رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

.. وما أن أبلغ ديليسيبس الخديوى إسماعيل بانتهاء أعمال الحفر يوم 17 نوفمبر من عام 1869، وأن المجرى المائى أصبح جاهزًا للافتتاح والتشغيل، وبحسب ماذكر مؤرخ مصر عبدالرحمن الرافعى أن المجرى الملاحى من رأس الخليج عند السويس حتى شاطئ البحر المتوسط عند المدينة الجديدة بورسعيد يصل طوله إلى 164 كيلومترًا وبعرض 80 مترًا، أما عمق المجرى الملاحى فهو 8 أمتار، وبناءً عليه قام إسماعيل بتشكيل فريق عمل للترتيب للاحتفالات التى تقرر لها نهاية العام وبالتحديد 17 نوفمبر، وعلى الفور بدأ اسماعيل فى وضع الخطط اللازمة والتى بدأها باستدعاء اثنين من أفضل المهندسين المعماريين من مدينة ليفورنو الإيطالية هما روتسى وبيترو افوسكانى واللذين قاما بتصميم دار الاوبرا المصرية وتم اختيار المكان المقابل لحديقة الازبكية، وقبل ذلك بعامين قام اسماعيل بإعادة الحياة النيابية الى مصر والتى بدأها جده محمد على باشا بانشاء مجلس المشورة عام 1829 والذى تم إلغاؤه بعد الباشا. فتم انتخاب مجلس شورى القوانين من 75 عضوا من جانب العمد والمشايخ والأعيان فى كل مديرية، كما أصدر إسماعيل أوامره بشق طريق وسط زراعات الجيزة يمتد إلى منطقة الأهرامات المعروف حاليا بشارع الهرم حتى يتمكن الضيوف من الوصول الى منطقة الأهرامات بسهولة..

على الجانب الآخر كانت هناك تجهيزات لرحلة الخديوى الى اوروبا والتى كانت تتم تحت اشراف ناظر الخارجية نوبار باشا الذى تواصل مع سفراء اوروبا وقناصلها فى مصر للاعداد لهذه الزيارة وقبل سفر الخديوى استدعى ديليسيبس وطلب منه احضار المصور الفرنسى هيبولييت ارنو والمصور الالمانى ويلهام هامرش شميث لرسم اللوحات التى توثق الاحتفالات ورسم بورتريهات للشخصيات رفيعة المستوى المزمع حضورها حفل الافتتاح، كما تلقى ديليسيبس خطابا من المصور الفرنسى ذائع الصيت ادوارد ريو يطلب الحضور وبالفعل حضر واستقبله اسماعيل وطلب منه رسم بورتريهات لكبار الشخصيات، الى جانب صور للاحتفالات.

أما الرحلة الى الخارج والتى ذكر تفاصيلها د. عباس ابو غزالة فى كتابه "رحلة الملوك للشرق الأوسط" فذكر أن الخديوى إسماعيل اصطحب نوبار باشا إلى الاسكندرية وفى يوم 14 اغسطس انطلق يخت المحروسة، وعلى ظهره الخديوى اسماعيل ووزير خارجيته والحاشية عابرا البحر المتوسط الى اوروبا فى رحلة استغرقت قرابة الشهرين قام خلالها بدعوة الملوك والأمراء لحفل الافتتاح وعاد بعدها ليتابع الاستعدادات واستقبال الضيوف الذين بدأوا فى التوافد على المحروسة، فطلب إسماعيل من مارييت باشا مسئول الآثار المصرية تنظيم رحلات نهرية وزيارة مقابر عمال الحفر وبحيرة التمساح والبحيرات المرة وعيون موسى.

ومع نهاية أكتوبر أبلغ ديليسيبس الخديوى بجاهزية دار الاوبرا لاستقبال الضيوف واقامة الحفلات الاوبرالية والتى صنفت وقتها بأنها أول وأكبر أوبرا فى أفريقيا والشرق والتى تكلف بناؤها 160 الف جنيه وتتسع لعدد 800 مقعد.

ومع مطلع شهر نوفمبر كانت الزينات قد انتشرت بطول المجرى الملاحى من الاسماعيلية حتى بورسعيد وداخل شوارع المدينتين، وتم التنبيه على التجار بإحضار وتوريد اجود اللحوم وأكبر أحجام الأسماك وأفضل أنواع الخضر والفاكهة والتى قام باعدادها وتجهيزها 500 من أفضل الطهاة الذين تم جلبهم من مرسيليا بفرنسا وجنوة بإيطاليا الى جانب الف آخرين من الطهاة والخدم الذين أبدعوا فى إعداد اكثر من 8000 صنف من الأطعمة الشرقية والغربية والمشروبات بمختلف أنواعها.

وبحسب ما ذكر مؤرخ مصر عبدالرحمن الرافعى فإن الاحتفالات بدأت فى الثامنة من صباح يوم 17 نوفمبر 1869 عندما انطلق الركب من شرق الاسكندرية بحرًا فى اتجاه بورسعيد لتدخل أول سفينة تحمل الإمبراطورة أوجيني على ظهر السفينة الفرنسيه إيجل بصحبة يخت المحروسة ومن ورائهما 77 سفينة تحمل كبار الضيوف ومعهم بوارج حربية تابعه للاسطول المصرى ليصل الى مكان الاحتفال اكثر من 6000 مدعو تم اعداد ثلاث منصات لاستقبالهم تتوسطهم الكبرى والتى جلس في صدرها الخديوى اسماعيل وعن يمينه الامبراطوره اوجيني وعن يساره فرانسوا جوزيف امبراطور النمسا والى جوارهم ملك المجر وولى عهد بروسيا وشقيق ملك هولندا وزوجته والأمير توفيق ولى عهد مصر وديليسيبس وسفراء الدول الاوروبية بالاضافة الى رؤساء القبائل الإفريقية والزعيم عبد القادر الجزائرى.

وتم تخصيص المقصورة اليمنى لرجال الدين الاسلامى واليسرى لرجال الدين المسيحى وقام الشيخ ابراهيم السقا بإلقاء كلمة تبريك، كما ألقى المونيستور بوير واعظ نابليون الثالث كلمة تبريك مماثلة وبعد الظهر انطلق الركب الى الاسماعيلية التى تزينت لاستقبال حفل العشاء فى قصر الخديوى الذى تم تشييده واحاطته بالأشجار والنخيل فى مواجهة شاطئ القناة واخذ كل ضيف موقعه أمام موائد الطعام والشراب بعد ان تم جلب كميات كبيرة من ألواح الثلج من القاهرة وعلى انغام الموسيقى الشرقية والغربية أكل الضيوف وشربوا مالذ وطاب من الطعام والشراب فى حفل اسطورى قام بتغطية احداثه اكثر من 200 صحفي يمثلون كبريات الصحف فى أوروبا وتكلف مليونًا و400 الف جنيه مصري، واستمر حتى صباح اليوم التالى وتصبح مصر حديث العالم بهذا الحفل الأسطورى الذى لم تشهد البشرية حفلا مثله من قبل، طبقا لشهادة الامبراطورة اوجيني.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة