معاً للمستقبل
لا يكتفي الرئيس السيسي بحضور تخريج دفعات جديدة من طلبة الكليات العسكرية والشرطية بحسبانها مناسبات قومية بامتياز فحسب بل إنه استن، رغم كثرة شواغله وأعبائه، تقليدًا جديداً بحضوره اختبارات القبول بتلك الكليات، يناقش المتقدمين لها ليعرف عن كثب مدى صلاحيتهم لما هم مقدمون عليه من مهمات ثقيلة ومدى ما يملكون من وعي وفهم ومتابعة وإلمام بما يجري في وطنهم وما حوله من أحداث وتحديات، وما يشهده بلدهم من نهضة تنموية شاملة ومشروعات قومية وإنجازات تضعه في مصاف الدول المتقدمة.
الرئيس يريد أن يطمئن بنفسه على سلامة اختيار العناصر الجديدة للجيش والشرطة، ويبعث في الوقت نفسه برسائل طمأنة للجميع بأنه لا محاباة ولا وساطة ولا محسوبية في الاختيار بل ثمة تكافؤ فرص ومساواة يتم من خلالها انتقاء أفضل العناصر من بين آلاف المتقدمين وفق أعلى معايير الكفاءة والأفضلية وضوابط النزاهة والحياد والشفافية ؛ بعد اجتياز اختبارات طبية ونفسية ورياضية ومعلوماتية تضمن صلاحية تلك العناصر واستعدادها للتضحية والذود عن حياض البلاد واستقرارها وإنفاذ القانون وأداء المهمات المكلفين بها ، وضماناً لضخ دماء جديدة في شرايين الوطن بما يملكونه من حيوية وقوة ولياقة بدنية وذهنية ونفسية عالية.
مثل هذا المسلك الرئاسي يبعث أيضاً برسالة مهمة لجميع الأجهزة عند اختيارها للقيادات؛ بأنه لا فضل لابن الوزير على ابن الغفير إلا بمقدار ما يقدمه هذا أوذاك لهذا البلد.
الرئيس بحضوره لاختبارات القبول بالكليات الحربية والشرطية وحفلات تخرجها يريد أن يبقى الروح المعنوية الوطنية في أعلى حالاتها، والتأكيد على أن هؤلاء الطلبة سواء الجدد أو الخريجون إنما يحرصون على الالتحاق بتلك الكليات لخدمة بلده في الجيش والشرطة وتولي مسئولية الدفاع عن أمن الوطن واستقراره ليتواصل عطاء أبناء مصر جيلاً بعد جيل في القوات المسلحة والشرطة اللتين تشهدان تطوراً شاملاً في جميع الأفرع والتخصصات بما تحصلان عليه من أرقى فنون التدريب ونظم التسليح و مستحدثات العلم التي تواكب أحدث النظم في العالم، وهو ما يفرض عليهما انتقاء فرد مقاتل محترف وقادر تحت مختلف الظروف على تنفيذ كافة المهمات.
أما الرسالة الأهم التي علينا جميعاً استخلاصها من حضور الرئيس لتلك المناسبات فهي أنه يريد يعطى مثالاً وقدوة عملية لكيفية المتابعة الميدانية الدقيقة لكل مسئول في كل موقع بألا يكتفي بتقارير المعاونين ورؤيتهم وإنما ينبغي لهم التلاحم مع الواقع وحفز المرءوسين وردع المقصرين مهما يكونوا وأينما كانوا.
رغم كثرة مشاغل الرئيس فإنه يحرص على الوجود بين أبنائه من رجال الجيش والشرطة في مناسباتهم المختلفة التي تدخل السرور بلاشك إلى قلب كل وطني، بما نراه فيهما من انضباط والتزام وتطور ولياقة عالية وتعليم متطور وتدريب راقٍ وروعة في الأداء ورغبة واستعداد كاملين في التضحية والعطاء..مثل هذه الجاهزية وتلك الروعة تفرض سؤالًا ساورنى كثيراً : ماذا لو استهلمنا جميعاً مؤسسات وأفراداً روح المؤسسة العسكرية والشرطية في حياتنا..هل كنا سنرى مشكلات مزمنة تعكر صفونا..؟!
السؤال السابق يقودنا لأسئلة أخرى منطقية: لماذا يبدو أبناء المؤسستين مختلفين عن أقرانهم من بني جلدتهم..لماذا ينجحون في إنجاز مهماتهم مهما تكن صعوبتها..لمنْ ترنو العيون عند كل ملمة أو شدة تتعرض لها بلادنا..من غير جيشنا وشرطنا ملاذنا الآمن إذا اختلطت الأمور وعز الاستقرار والأمن ..من سند الوطن وعدته وعتاده..من ركن الأمن وعمود الخيمة وباعث الطمأنينة في النفوس..من حارس الإرادة الشعبية وخياراتها المصيرية ..من يملك إنفاذ القانون ويضحي في سبيل إقراره على الجميع بلا تمييز..؟!
يمكن القول باطمئنان إن مثل هذا الدور المهم الذي يضطلع به الجيش والشرطة ما كان له أن يتحقق لولا مبادىء راسخة لا يحيدان عنها، وانضباط كامل يعود في رأيي إلى الاختيار السليم وإعمال قواعد المساواة والعدل وإثابة المجد وعقاب المخطيء..وتلك ولاشك مقومات أساسية تفسر لنا ما يبدو عليه أبناء المؤسستين من روح عالية وقدرة هائلة على الإنجاز وتحقيق ما يشبه المعجزات في شتى المجالات.
ولعل ما يتلقاه خريجو الكليات العسكرية والشرطية من دروس عملية منذ اللحظة الأولى لالتحاقهم بها وخضوعهم جميعاً لمعايير منضبة تحكم عملية اختيارهم وقبولهم فيها.. يفسر لنا لماذا يبتهج الرئيس وكل وطني محب لبلده بفرحة هؤلاء الأبناء ..وكيف تغمره مشاعر الأبوة نحوهم في يوم تخرجهم ..وهو ما يبدو جلياً في مصافحته لأوائل الدفعات العسكرية والمدنية وتكريمهم دون أن تفارق الابتسامة وجهه رضًا بما صنعوا؛ مؤمناً بأن هؤلاء عدة المستقبل وذخيرته ودرع الأمة وقوتها وشباب الوطن وقدوته، ليس لأنهم على قدر عالٍ من التدريب على أحدث فنون الدفاع عن النفس والقتال ، ولا لأنهم قطعوا شوطاً كبيراً على طريق التدريب واللياقة البدنية والذهنية وحازوا أرقى فنون التكنولوجيا والتقنيات الحديثة فحسب بل لأنهم فوق ذلك كله آمنوا بأوطانهم، وأقسموا على الولاء لها والتضحية في سبيلها إذا ما دعاهم للواجب الوطني نفير أو داعٍ.. يسارعون بتقديم أرواحهم الزكية عن طيب خاطر وقناعة تامة وعقيدة راسخة قد لا تتوفر بالدرجة ذاتها في غيرهم؛ فهم يؤمنون بأن حب الوطن ونيل الشهادة دفاعاً عنه من مقتضيات الإيمان الحق وقد صاروا في ذلك مضرب الأمثال للدنيا كلها ..ولمَ لا ونحن لم نسمع أو نر مثلاً في جيش أو شرطة دولة أخرى على وجه البسيطة أن جندياً ألقى بنفسه في أحضان الموت ليفدي زملاءه من إرهابي ملغم بالمتفجرات اقتحم كتيبتهم على غرة ليبيد من فيها عن بكرة أبيهم ..ولا رأينا أحدًا فعل ما فعله الشهيد البطل اللواء عسر الذي نال الشهادة منذ أيام وهو يحاول إطفاء حريق شب بإحدي محطات مترو الخط الثاني ..ولا سمعنا أن ضباطاً وهبوا أنفسهم للشهادة وتمنوها إلا في مصر ..ومثل هذا المنزع لا يصدر إلا عن نفوس مؤمنة وعلى يقين بأن الموت في سبيل الدفاع عن الأوطان أسمى أمانيها وأعز مطالبها..وهذا لا يحدث إلا هنا في مصر التي جعل الله أهلها في رباط إلى يوم الدين، واختصها بخير أجناد الأرض.
تاريخياً أثبتت العسكرية المصرية أنها مدرسة الوطنية وعرين الرجال، لا يلتفت بنوها لدعاوى التثبيط والإحباط واليأس ولا لمحاولات التشكيك وبث الفتن والشائعات التي تطلقها جماعة الإخوان الإرهابية، ومن لف لفها ..وشتان الفارق بين رجال تشربوا الوطنية من منابعها الصافية.. وبين أقرانهم في كليات مدنية أخرى لكنهم يفتقدون ما يملكه هؤلاء من حماسة وانضباط وعزيمة ..شتان بين من يقدر على صنع المستقبل، ومن لا تزال تنازعه الأماني، ويعجز حتى عن التكيف مع الحياة التي تقسو أحيانا على الجميع..بين من غرست فيه العسكرية والشرطية روح الانضباط وحب العلم والقدرة على مواكبة العصر، ومن تقاذفتهم ريح السياسة وأمواج الهوى، واستمالتهم بعض أحاديث النخبة الجوفاء أو الزاعقة التي لا تحسن حتى الكلام، وتمارس النقد للتجريح والتطاول وتسفيه الغير تحت دعاوى التغيير..بينما هي تتكاسل أو تتهرب من أداء الواجبات والاستحقاقات الدستورية.. فلا تدلي بأصواتها في صناديق الانتخابات لتختار من ينوب عنها في الإدارة والحكم..فبأي وجه يطالب هؤلاء بحقوقهم دون أن يؤدوا ما عليهم من واجبات؟!
ربما يرد البعض بأن خريجي الكليات العسكرية والشرطية يجدون أعلى درجات الاهتمام والرعاية والتحفيز، حتى أنهم يبيتون مطمئنين على مستقبلهم الذي ما إن يتخرجوا حتى يلقوا وظيفة مضمونة ومكانة لائقة قد لا تتوفر لكثير من أقرانهم خريجي الكليات المدنية الأخرى..وقد يكون هذا صحيحاً لكن الصحيح أيضاً أنهم –أي خريجي الكليات العسكرية والشرطية- يلقون في انتظارهم مهمات قد تصل لحد الأهوال، ويتحملون فيها ما لا يطيقه غيرهم، وقد يبذلون فيها حياتهم ناهيك، عما يبذلونهم من جهد مستمر في طلب العلم والتدريب طوال مدة خدمتهم ..وهنا يمكن القول بأريحية في ظل ما تجابهه الدولة المصرية من إرهاب إن كل واحد من هؤلاء مشروع شهيد أو هم شهداء تحت الطلب وهم يعلمون ذلك ومستعدون دائماً أن يجودوا بأرواحهم بأمر من وطنهم الذي اصطفاهم ليكونوا خط دفاعه الأول، خلافاً لطلبة الجامعات والمدارس الأخرى الذين لا يكلف بعضهم نفسه السعي لتطوير أنفسهم وصقل مهاراتهم حتى تتلاءم مع متطلبات العصر وسوق العمل شديدة التطور والتنافس خلافاً لما تلقوه من تعليم جنح بهم بعيداً عن تلك السوق سنوات وهو ما تحاول الدولة جاهدة الآن إصلاح تلك المنظومة برمتها.
ما أصاب تعليمنا من تردٍ في فترات سابقة قد يبدد دهشتنا من مستوى خريجينا الذين لم يكونوا مؤهلين لسوق العمل فحسب بل قد نشعر بالصدمة إذا ما رأينا خريجاً جامعياً يخطيء في قواعد الإملاء ولا يعرف حتى أسماء محافظات بلده، فما بالنا بالإلمام بأحدث نظريات العلم والمعرفة والإحاطة بدقائق التكنولوجيا وأسرارها التي يجري كشف النقاب عنها يوماً بعد يوم في الدول المتقدمة.
في ظل هذا المستوى لخريجينا يصبح تخريج دفعات عسكرية وشرطية جديدة سنوياً بمثابة بقعة ضوء كبيرة تتسع عاماً بعد الآخر وهي مدعاة للفخر والاطمئنان معاً ؛ فلا خوف على مصر ما دامت تنجب أمثال هؤلاء الرجال الذين يكتبون تاريخها بمدد متجدد من ذوي العزم من أبنائها المخلصين.
بمثل هؤلاء يسعد الرئيس السيسي وكل محب لهذا البلد.. فهؤلاء هم القادرون حقاً على ردع الإرهاب الذي ابتلينا به في عهد الإخوان، وهؤلاء هم القادرون على حماية حدودنا وحراسة استقرارنا وإشاعة الأمن في كل شبر من أرضنا..حفظ الله مصر حفظ الله الوطن.