رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

أبيض وأسود

(1) الجمال
"علي الرجل أن يقهر ظروفه، وإلا قهرته ظروفه".
الكاتب الأمريكي أمور تاولز في رواية جنتلمان في موسكو

المُدن والعَواصم مثل البشر تَنسحب عليها صفات إنسانية مثل الصدق والشياكة والأناقة والكرم والنظافة، لها روائح مميزة، وتعاني أيضًا.. والعاصمة المصرية يرجع البعض تسميتها بـ"القاهرة" إلي أنها قاهرة الأعداء المستعصية علي السقوط.. في الأربعينات والخمسينات كانت تفوق باريس وأغلب عواصم أوروبا في البهاء.. وفي الستينات كان العالم ينتظر الأخبار منها، ويتلهف علي الفن الذي يشدو في ربوعها.. وفيما تلي ذلك هي العاصمة والقاهرة والفريدة من نوعها بمبانيها والبشر وبتاريخها وحكاياتها ونيلها وهواءها، ورغم ما مر عليها كانت مثل الرجل تقهر ظُروفها، وتتصرف في مِحنها.. وكم كانت الحكومة رشيدة وحكيمة برد الإعتبار لها بتطوير شوارعها وإعادة تجميل ميدان التحرير بخلاف المشروع العظيم للقاهرة الخديوية، وكل هذا جاء بتكليفات رئاسية تعطي رسالة واضحة من الرئيس عبد الفتاح السيسي أن القاهرة لها مكانتها في الوقت الذي تُشيّد فيه العاصمة الإدارية الجديدة.

(2) الحيرة
رغم هِمة الحكومة في تنفيذ التكليفات الرئاسية لمشروعات تطوير القاهرة، وعلي الرغم من أنها علي رأسها محافظ نشيط وواعي وناجح في أغلب الملفات من العشوائيات إلي التنمية، وهو اللواء خالد عبد العال، إلا أن كل ما يُحققه يُلوث ويتبخر في الهواء بسبب تردي ملف النظافة.. في يوليو الماضي كتبت هنا علي موقع الجمهوية اون لاين مقالًا بعنوان:" "القاهرة" في الطريق لمنافسة عواصم العالم الأنظف والأجمل".. وتوقعت أن تقضي القاهرة علي أزمة النظافة والمخلفات، فبعد عامين من متابعتي اللصيقة بملف النظافة في القاهرة ومصر عبر البرلمان حيث فتح واحد من اهم البرلمانيين في مصر أحمد السجيني، رئيس لجنة الإدارة المحلية بالبرلمان، باب هذا الملف علي مصراعيه، وأخذ على عاتقه منذ اللحظات الأولى لانعقاد لجنته بحث حلول جدية لمشكلة النظافة، ولم يحدث فى تاريخ الحياة النيابية أن عُقدت جلسات تتناول هذا الملف بهذا الشكل سواء من حيث الكم أو الكيف أو التنوع من حيث حجم الحضور حتى أنها وصلت إلى 200 اجتماعًا، وقد حضرت بصفتي الإعلامية أحد جلسات الإستماع باللجنة، والتي أسفرت بالنهاية عن قاعدة بيانات علمية عظيمة ودقيقة نستطيع من خلالها تبنى رؤية سليمة تكون مدعمة بإطار تشريعى، وسلمت اللجنة الحكومة تصور شامل وافي للنظافة يعيد للقاهرة وكافة مدن مصر بهاءها ونظافتها وصحتها ويجعلها تنافس عواصم أوروبا عبر تطوير هيئتي نظافة القاهرة والجيزة من خلال شركة قابضة تكون المسئول الأول عن الملف بمصر، وعبر منظومة شاملة للنظافة والتخلص الآمن من المخلفات، وإعادة تدويرها لخلق قيمة مضافة لإقتصاد الدولة. وجاءت الإرادة السياسية للرئيس السيسي في توفير الحياة الكريمة للمصريين لتعيد الروح لمنظومة النظافة التي أخذ يتابعها بنفسه مشركًا كافة الوزارات في المنظومة، ولعل اجتماع الرئيس مع مدبولي ووزيري التنمية المحلية والبيئة في 20 يولية الماضي كاشف عن الإرادة السياسية الصلبة للرئيس في تنفيذ هذه المنظومة الجيدة بالمعايير العالمية.. وبعدها أقر البرلمان القانون الجديد لإدارة منظومة المخلفات والذي يحمل رقم ٢٠٢ لسنة ٢٠٢٠ بشأن تنظيم إدارة المخلفات، ليضع إطار قانوني وتشريعي لحل أزمة المخلفات بشكل نهائي في مصر، والذي صدق عليه الرئيس عبدالفتاح السيسي على القانون الجديد لإدارة منظومة المخلفات والذي يحمل رقم ٢٠٢ لسنة ٢٠٢٠ بشأن تنظيم إدارة المخلفات.. وبدأت البشائر للمشروع تظهر في تشكيل وزارة البيئة لجهاز تنظيم المخلفات الذي يهدف فى المقام الأول لتحقيق إدارة متكاملة لمنظومة المخلفات والقضاء على مشكلتها بكافة أنواعها.. وتبارت المحافظات وعلي رأسها الجيزة في التعامل مع الملف لكن يبدو أن محافظة القاهرة بعيدة تمامًا عن التوقعات والتنبؤات وعن تكليفات الحكومة.. فالنظافة تتردي فيها وكل الجهد المبذول من كافة مؤسسات الدولة لا وجود له علي الأرض.

(3)الحبر
في مقالي بيوليو الماضي اشدت بمحافظ القاهرة في مواكبته البرلمان والحكومة والإهتمام الرئاسي بملف النظافة باختيار اللواء إيهاب الشرباشي رئيسًا لهيئة نظافة وتجميل القاهرة، لإعادة الإنضباط لهذا المرفق الحيوي، وكتبت روشتة مفادها:"تحتاج القاهرة لإرادة صلبة من الشرباشي لتحقيق حلم القاهرة النظيفة والمهمة صعبة ولكنها ليست مستحيلة، وقد لخص صعوبتها حديث الشهيد الراحل اللواء عادل ابو الحديد أمام محلية البرلمان في فبراير الماضي لإقرار الموازنة الجديدة للهيئة قائلًا:" لدينا مشكلة كبيرة في عجز العمالة، نعمل حاليا بنسبة 10% من العمالة، وعمال النظافة عددهم 3400 عامل، وهو ثلث العدد الذي تحتاجه الهيئة من العمالة، خاصة أن القاهرة فيها 38 حي، بالتالي نحتاج عمالة.. وعندنا عجز في عدد السائقين، وإنعدام في الفنيين، والأسبوع الماضي كان هناك 8 أحياء فيها إضراب شامل بسبب عدم وجود فلوس"، وقال:"الهيئة لديها مشكلة في التعاقدات المتوقفة حاليًا، وعندي 14 حديقة خاصة عايز اجيب مستثمر يأخذ حديقة منها مش عارف وإيدي متكتفة، أي منظومة بالشكل دا تفشل".

الصعوبات التي تحدث عنها ابو الحديد لابد أن ينظر لها الشرباشي ومعها مشاكل النظافة في الشوارع والميادين والجمع السكني، التي تبدأ باحتكارات كبار المتعهدين للعقود دون رقيب ولا التزام بالجودة، وتمر بتقاعس وحدات الرصد البيئي بمختلف الأحياء عن الرقابة الحقيقية، وتراخي أفرع الهيئة بالأحياء، وهناك أحاديث لابد من التأكد من صدقها عن سياسة الدرج المفتوح بوحدات الرصد وأفرع الهيئات للـ"الصهينة" علي تقاعس متعهدي الجمع السكني الكبار وفسخ العقود من المتعهدين الصغار لاعطائها للكبار.. هناك رائحة تزكم الأنوف عن عمولات وشهريات تحتاج إلي التعامل القانوني والملاحقة إن ثبتت صحتها، وإلي تبرئة الذمة لو ثبت مجافاتها للحقيقة".

وتابعت عن كثب النظافة في القاهرة الأشهر الماضية.. ويبدو أن الحبر تطاير وسقط في سلة المهملات، والأمور تردت، فمنظومة الشكاوي الحكومية التابعة للحكومة والتي تصدر تقريرًا شهريًا تؤكد تزايد شكاوي النظافة والمخلفات في القاهرة بشكل مطرد.. ويوميات رؤساء الأحياء علي الفيس بوك تضج بالشكاوي من المخلفات والصور التي توثقها، والمتأخرات لصالح الشركات والمتعهدين ومعهم العمالة لدي الهيئة وصلت إلي أربعة شهور رغم بداية المواسم والمولد النبوي، وجميعهم غاضبون ومتبرمون.. ووصلت السخرية لقمتها حينما نشرت الصفحة الرسمية لمحافظة القاهرة علي الفيس بوك بوست، يوم 29 أكتوبر الماضي، تحت هاشتاج العاصمة في عيون الصحافة ومرفق معه حوار لرئيس هيئة النظافة عنوانه:"القاهرة ستصبح جنة خضراء.. والنظافة خط احمر"، فتفاعل الموطنون بعلامات الغضب والسخرية والحزن، ووصفوا الأمر بكلام جرايد، واستفاضوا في الحديث عن تدهور النظافة بالأحياء، وتوسع رئيس الهيئة في فسخ عقود المتعهدين الصغار والجادين لصالح الكبار، بل أنه عاقب متعهد في البساتين بفسخ عقده دون انذار أو لجنة لمجرد أنه تحدث مع رئيس الحي عن قانون المخلفات الجديد وأن وزارة البيئة ستدير المنظومة، ورفض ان ينفذ طلبات رئيس الحي التي لا توجد بتعاقده مع الهيئة، وبدلًا من أن يستمع له ويحميه، طرده وفسخ تعاقده بشكل يفتح الباب أمام الشبهات.. فمن يحاسب المقصر في نظافة القاهرة؟ ومن يحمي المواطنين من خطورة المخلفات؟ ومن يحمي العمالة والتعهدين من التعسف والإذعان؟

(4)الدم
المصريون يدفعون ضرائبهم من قوتهم ورزقهم وعرقهم ودمهم، وينتظرون خدمات أفضل، والقاهرة تستحق النظافة والشياكة لأنها واجهة الدولة، وقِبلة السياحة، ومقر الفن والثقافة.. والبرلمان مطالب بدوره الرقابي إلي جوار دوره التشريعي، والمحافظ النشط مطالب بمتابعة هذا الملف حتي لا تضيع انجازاته الملموسة، فما تنفقه الحكومة علي مشاريع القاهرة كثير ويحقق ما نحلم به، وكل ما نحتاجه أن نتعاون جميعًا لأن نرتقي بالمنظومة بإرادة وقوة وشدة وقانون ودون تعسف وإذعان.. وللحديث بقية..

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة