اكشفى على طول شهر كتير" .. هكذا جاء رده بتلك الجملة التى أربكتنى وجعلتنى اتيقن انه أمر ليس بالحميد، فكثيرا ما كانت تدور برأسى وساوس المرض الخطير، وكم هو مؤلم هذا المرض وكيف لتلك الخلايا السرطانية أن تميتك بالتجزئة وما يتبعه من حزن للمحيطين.
لا استطيع اذن تأجيل زيارة الطبيب لفحص هذا الشيء الغريب الذى ظهر بالقرب من الوجه، ولا أعرف له سببا، ولكنى اخشى المواجهة، فحاولت تأجيل الزيارة بحجج مختلقة، الى أن دفعنى الخوف لزيارة طبيب الأورام.
كان يوما كئيبا، وانا ارتب حالى للزيارة وصوت أطفالى الصغار يحاصرنى، ورنين الهاتف لم ينقطع، إنه ابى ولكنى لا استطيع محادثته.
وفى طريقى للعيادة طافت برأسى ذكريات الصبا والطفولة وتخيلات النهاية والموت، كيف سيكون عالمى الآخر كيف يستقبلنى هذا العالم "عالم مابعد الموت"، ومتى تأتى تلك اللحظة التى تفارقنى فيها الروح أحقا مؤلمة أم لا شعور بيها، ومابين كيف ومتى فالنتيجة هى حتمية الموت والفراق، لكن كيف أغادر مبكرا عن صغارى واترك تلك المسؤوليات، إذن لابد ان ارتب حالى سريعا بتوصية من يرعاهم، ولكنى سأشتاق لهم، رزقت بتؤام من قريب، أتخيلهم كبارا يافعين، وابنتى الوحيدة كيف ستحيا بدونى هل سأحرم منهم سريعا، يا الهى كم كنت أرجوك أن تمهلنى من العمر الذى ارعى فيه هؤلاء الصغار.
اقتربت بخطوات بطيئة متماسكة نحو العيادة، فأرشدنى الموظف لتسجيل بياناتى وطالبنى بالانتظار، حاولت فى بداية الامر أن أتجاوز نوبة القلق والهلع حتى أبدو هادئة، لكنى تذكرت كيف كان لقائى به منذ ثلاث سنوات، وهو يخبرنى متأثرا بأن الوضع ليس بجيد وعامل الخطورة فاق التوقعات وكم كان عطوفا وكريما فى تعامله مع الحالات وتوصياته بالتوجه لطبيب متخصص بالعلاج الكيماوى والاشعاعى وكان كذلك هذا الطبيب الأخ الانسان والطبيب الامين، تلك كانت حالة ابن عمى العزيز الذى داهمه المرض السرطانى فى أقل من ثلاث شهور ولازمته طوال وقته القصير وشاهدت لحظة وداعه وكم اهلكنى الحزن عليه، فخشيت أن يكرر هذه الكلمات مرة أخرى، فاستحضرت قلقى واشتياقى لصغارى ولأبى وأمى، وزوجى الكريم كيف يستقبل مثل هذا الخبر وكيف أترك له كم هذه المسؤوليات وأفرجت عن نوبة الهلع بالبكاء أمامه حتى لا يفجعنى بقول الحقيقة المجردة، واجعله يعلم كم انا هشه ولا استيطع المواجهة، وبمجرد ما رأيته ما نطقت بسوى "يارب اشفى كل مريض يارب بحب الخير للناس كلها" فأنا أعلم الان أن الأمر أصبح مابين يد الطبيب العالم والله القادر، فنطر إلى بابتسامة واقترب للفحص، ثم زادت ابتسامته وافرج عن ضحكة مبهجة، هدأت معها دقات قلبى المتسارعة، ونطق لطفا ورفقا (ماتقلقيش ياعلا دى حاجة صغيرة خالص مش محتاجة غير فيتامينات فقط)، ولكنه فاجأنى بجملة قاتلة (انتى تخينتى عن زمان)، محاولا بجملته تلك ايقاف بكائى وخروجى من الحالة المفزعة التى كنت عليها.
خرحت حامدة لله شكرا ولكن بقلبى وعقلى لافتة جديدة لم يكن وجودنا فى الحياة عبثا ولا مفر من الموت، فلابد أن تبحث عن قيمة لحياتك تأتى من العطاء، وان نجوت من مرض أو ابتلاء، فهناك من أصابه المرض وحاصرته الابتلاءات فكن عونا لهم ان لم تستطع بالفعل فليكن بالدعاء.