رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

معاً للمستقبل

الأخلاق جالبة للخير وطاردة للشر، وهي ما يميز الإنسان عن غيره من المخلوقات..وهي كما قال أمير الشعراء: صلاح أمرك للأخلاق مرجعه ..فقوِّم النفس بالأخلاق تستقم..وهو ما يطرح سؤالاً : هل إصلاح ما نحن فيه من تدهور أخلاقي مسئولية الحكومة أم مهمة المجتمع كله أسرة ومدرسة وجامعة ومؤسسة دينية وثقافية وحزبية ونيابية..؟

رأيي أن إصلاح الأخلاق والتنوير أكبر من أن يكون قراراً فوقياً يمكن للحكومة- أي حكومة- أن تتخذه بمفردها دون تمهيد، فالتربية مسئولية مجتمعية بالأساس تقودها نخبة واعية تؤمن بجدوى الإصلاح الذي هو مهمة ثقيلة تحتاج لتضافر جهود جميع أطياف المجتمع ومكوناته كلها، وإرادة واعية ورغبة حقيقية في العودة للجذور الصافية واستلهام النماذج الوطنية والتاريخية المشرقة التي حملت عبء النهضة ورسخت جذورها في المجتمع في تجربة تاريخية فريدة قادها محمد على الكبيرفي مطلع العصر الحديث حين ابتعث رائد الفكر رفاعة الطهطاوي على رأس نخبة مصرية متميزة إلى فرنسا، ثم عادت حاملة مشاعل العلم والتقدم وزاوجت في سلوك حضاري رشيد بين نهضة الغرب وأخلاق الشرق فكانت النتيجة فترة من أخصب فترات تاريخنا تقدماً وتحديثاً.

نجح الطهطاوي ومن معه من رواد النهضة الأوائل في إحداث نقلة نوعية في التعليم والترجمة والأخلاق..ثم جاء الإمام محمد عبده تلميذ جمال الدين الأفغاني ليشتبك باستنارة فذة مع قضايا عصره محدثاً بصورة متدرجة تطوراً هائلاً في التعليم الأزهري والتربية وإصلاح النفوس وأدخل إليه العلوم العقلية ، مخلّصاً إياه من شوائب الجمود وكثير من القيود فانطلق الأزهر بفضله على طريق العلم والرشاد الفكري حتى صار اليوم منارة للعالم الإسلامي كله.

ولم يتوقف عطاء مصر الحضاري بعد رواد النهضة بل جاء من خلفهم جيل جديد بأفكار ربما أكثر تحرراً مثلما فعل القاضي قاسم أمين محرر المرأة الذي ألقى أحجاراً في المياه الراكدة ليغير كثيراً من الأفكار الجامدة.. ومن بعده جاء أستاذ الجيل لطفي السيد وطه حسين ومحمود شاكر والعقاد وأمين الخولي وهو من المجددين للفكر ..وقد صاغ هؤلاء وغيرهم ممن لا يتسع المقاد لذكرهم نهضتنا الكبرى، وأضافوا صروحاً شامخة إلى قوة مصر الناعمة التي لا تزال آثارها باقية شاهدة على ثراء هذا البلد وعظمة هذه الأجيال التي تربت في بيئة اجتماعية وتعليمية وثقافية رشيدة.

فهل نخبتنا وقد شاخ بعضها وباتت حاجتها ماسة للتجدد واستعادة الحيوية والتأثير..هل هي قادرة على استلهام أفكار هذا العصر الفتي النابض بالعلم والفكر والحداثة..هل نرى نخبة حيوية تنشط وتلتحم مع الجماهير ومع إشكاليات عصرها من أمية تتنوع مناحيها و يرزح تحتها ملايين المواطنين، ناهيك عن الجهل والخرافة والتطرف والتواكل واللامبالاة والإدمان والعنف والعشوائية في التفكير والسلوك..نخبة تأخذ بيد مجتمعها لمسايرة التطور ومواكبة العصر والتحول الرقمي الذي يسابق الرئيس السيسي الزمن لجعله ثقافة وسلوكاً يخلصنا من البيروقراطية والفساد والتخلف الإداري...هل تستيقظ نخبتنا من سباتها لتخلص مجتمعها من آفات الكسل وسوء الأخلاق..؟!

كثير من أزماتنا للأسف مرجعه غياب الضمير والقانون والصدق والاجتهاد.. وشيوع الأنانية والكذب والبغضاء والتنمر..ما يجعل أخلاقنا في أزمة حقيقية..وما نراه من حوادث غريبة على مجتمعنا تؤكد أن أجيالنا الجديدة في أزمة أشد سوءاً وتعقيداً..وإلا فبمَ نفسر ما فعله طفل المرور ورفاقه..وهي واقعة مؤسفة لكن تم التعامل معها بحرفية وكفاءة عالية، استندت لتطبيق القانون الذي قامت النيابة العامة فيه بدورها على أكمل صورة..ولا تخلو حياتنا يومياً من وقائع أخرى أكثر عنفاً وتنمراً وخرقًا للقانون وإيلامًا يقتضينا أن نزداد يقظة وانتباهاً.

العنف هو إلحاق الأذى البدني أو النفسي بالآخرين ، وهو ظاهرة غريبة على مجتمعاتنا، وقد انتشر بمعناه الواسع في شوارعنا ومدارسنا وبيوتنا وأماكن العمل، وقد يكون هذا الأذى بدنياً كالاعتداء على الأفراد أو الممتلكات وإلحاق الضرر بالمجتمع، أو نفسياً، كالسخرية والاستهزاء وفرض الآراء بالقوة وإسماع الآخرين كلمات بذيئة والتشهير بهم وانتهاك خصوصياتهم..ورغم أن العنف ظهر مع نزول آدم عليه السلام إلى الأرض وقتل قابيل لهابيل بدافع الحسد رغم أن كليهما من نسل آدم..فإنه تطور حتى اتخذ اليوم صورة أكثر بشاعة وإيذاء..ولاشك أن علاجه الحقيقي يبدأ من الأسرة بحسبانها الحاضنة الأولى للطفل ومنبع القيم والقدوة ثم المدرسة والجامعة المسئولة عن تنمية الطفولة ورعاية الشباب أخلاقياً ونفسياً ووجدانياً وبدنياً وعقلياً..فإذا تخلت إحدى هذه المؤسسات عن دورها تأثرت سائر أطراف المنظومة سلباً وجاءت أدوراها ناقصة.

فإذا سأل سائل : ما الذي أوصلنا لهذه الحالة من تنامي العنف..وهنا تشير أصابع الاتهام إلى التفكك الأسري والتدليل الزائد من الوالدين والأهم كما قال النائب العام غياب رقابة الأسرة وعدم متابعتها لسلوكيات أبنائها..ثم يأتي دور المدرسة المؤسسة الاجتماعية الثانية التي تستقبل الطفل وتتعهد بتنشئته الاجتماعية وتسهم في تكامل شخصيته وبنائه تعليمياً وتربوياً ونفسياً واجتماعياً..فهل ما زالت المدرسة تقوم بدورها الأصيل..؟!

أما الإعلام فله دور بارز في تنامي ظاهرة العنف لدى المراهقين بما تبثه المسلسلات والأعمال الفنية من سلوكيات تنطوي على عنف شديد وتعاطٍ للمخدرات وسباب وفحش لفظي ومشاهد خادشة للحياء يتذرع مروجوها وصناعها بأنها انعكاس لما يدور في المجتمع على طريقة أن ناقل الكفر ليس بكافر وهو ادعاء كاذب يفضحه ما تعارفنا عليه بأن الفن رسالة غايتها ترقية الوجدان وتهذيب النفوس وليس المتاجرة بالرذيلة وتسليط الضوء على أصحابها الذين يقلدهم الصغار والشباب بلا وعي، ويقعون في غوايتهم حتى صرنا لما نحن فيه من انحطاط وتدهور أخلاقي يدق جرس إنذار قوي بضرورة التوقف والمراجعة وتدخل الدولة وعودتها كما حدث في مسلسل "الاختيار"؛ ذلك العمل الدرامي الرائع الذي جمع المصريين بشتى فئاتهم حول الشاشة من جديد ليزدادوا وعياً وإدراكاً بتحديات وطنهم وشواغله الحقيقية.

الوقاية من العنف خير من علاجه، ولا مناص من إيقاظ الوازع الأخلاقي في النفوس بالتربية الدينية السليمة بحسبان العقيدة الإيمانية أساس بناء الإنسان، وضبط السلوك بالقدوة الحسنة ومحاكاة النماذج الرشيدة والسلوكيات التي تتسم بالرفق والرحمة والود ..وهنا يجيء دور إعلامنا بما له من تأثير إيجابي في تشكيل القيم والوقاية من العنف بإذاعة برامج وأعمال هادفة ترسخ قيمنا الإسلامية الراقية مثل إذاعة برامج وأعمال هادفة ترسخ قيمنا الإسلامية الراقية مثل الإيثار والمروءة والتعاون وضبط اللسان وأداء الواجب واجتناب المحرمات.

آن الأوان أن ندق أجراس التنفير من العنف، وأن نبين مخاطره الجسيمة على سلامنا الاجتماعي بعقد ندوات ومحاضرات لعلماء الدين والتربية والاجتماع والنفس لإعادة التأكيد على أن الاعتداء على حقوق الناس وأرواحهم حرام؛ فالمسلم الحق من سلم المسلمون من لسانه ويده.

والحق أن حاجتنا لإصلاح أخلاقنا وضبط سلوكنا وإيقاظ ضمائرنا وتطبيق القانون على الجميع بلا أي استثناءات لا تقل أهمية عن حاجتنا للعدالة وتكافؤ الفرص وهو ما لن يتأتى إلا بإستراتيجية علمية وحركة مجتمعية موحدة ومتناسقة ومنسجمة تنهض بها الجهات والأطراف المعنية- حكومية وغير حكومية- بصياغة الوعي والعقل والوجدان وصولاً لمجتمع خالٍ من العنف والفساد والمرض، مجتمع متماسك بفضائله وقيمه الحضارية الموروثة وتعليمه الجيد الذي وضعه الرئيس السيسي في صدارة اهتماماته، مجتمع الترابط الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى..حتى يظل مجتمعنا في رباط إلى يوم القيامة.

آن الأوان لتغيير مفاهيم مغلوطة ترسخت في مجتمعنا في ظل غياب أي جهد حقيقي لتفنيدها والتصدى لها ولو بعمل درامي جيد يعيد صياغة الوجدان المصري وفق أسس سليمة وهو ما جعل الرئيس السيسي يشير أثناء تكريم أبطال مسلسل الاختيار إلى ضرورة إنتاج عشرات المسلسلات على شاكلته ..وتلك رسالة بلا شك لكل المهتمين بالدراما الفاعلة القادرة على استعادة روحنا الأخلاقية وقيم الولاء والانتماء الوطني والتعايش والترابط والاجتهاد وإتقان العمل وصولاً لمجتمع خالٍ من العنف والكراهية والفتنة..حتى يصبح الوطن والحفاظ عليه هو رداء الجميع.

تاريخياً أثبت شعبنا أنه يملك وعياً فطرياً يدفعه للدفاع عن هذا الوطن ..هو فقط في حاجة لمن يتواصل معه و يعيد تذكيره بحجم المخاطر والتحديات المحدقة به، حتى يأخذ حذره وينهض بدوره إزاء ما يجري حوله..وصدقوني لن تفلح محاولات ضرب الدولة مهما يحاول أعداؤها هنا أو خارج هنا..فقد استعصت جبهتنا الداخلية يوما على محاولات بريطانيا العظمى للوقيعة بين نسيج هذا الشعب ..ما نحتاجه هو تنشيط ذاكرتنا وجهازنا المناعي بإصلاح الأخلاق والضرب بيد من حديد لكل من يتسبب في نشر ثقافة الفوضى والعنف والرذيلة..وهو ما يثير سؤالًا آخر: من يتحمل أوزار أجيال تشربت ما تروجه الدراما والإعلام من خطايا ..ومتى تعود الدولة للإنتاج الفني لاستعادة العقل المصري من براثن المخربين الذين تسببوا بقصد أو دون قصد في تخريب منظومة القيم..؟!

متي نجد كتاباً ومبدعين من عينة أسامة أنور عكاشة الذي جسد بأستاذية في مسلسلاته الرائعة الروح المصرية الأصيلة، وعالج عيوبنا من غير أن يعري المجتمع أو يكرس للقبح والرذيلة والفوضى..متى تعود قوتنا الناعمة قبلة للشرق كله وريادتنا الحقيقية في العلم والثقافة والفكر والفن كما فعل روادنا في القرن الماضي..

نحن في حاجة لابتعاث روحنا الحضارية من الجذور التاريخية واستعادة الثقة في قدرتنا على العبور للمستقبل وبث الطمأنينة لدى الجميع والإيمان بالوطن والرغبة في تقدمه بهمة عالية من علمائنا ومفكرينا وأحزابنا ومثقفينا؛ المعارضين قبل المؤيدين، متجردين من المصالح والأهواء للأخذ بيد مجتمعنا نحو الفضيلة ومكارم الأخلاق التي نبهنا إليها الرئيس السيسي في خطاباته وكلماته بحسبانها منصة إطلاق أي نهضة وأي تطور إنساني وحضاري رشيد.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة