هذه الدنيا
أبهرنى بشدة المشهد الديمقراطى الذى جرت فى إطاره انتخابات الرئاسة الأمريكية وانتهى بفوز المرشح الديمقراطى جو بايدن ليصبح الرئيس رقم 46 فى تاريخ الولايات المتحدة، فلا خروج عن القواعد الحاكمة التى ارتضاها الجميع، ولا تخوين أو تكفير أو استخدام لفزاعات لا محل لها من الإعراب.
الانقسام فى أى عملية انتخابية هو أحد مظاهر الحياة الديمقراطية السليمة، انتهى العصر الذى يحصل فيه أى رئيس على نسبة الـ99.999% الشهيرة.
الانقسام السياسى مقبول طالما كان فى الحدود التى لا تمس سلامة الوطن، وهو ما رأيناه فى الولايات المتحدة بوضوح. غير أنه ما أن انتهى السباق الرئاسى بزخمه حتى فوجئنا بقراءات كثيرة للمشهد وتداعياته المتوقعة على الكثير من الدول، ودخلنا فى موجة جديدة من الإنقسام، ولكنه فى هذه المرة على طريقة دول العالم الثالث، وما اعتادت عليه العقلية العربية من تصنيفات كلاسيكية: مع وضد، فتطايرت الاتهامات نحو من أعربوا عن ارتياحهم لفوز بايدن بأنهم ضد الأنظمة الوطنية لدولهم، وأنهم ممن يؤيدون عودة جماعة الإخوان للمشهد، وكأن ثنائية "ترامب/ بايدن" هى اختبار لمدى ما يتحلى به الشخص من وطنية، من كان يتمنى فوز ترامب هو مع الدولة، ومن رأى فى بايدن الأفضل متآمر على بلده. وزاد من سوء المشهد أن عناصر من الجماعة الإرهابية لم تخف فرحتها بخسارة ترامب، مما عزز من الاتهامات الموجهة لمن أعرب عن ارتياحه لفوز بايدن عل اعتبار أن ترامب قدم أداء سياسيا يعد الأسوأ فى تاريخ امريكا عبر خطابه السياسى الشعبوى الديماجوجى الذى عادى كل القيم الإنسانية الأساسية.
ومن أسف أن بعضا ممن نحسبهم مثقفين توجسوا من فوز بايدن ونظروا إليه أنه الذى سيعيد إحياء تنظيم الإخوان على اعتبار أنه كان نائبا للرئيس الأسبق باراك أوباما وقت اجتياح ظاهرة "الربيع العربى" للمنطقة، وحرص الإدارة الأمريكية وقتها على فتح قنوات اتصال مع العديد من القوى السياسية ومن بينها جماعة الإخوان وقتها.
وفات هؤلاء أن ثمة ثوابت كثيرة تحول دون أن يتكرر سيناريو إدارة أوباما مع ثورات الربيع العربى.
وأبدأ بالثوابت المصرية وأبرزها أن الدولة الوطنية فى مصر رسخت من أركانها بشكل كبير، واختلف الوضع عما كانت تعانيه من حالة سيولة سياسية إبان ثورة يناير، ومن ثم فإن الموقف من جماعة الإخوان هو قرار مصرى بحت تحكمه رؤية وطنية لا تسمح بأى إملاءات خارجية. مصر 2020 تختلف تماما عن مصر 2011. والقرار الآن فى يد الشعب الذى لن يقبل يقينا أى مصالحة على دماء أبناءه. ثم أن ملف الإخوان هو ملف قانونى وقضائى، والدستور يمنع تشكيل أى جماعة أو كيان سياسى على خلفية دينية، ويُحسب للقيادة السياسية أنها حسمت هذا الأمر بكل وضوح بعد سنوات طويلة من التردد والشد والجذب التى دخلت فيها الأنظمة السابقة.
وعلى المستوى الأمريكى فمن المؤكد أن إدارة بايدن لديها من الأولويات الداخلية والخارجية ما يختلف عما كان موجودا وقت إدارة أوباما. الرئيس بايدن يواجهة مهمة ثقيلة تتمثل فى إعادة توحيد الشعب الأمريكى، والتخلص من إرث ترامب الذى تمثل فى خطاب خرج عن كل الأدبيات السياسية المألوفة لرؤساء أمريكا السابقين.
الإدارة الأمريكية لن تترك الكثير من الملفات الملتهبة وأبرزها ملف "جائحة كورونا" وما مثلته من تحد خطير – تجاهله ترامب – على الاقتصاد الأمريكى، ولن تستمر فى التغاضى عن مسئوليتها الأخلاقية تجاه منظمة الصحة العالمية التى قرر ترامب الإنسحاب منها وكأنها ناد اجتماعى أو رياضى وليست المنظمة الأممية الأولى المعنية بالشأن الصحى. هناك أيضا ملف الصين التى شن ترامب حربه الاقتصادية عليها، والملف النووى الإيرانى واتفاق (5+1) الذى انسحبت منه الولايات المتحدة. أضف إلى ذلك ملفات ملفات عودة أمريكا لاتفاقية المناخ، واتفاقية المحيط الهادئ، واتفاقيات التجارة الحرة، وغيرها مما اتخذ فيه ترامب قرارات خارج حدود المألوف والمتوقع.
هذا جزء بسيط من ملفات شائكة تنتظر إدارة بايدن وتحظى بأولوية قصوى لدى صانع القرار الأمريكى الذى يستحيل أن يلتفت عنها ليتفرغ لملف جماعة الإخوان.
وتبقى نقطة جوهرية وهى أن السياسة الخارجية للإدارة الأمريكية الجديدة لن تتراجع عن المكان الذى قاد فيه ترامب بلاده سواء فيما يتعلق بالقدس أو مرتفعات الجولان السورية التى أعلن ترامب عام 2019 اعتراف بلاده بالسيادة الإسرائيلية عليها، أضف إلى ذلك أن قرار ترامب بنقل السفارة الأمريكية للقدس هو فى الأساس مشروع قرار تبناه الكونجرس منذ عام 1995، وقرر رؤساء أمريكا المتعاقبين التعامل معه بطريقة التأجيل والتسويف، وما فعله ترامب أنه أعفى من يخلفه(بايدن) من حرج تنفيذ القرار. وفيما يتعلق باتفاقيات السلام والتطبيع مع إسرائيل فقد أعلن يابدن أنه مسرور من هذه الخطوة.
الرئيس الأمريكى الجديد سياسى مخضرم، ويأتى من مدرسة مختلفة عن سلفه، إنها مدرسة الدولة العميقة، والمؤكد أننا فى حاجة إلى قراءة أكثر عمقاً مما يحدث الآن لدلالات فوز بايدن فى انتخابات الرئاسة الأمريكية.