رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

هذه الدنيا

كشف البيان الختامى الصادر عن قمة مجموعة العشرين مساء الأحد 22 نوفمبر 2020 عن ضرورة إعادة النظر فى كثير من مفاهيم وسلوكيات العولمة المتوحشة، والعمل المخلص على إصلاح النظام العالمى ليصبح أكثر إنسانية وعدلا ورحمة. فلقد عقدت قمة 2020 وسط أجواء بالغة الصعوبة والتعقيد بسبب ما فرضته "جائحة كورونا" من تحديات خطيرة وخسائر فى الأرواح وتضييق فى سبل العيش، بل أن هذه الجائحة مثلت – بحسب البيان – صدمة لا نظير لها كشفت أوجه الضعف فى إجراءات التأهب والاستجابة وأبرزت تحدياتنا المشتركة.

القراءة المتأنية لبيان القمة وبنوده الـ 37، والرصد الدقيق لما احتوته كلمتى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولى العهد الأمير محمد بن سلمان، كل هذا يكشف عن أن الإنسانية مقبلة على مرحلة جديدة من التعاون الإنسانى المُلزم ولم يعد نوعا من الاختيار أو الرفاهية إذا كنا جادين فعلا للحفاظ على الجنس البشرى من الفناء. لقد نجحت الرئاسة السعودية للقمة فى أن تقود دفة العمل العالمى نحو مستقبل أكثر إنسانية، ولا أبالغ إن قلت إن الرسالة الأساسية التى يمكن أن نستخلصها أن "الإنسانية تنتصر".

لقد كنت شاهدًا عن قرب على استعدادات السعودية لرئاسة القمة وبلورة رؤية لتصحيح مسار العمل العالمى، حيث أسعدنى الحظ بزيارة السعودية مرتين مطلع ديسمبر 2019 فى الأيام الأولى لتسلم السعودية رئاسة المجموعة، وأطلعت على خطوات واستعدادات المملكة لوضع دستور عمل جديد للقمة، بل أننى مازلت أحتفظ بالصحف السعودية الصادرة وقتها وترصد رؤية السعودية التى ترتكز على 3 محاور أساسية وهى: تمكين الإنسان، والحفاظ على كوكب الأرض، وتشكيل آفاق جديدة .. فى إطار الهدف الاستراتيجى الذى وضعته السعودية للقمة وهو: "اغتنام فرص القرن الـ21". ثم جاءت جائحة كورونا لتطرح تساؤلات حول ما ستقدمه دول هذه المجموعة التى تضم أكبر وأغنى 20 اقتصادًا نحو عالمها وهو يواجه هذه التحديات غير المسبوقة.

ودون إغراق فى تفاصيل يمكن القول إن القمة خرجت بتعهدات كثيرة أبرزها إجراء إصلاحات جوهرية على النظم الصحية والاقتصادية العالمية، والتأكيد على ضرورة تنسيق الإجراءات العالمية والتضامن، وبذل قصارى الجهد لحماية الأرواح والتركيز على الفئات الأكثر تأثرًا بالأزمة، وإعادة الاقتصادات إلى مسارها ودعم العاملين فى مجال الصحة وغيرهم من الخطوط الأمامية. كما أكدت القمة حشد الموارد اللازمة لتلبية الاحتياجات التمويلية العاجلة فى مجال الصحة العالمية لدعم الأبحاث والتطوير والتصنيع، وضرورة السيطرة على الفيروس لدعم التعافى الاقتصادى العالمى، واتخاذ تدابير فورية واستثنائية لمواجهة الجائحة، كما قررت المجموعة تعليق مدفوعات الدين حتى يونيه 2021، حيث تقدمت 46 دولة بطلب للاستفادة من المبادرة باجمالى 7ر5 مليار دولار من خدمة الدين لعام 2020، واتخاذ تدابير أكثر بُعدًا لمعالجة الديون لكل حالة على حدة.

وأخطر ما جاء فى البيان هو البند التاسع الذى تتعهد فيه الدول بعلاج أوجه الضعف التى كشفت عنها الأزمة، واتخاذ الخطوات اللازمة لتحقيق التعافى والعمل على ضمان جعل الأجيال القادمة أكثر أمانًا مما كنا عليه.

ومن جانبه أكد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز على مجموعة من المبادئ التى ترسم خريطة طريق لعمل هذه المجموعة خلال قمتها القادمة برئاسة إيطاليا 2021 وتتمثل فى: إرساء روح التعاون التى لطالما كنت حجر الأساس لنجاحات مجموعة العشرين، وضرورة الوفاء بالالتزامات باستمرار لكى نرتقى لمستوى التحديات الناجمة عن وباء فيروس كورونا، والأهم نجاح القمة فى تقديم رسالة تبعث بالاطمئنان والأمل لجميع شعوب العالم، وهذا الانجاز يعد تكليلا لجهود كبيرة خلال عام ملئ بالتحديات.

رسالة الأمل ذاتها أكد عليها الأمير محمد بن سلمان وهو يقدم عرضا عمليًا لما أقرته القمة من تعهدات أبرزها: تقديم 21 مليار دولار أمريكى لتلبية احتياجات التمويل الفورية للقاحات والعلاجات الفعالة، وتوفير أكثر من مليارى جرعة من اللقاح للشعوب الأكثر احتياجا بشكل عادل وميسور التكلفة، وضخ 11 تريليون دولار فى الاقتصاد العالمى لدعم الشركات وحماية سبل العيش للأفراد، وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية لحماية أولئك المعرضين لفقدان وظائفهم ومصادر دخلهم، وتقديم دعم طارئ للبلدان الأكثر عُرضة للخطر، حيث تم توفير ما يزيد عن 14 مليار دولار لتخفيف أعباء الديون عن تلك البلدان التى يزيد عدد سكانها عن مليار شخص، وتوفير 300 مليار دولار من خلال بنوك التنمية وصندوق النقد الدولى والبنك الدولى لمساعدة البلدان الناشئة والمنخفضة الدخل.

وتحدث ولى العهد السعودى عن مبادرة الرياض لاصلاح منظمة التجارة العالمية، وجهود تمكين النساء والشباب من خلال توفير التعتليم النوعى والشمول المالى، كما أولت المملكة أهمية كبيرة لحماية كوكب الأرض، والاتفاق على نهج الاقتصاد الدائرى للكربون لتحسين إدارة انبعاثات الكربون فى جميع قطاعات الاقتصاد وضمان الوصول إلى طاقة أنظف وأكثر استدامة وأيسر تكلفة.

الشاهد فى كل ما سبق أن بناء الأمل وحماية الإنسان وضمان مستقبل أفضل للأجيال القادمة هو الرسالة التى بعثت بها قمة مجموعة العشرين برئاسة السعودية للعالم، وهى رسالة حضارية راقية هدفها الأول والأخير "الإنسان" أغلى ما فى الكون، وحجر الزاوية لأى حضارة.

إنها رسالة راقية تخرج من السعودية قلب العالم العربى والإسلامى، تكشف زيف ما تسعى إليه بعض وسائل الإعلام لتشويه صورة مجتمعاتنا، وتؤكد أننا شعوب مُحبة للحياة وصانعة للحضارة والتارىخ والمستقبل أيضًا.

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة