في التسلق والنفاق من أجل الثروة والشهرة والسلطة.. الأمر متكرر من أسبانيا إلي أمريكا، وجلي وواضح من الصين إلي قلب أفريقيا.. لكنه في كل الأحوال لم يكن بكل هذه الفجاجة والسوقية وانعدام الضمير التي ابتلينا بها منذ احتلت العصابات الصهيونية فلسطين، فعلي مدي سبعة عقود حاول كل الإمعات والمتبدلين والمخاتلين والوصوليين في الفن والثقافة استغلال ورقة العدو والتطبيع معه والإثراء السريع من ورائه بترديد مقولاته والرقص في حاناته والتمرغ علي شواطئه العارية والتلذذ بأجساد فاتناته، وكانت النتيجة لطمة قاسية من الشعب المصري العظيم لكل من تسول له نفسه بمشاركة العدو اللهو والطعام والسهر والتمثيل والغناء ومؤخرًا الصور السلفي.
(2)
"إن موقع مصر مهدد أبداً وبانتظام بالإجهاض والشلل الجزئي ما بقيت إسرائيل، خاصة وأنها تريد أن ترث دور القناة نهائياً، بل وتهدف إلي سرقة موقع مصر الجغرافي، ومن ثم يصبح المبدأ الإستراتيجي الأول في نظرية الأمن المصري هو مرة أخري: دافع عن سيناء- تدافع عن القناة.. تدافع عن مصر جيمعاً، ولا ضمان بالتالي إلا بذهاب العدو".. هذه بالضبط "نواة نظرية الأمن المصري" التي وضعها بدقة المفكر المصري الكبير الراحل جمال حمدان في ثلاثيته: "شخصية مصر.. دراسة في عبقرية المكان".. لا أمن ولا أمان إلا بذهاب بلا رجعة.. كتب هذا في ستينات القرن الماضي وبذل جهدًا اكاديميًا في تأكيد خطورة اسرائيل علي الأمن المصري، فتاليًا يرسخ الفكرة في كتابه "إستراتيجية الإستعمار والتحرير":"إسرائيل هي قطعة من الإستعمار الغربي، ولكنها قطعة تتمتع بأهمية خاصة فهي بالنسبة إليه قاعدة متكاملة آمنة عسكرياً، ورأس جسر ثابت إستراتيجياً، ووكيل عام إقتصادياً وعميل خاص إحتكارياً"، ويحذر في كتابه :"اليهود انثربولجيًا" من "الحلول الخاطئة او الخائنة" مع العدو الاسرائيلي جازمًا بأنه"كل حل لا يعيد الوضع إلي ما كان عليه قبل1948 بل قبل 1918 مرفوض بلا نقاش، وكل حل لا يزيل إسرائيل من الوجود لا محل له من البحث العلمي".. وما بذله جمال حمدان، وتاليًا عبد الوهاب المسيري، كان بمثابة العقل والضمير والوجدان لنخبة الثقافة والفن الذين جسدوا بالشعر والرواية والسينما والدراما التليفزيونية سلاح المقاومة الشعبي للعدو الرابض علي الحدود، ومثلوا الدرع المانع امام كل دعوات التطبيع مع العدو حتي عودة كامل الأراضي العربية المحتلة وفي القلب منها فلسطين.
(3)
ذاكرة الشعوب ليست ذاكرة الأسماك.. الشعوب لا تنسي دماء أبنائها، ولا ترمش عيونها عن متابعة العدو وترصده وتتبع خطواته.. ميثاق الجماعة الوطنية عبر العقود التي تلت معاهدة السلام الرسمية مع العدو بعد نصر أكتوبر العظيم، أنه لا تطبيع فني ولا ثقافي.. وكما كان المصريون القدماء يطلقون علي العبرانيين كلمة habiru، والتي تعني: البدو أو اللصوص أو المرتزقة كما وصفهم أعداؤهم في كنعان إشارة إلي طبيعتهم كرعاة متخلفين حضارياً بالنسبة لهم، فإن الأحفاد الذين قرروا عدم التطبيع مع العدو اطلقوا عليهم ببساطة "حثالة مدن" العالم التي انصبت واستقطبت في دولة.
(4)
" كل منا يُكوّن لنفسه صورة خادعة عن العالم. وهو خداع شعري أو عاطفي أو بهيج أو مقبض أو قذر أو كئيب حسبما تكون طبيعته.. كخداع الجمال وهو تقليد إنساني.. وخداع الدمامة وهو فكرة متغيرة.. وخداع النذالة الذي يستهوي الكثيرين. وكبار الفنانين هم أولئك الذين يستطيعون حمل الإنسانية على قبول انخداعاتهم الخاصة"..
(5)
أحوج ما تحتاجه مصر في هذا الوقت العصيب الذي تشتعل الحروب من حولها وتواجه تحديات علي كافة الجبهات أن تراجع نفسها في كل النخبة الثقافية والفنية والسياسية التي ظهرت بفعل فوضي السنوات الأخيرة.. هي نخبة فرضت سطوتها علي الشاشات وفي الفضاء العام بحكم شلل بعينها ولخدمة مصالح بعينها، نخبة لم تنبت وتزدهر بالمنطق الطبيعي للإبداع والتميز والفرادة وانما جاءت نبت شيطاني سمم الأجواء ولوث العقول.. احوج ما تحتاجه مصر وتستحقه نخبة من الكفاءات يتم تمكينها، ولنغلق للأبد باب أهل الثقة الذي أفسد الثقافة والفن والصحافة والإعلام والسياسة والرياضة بمدعين زائفين، أثنبتت التجارب أنهم فشلوا فشلًا ذريعًا في تقديم الجديد أو في الدفاع عن الوطن والثوابت.