رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

معاً للمستقبل

صراحة الرئيس السيسي التي عهدناها في كلماته بكل مناسبة هي بلا شك أقرب الطرق لعقول المواطنين وقلوبهم، وأصدق وسائل بناء الوعي الحقيقي، وكشف ما عداه من وعي زائف يروجه البعض هنا وهناك لتضليل الرأي العام وإهالة التراب على إنجازات الدولة وطمس ما تحرزه من نجاحات متتالية في حربها للإرهاب والإهمال والفساد.

الرئيس السيسي لا يكف عن تحذيرنا من الانسياق وراء الشائعات أو الاستسلام للأكاذيب، ويوجه المسئولين في كل موقع بضرورة مكاشفة الناس بالحقائق المبسطة.. ويرفض مغازلتهم بوعود كاذبة أو أقوال مرسلة لا وجود لها على أرض الواقع..ولا يترك الرئيس مناسبة دون التأكيد على ضرورة الحفاظ على الدولة ومقوماتها وعدم التفريط في استقرارها الذي تحقق بجهد جهيد ودماء وعرق وإجراءات إصلاحية صعبة تحملها الجميع بلا استثناء.

ووصلاً بما سبق حذرنا الرئيس أثناء افتتاح جامعة الملك سلمان وعدد من المشروعات الكبرى من عدم الاستقرار الذي يفضي إلى ضياع الدول وتدمير مستقبلها، و قد ضرب مثلاً بمشروعات كثيرة تعطلت بعد يناير2011، في قطاع الآثار والمتاحف والمصانع وغيرها من مناحي الاقتصاد، كما صٌدِّر إلينا الإرهاب الذي تهيأت له الفرصة فعاث في أرضنا تخريباً وتدميراً تحت مظلة الفوضى التي ما إن تطال دولة حتى يعيش أهلها سنوات ثقيلة ومتاعب وآلاماً جمة، ولو وقعت أحداث مشابهة - لا قدر الله- فلسوف تتكرر المآسي، وتسوء الأوضاع أكثر كثيراً مما كان، وتخلق فراغاً تتمدد فيه قوى محلية وأجنبية تتبارى لإسقاط الدولة ومؤسساتها، وفي مقدمتها الجيش والشرطة.

لاشك أن الفوضى تفتح أبواب الجحيم على بلادنا وهو ما جعل الرئيس يحذرنا، في مناسبات أخرى كثيرة، من مغبة الوقوع في براثنها؛ بعد أن كنا بالفعل مرشحين للسقوط فيها مثل دول أخرى حولنا لولا عناية الله أولاً، وقوة جيشنا.. وكما قلت من قبل - والكلام للرئيس- خلوا بالكم من بلادكم فهناك من أراد التغيير دون أن يدري أنه بهذا التغيير سيخلق فراغاً لن يملؤه إلا الأشرار من أعداء الدولة، وحتى لو كان الحكام السابقين غير جيدين محدش حيقول لكم الكلام ده خالص. خلوا بالكم من الشعارات الزائفة والكلام المعسول الذي يفضي بكم إلى الضياع. البلاد اللي راحت لم تعد، كما أن التكاليف المالية والأخلاقية والسياسية التي دفعتها الدول بسبب هذه الفوضى كانت كثيرة كثيرة ..اشتغلوا واصبروا..ثم موجهاً حديثه للشباب: تحملوا وقاسوا وعانوا بس بلاش تدمروا بلدكم لأنها لن تعود..كلنا محتاجون وأنا منهم أن نتعلم كيف نحافظ على مقومات استقرار الدولة.

وفي الاحتفال بذكرى ميلاد سيد الخلق نبي الرحمة ورسول الإسلام الذي بعث للعالمين بشيراً ونذيراً جاءت كلمات الرئيس قوية مؤثرة؛ ذلك أنه قد غاب أو غُيب في رءوس من يقترفون أو يسهمون في جرائم الإرهاب قول الله تعالى " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" بكل ما تحمله كلمة العالمين من معنى الشمول والسعة ..وكما قال الرئيس إن شريعة الإسلام تقوم على أساس البناء لا الهدم ..وهنا يتوجب على علماء الدين تصحيح المفاهيم الخاطئة، ونشر صحيح الدين في مواجهة دعاة الشر.

مقاصد الدين تستهدف تحقيق صالح البلاد، ومنفعة العباد بالسماحة واليسر وليس التطرف والتشدد، وبهذه المعاني أرسى النبي بالحكمة والموعظة الحسنة دعائم وأسسًا عظيمة وخالدة للإنسانية جمعاء؛ ومن ثم أكد الرئيس السيسي أن قضية الوعي الرشيد وفهم صحيح الدين سوف تظل من أولويات المرحلة في مواجهة أهل الشر الذين يحرفون معاني النصوص ويخرجونها من سياقها ويفسرونها وفقاً لأهدافهم، أو يعتمدون على تفسيرات خاطئة لها؛ مما يقتضي علماء الدين تصويب المفاهيم الخاطئة لنحمي المجتمع والدولة من عواقب الفهم الخاطيء وما يستتبعه من عنف وتخريب، وليدرك العالم أجمع كيف يتأسس الإسلام على الرحمة والتسامح والتعايش السلمي بين البشر جميعاً.

شتان ما بين الحقائق والشائعات وبين الوعي السديد والوعي الزائف؛ وليس بناء الوعي الرشيد للأمة شيئاً يسيراً أو عملاً مما تستطيعه الحكومات وحدها بل هي عمل مجتمعي يتطلب تضافر مؤسسات الدولة الدينية والثقافية والإعلامية لبناء شخصية قوية وسوية قادرة على مواجهة التحديات والتمييز بين الحق والباطل..فرسالة الإسلام جاءت انتصاراً لحرية الفكر والإيمان والاختيار والاعتقاد"، وهي حرية ليست مطلقة حتى لا تحولها أهواء النفس إلى فوضى تستبيح التخريب والتدمير.. بل تقف تلك عند حدود حريات الآخرين..ولا يمكن أن يمس مكانة سيد الخلق في قلوب المسلمين وعقولهم في كل أنحاء العالم قول أو فعل ..كما أكد الرئيس رفضه القاطع لأي أعمال عنف أو إرهاب تصدر من أي طرف تحت شعار الدفاع عن الدين أو رموزه المقدسة؛ فجوهر الدين هو التسامح.

وبكلمات قاطعة حذر الرئيس من الإساءة للأنبياء والرسل مؤكداً أنها استهانة بقيم دينية رفيعة، ولا يمكن أن يحمّل المسلمون بأوزار ومفاسد وشرور فئة قليلة انحرفت، وأن الاقتداء بالرسول والتأدب بأدبه وأخلاقه والصدق وإتقان العمل أمر مهم.

لست في حاجة للقول إن ديننا الحنيف يحضنا على فعل الخيرات وترك المنكرات وتجنب أي فساد في السلوك أو تطرف أو انحراف في الفكر والاعتقاد ..وبقدر ما ندين أي إساءات أو إيذاءات لنبينا الكريم فإننا نرفض بشدة أي سفك لدماء أبرياء كما حدث منذ أيام في باريس ؛ فذلك أمر مشين ومؤلم ويدعونا للتساؤل: بأي ذنب قتل هؤلاء..؟!

إننا مطالبون بتقديم صورة مشرقة للإسلام أمام الغرب وكافة الأديان والأعراق..سلوكاً وعملا يستلهم خلق الرسول ودعوته للعلم والعمل والتسامح والتعايش الحضاري..وحسناً فعل الإمام الأكبر د.أحمد الطيب شيخ الأزهر بإطلاق منصة عالمية بلغات عديدة للتعريف بنبي الرحمة ورسول الإنسانية.. وهو قرار تأخر كثيراً حتى تركنا للبعض فرصة كي يسيء بقصد أو دون قصد لرسولنا الكريم دون أن نقدم سيرته الشريفة للعالم بطريقة مبسطة وموثقة.

الأزهر أدان الحادث المؤسف الذي قتل فيه المدرس الفرنسي بباريس وغيره من حوادث الإرهاب..كما قال د. أحمد الطيب إننا نجد مع أشد الأسف أن الإساءة للإسلام والمسلمين في عالمنا اليوم قد أصبحت أداة لحشد الأصوات الانتخابية والمضاربة بها في أسواق الانتخابات ؛ فمثل هذه الرسوم المسيئة لنبينا العظيم التي تتبناها بعض الصحف والمجلات بل بعض السياسيين هي عبث وتهريج وانفلات من كل قيود المسئولية والالتزام والخلق والعرف الدولي العام، وهو عداء صريح لهذا الدين الحنيف ولنبيه الذي بعثه الله رحمة للعالمين، معرباً عن رفض الأزهر بقوة لهذه البذاءات التي تسيء إلى هؤلاء الذين يجهلون عظمة هذا النبي العظيم.

والمتأمل لأحوال أمتنا ومنطقتنا يجد نفسه في مواجهة سؤال حتمي: هل أخلاقنا بخير ..هل أقوالنا تطابق أفعالنا..وهل نطبق عملياً ما دعانا إليه ديننا الحنيف ورسولنا الكريم القائل " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"..وهل انتهينا عما نهانا عنه..لقد قال الله تعالى في قرآنه الكريم: يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، كبُر مَقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون".

ودائما ما نواجه بسؤال لم نجد إجابة له : لماذا منطقتنا مبتلاة دون غيرها بالإرهاب وجماعاته، والتطرف وتنظيماته، والإهمال والفساد والتخلف والأمية والتواكل والمرض..حتى باتت أكثر بقاع الأرض هشاشة وانقساماً وتدهوراً وانحطاطاً في السلوكيات، وانخراطاً في الخرافة واستسلاماً للشعوذة والكسل والتواكل وهي الآفات التي ينكرها ديننا بشدة، ويحذر من الوقوع في أسرها..والسؤال الأهم: لماذا تدهورت أخلاقنا، وتراجعت أدوارنا الحضارية، وتداعت علينا الأمم كما تتداعي الأكلة إلى قصعتها لا من قلة ولا من ضعف في الموارد لكننا كثرة كغثاء السيل كما قال نبينا الكريم.

فهل نجد أمة أخرى يحاربها أعداؤها بأيدي بعض بنيها المغرر بهم والذين جرى توظيفهم لهدم أركانها وهز استقرارها عبر حروب الجيلين الرابع والخامس ليدمر بعضنا بعضاً بدعاوى زائفة تنطلي للأسف على بعضنا.

أما العجب العجاب فهو أن أمة اقرأ لا تقرأ، ولا تجتهد بصورة مرجوة في طلب العلم، ولا تتحرى الصدق ولا تتثبت من صدق ما تشيعه طائفة من الناس على مواقع التواصل الاجتماعي ومواقع الأخبار وقنوات التحريض من أخبار مفبركة وشائعات مكذوبة تستهدف تشويه إنجازات الدولة المصرية التي تتعرض لموجات شرسة من الإرهاب وحروب الأفكار والكراهية.

وسوف يبقى السؤال : من قام بتشويه صورة الإسلام :أهم خصومه وأعداؤه الذين لا يرجون له انتشاراً أم بعض المنتسبين إليه زوراً وبهتاناً ..أم سلوكيات كثير من أتباعه التي تجافي روح الدين وتتنافي مع أوامره ونواهيه..أم كل هذه العوامل مجتمعة..فقد ابتليت مجتمعاتنا تارة بالاستعمار البغيض والاستبداد المقيت ..وتارة بالدواعش الجدد وجماعات العنف والتكفير التي استباحت أرضنا وسفكت الدماء وأزهقت الأرواح وشوهت بكل أسف صورة الإسلام الحنيف الذي هو منهم جميعاً براء.

ثمة انفصام ظاهر بين جوهر ما يدعونا إليه ديننا وبين سلوكنا وأفعالنا؛ وهو تناقض ناتج عن قصور شديد أصاب فهم بعضنا لجوهر الدين بصرف النظر عن تصرفات الغير نحونا..الأمر الذي عبر الرئيس السيسي بقوله: " إن من يؤثر على الدين وصورته لدى الغير بشكل طيب أو غير طيب هم أهله.وكل دين هو قوي بطبيعته لكن الذي يضعف صورته هم أهله وممارساتهم الفعلية.

والأكثر مدعاة للأسف أن هناك من أصحاب الفكر المتشدد والفهم المغلوط للدين من يجعل المسلمين أنفسهم غير آمنين في ديارهم ؛ فنحن وكما قال الرئيس السيسي نتعرض للقتل ليس منذ 5 سنوات فقط بل من سنوات طويلة بأيدي أناس منا، وننفق على تأميننا مبالغ طائلة نتيجة فهم مغلوط للدين.

الرئيس دعا إلى مراجعة أفعالنا وأقوالنا؛ ذلك أننا موقوفون جميعاً أمام الله ومحاسبون عن أفعالنا كلها إن خيراً فخير وإن شراً فشرٌ، فالدين المعاملة.. وما انتشر الإسلام في العالم إلا بحسن الخلق وحسن المعاملة ولولا مكارم الأخلاق التي دعانا إليها الإسلام لتحولت مجتمعاتنا إلى غابة ينهش القوي فيها الضعيف..وما أحسب تخلفنا الحضاري إلا لأننا فرطنا في قيمنا الأخلاقية، وأهملنا رسالتنا الحضارية المتميزة التي جعلتنا يوماً خير أمة أخرجت للناس..فهل نحسن لأنفسنا ولديننا ونبينا بالعودة لمباديء إسلامنا الحنيف لنعمل ونكد ونجتهد ونخلص حتى تعود صورة الدين رائقة نقية وتعود لنا ريادتنا المفقودة..؟؟!

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة