رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

في سيارة "جيب" بجوار أخي، كنت أجلس في مشوار صباحي للمدرسة.. ومن النافذة البلاستيكية، كنا نطالع الطريق؛ المارة والسائقين. وكثيرا ما أثار انتباهنا هذا الإجماع البشري لمشهد العبوس الصباحي اللا متناسق مع جلل تحضيرات الخالق لعباده من جمال كوني متبرج احتفالًا بإشراقة الصباح .. فكنت وأخي نتسابق على عمل "وجوه" مضحكة لرسم البسمة على وجوه العابسين.

وينتهي اليوم الدراسي فنعود إلى "السيارة الجيب" من جديد، والمشهد العابس على أشده، فاستحوذت على فكرة البحث عن أسباب التجهم، على الرغم من إدراك أكابر العابسين لما في الابتسامة المجانية من أجر وثواب .. بل وقد يبادرونك بتلاوة الحديث الشريف: " تَبَسُّمك في وَجْه أَخِيك صدقة".. يروونه مُذيلاً بالعبوس!

..

تركت المدرسة ثم التحقت بالجامعة ومنها تخرجت، فعملت ثم تزوجت كما اغتربت، والحال على ما هو عليه منصوباً بالعبوس وعلامة نصبه الشدّة.. وتعساً لِلنُّحَاةِ.

فعلي اَلرَّغْم من التغريدات الحاضة على البِشر، مجرورة بالإغراء بحسناته، أرباحه الصحية والاجتماعية، إلا أن الغالبية قد استمسكت بصلابة عبوسهم، يعضون عليها بالنواجذ، عضهم على ميراثهم وأنسابهم.

فما هي موانع الابتسام التي تحول دون استفادة البشر من عوائده؟

ربما تُعَنْوِن البسمة مادة فرح، يخفيها متن الهموم، فيخشى المرء أن يُرى مبتسماً فيُحسد، لذا، نشهد سباقاً بشرياً كل يريد المجاهرة بأكبر عدد من خسائره والإعلان عن تلفياته، مسروقاته، هدره وما ضيّع خشية ترجمة الإبتسامته بالسعادة، فتقذفه العين لبئر هاوية من الخسران.

..

وقد تقابل من معارفك من يغيب عنك ويغيب، ثم يتصل بك فقط ليحيطك علماً بمن احتال عليه أو بحادث وقع له أو بأي بَلِيّة أخرى .. ناهيكم عن أنه -مؤخراً- استعاض الناس بنشر صور حوادث سياراتهم أو سيلفي مع أرجلهم قيد الجبيرة لضمان سلامة وصول رسائلهم لأكبر عدد ممكن.

كما يتشح البعض بأثواب الحُزن، مستعينين بالعبوس لإضفاء مظهر اَلِانْكِسَار المعين على تسول عطف المحيطين، فهيئة الجمال الحزين المصاب، يرتكز عليها المنكسر كمعاذير تعفيه من واجبات اجتماعية ومادية جمة، فهي هيئة جالبة للشفقة، معتصرة لجهود الناس وحالبه لخيراتهم، تماماً كما يعتصر الشفق آخر خلاصة لضوء شمس الوداع ساعة الغروب بحركة عطف شمس الأصيل محاولاً اعتصار آخر رمق لضوء الشمس إشفاقاً على الأرض من الظلمة، فيأتي الشفق كالغيث بنسيج من ألوان حمراء هادئة تقاوم حلول الظلام الكالح في العشاء حين تعشى الأعين عن الرؤية .. كذلك يفعلون لتشفق عليهم ليشفطوا آخر رمق في طاقاتك النفسية.

..

و­من اسباب موانع الإبتسام أنه قد تترجم بسمة الغادة الجميلة على أنها " فتاة سهلة "، فتُنصح بالعبوس.

كما تعد التجارب المخيبة للآمال من موانع الابتسام، فكلنا كنا يوماً ما هذا الغر الغَرير الناثر بشاشته على سائر البشر الصانع "للوجوه" لرسم البسمات.. ثم ما أن تقابل ابتسامتك بلغة جسد مهينة أو نبرة استعلاء صادة أو خد مصعر يشعرك أنك مُستَقذر، أو حين تُرَد تحيتك بتجاهل كأن من يحيك ملكًا منزهاً يلقي بتحيته من علي. هنالك تُطيح بالمرء ريح الظنون فيخشى أن يبادر ولو غريب أو قريب بمودة أو ابتسامة، لأنه قد أعاد حساباته فوجد أن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة.

في الحقيقة، فإن الإنسان ليس بحاجة للتلاسن لإظهار احتقاره لأي آخر؛ فنبرة صوت خشنة أو مصافحة بطرف اليد، كفيلة بأن تشعر محدثك بأنه قد رخص نفسه ساعة إقباله عليك، ما يجعله يقرر تجنب البشاشة بشكل عام، لأنه لا يأمن صدود البشر من إقبالِهِم .. ولأن درء مفسدة العبوس مقدم على جلب مصلحة الابتسام التي قد تشجع بعض السفلة على تخطي الحدود بالتهريج المبالغ فيه، فيظهر الوجه الخشبي والمشية المصطنعة بالهوينى، وتكاد من "آلو" غليظة ترى الصلف رأي العين لإرهاب خلق الله، من منطلق خير وسيلة للدفاع الهجوم.

..

والبسمات أنواع، فهناك خناجر في الابتسامات؛ فتوجد الابتسامة الصفراء الخبيثة وابتسامة التملق للمديرين، وابتسامة السخرية الرمادية التي يتفاخر صاحبها:" ابتسمت له بنظرة.. حرقته!"

وهناك ابتسامة الشماتة القاتمة المنتفخة بزهو فرحتها على تساقط أشلائك أو اشلاء أمم.. وهي تختلف عن ابتسامة المنفعة المبهرجة بلآلئ مزيفة خادعة لتسول إعجاب رخيص على أعمال ظاهرها الرحمة وباطنها الغل .. تلك الابتسامة التي تعول على عماء بصيرتك، أو ابتسامة الإغواء الحمراء، أو الابتسامة المقتضبة البنية التي تصدر عقب إدانة خجولة لقطع الرؤوس كونها تبرر العمل الإجرامي وتختلق له الدوافع وأيضا باسم الرب تجبرك على الإقرار على أن أي عقيدة تخالف عقيدتك، تعد محرفة ، أما ما تحويه كتب تراثك من غثاء فهي مجرد روايات ضعيفة .. وأن فجورهم دعارة .. وفجورك سبي وطهارة . . وان كل حروبهم استعمار، فيما كل غزواتك فتوحات وعمار .. وان تاريخك باهر، أما تاريخهم فجائر.. وان كل مفكريهم ملحدين متزندقين، فيما كل أئمتك مهتدين بل ومعصومين ..وأن مبشريهم كفرة .. ودواعشك بررة، لكن بعضهم مجرد بغاة .. وأن اتحادهم مؤامرة .. فيما ينهض اتحادك كخلافة عظمى .. وأن "بن فلان" شيخ الإسلام مهما سالت أنهار الدم من كتبه، بينما "بن رشد" فزنديق لتحذيره من المتاجرة بالدين و دعوته لتقبل الأخر!

كما توجد ابتسامة أداء الواجب الثلجية الجامدة للمضيفات، وابتسامة القوس قزح الخادعة التي تخفي (إسفين) وتنتشر بأماكن العمل والإبتسامة المجهدة الترابية المضطرة غصبا للتعاطي معك أو ابتسامة العتاب التي تراها على وجوه الحماوات ويكون معناها "ماكانش العشم"، والابتسامة المسحوبة يتعمدها شخص، فيلاقي الجميع بالبشر، ويأتي على صيده، فيسحب ابتسامته كعقوبة علنية لتصفية حسابات ولإظهار الأفضلية بين البشر.

هذا ولن أنسى الابتسامة المصطنعة للمبشرين كون بذور كراهيتهم التي دسوها في كفور وعقول مريديهم ستثمر ثمار الكراهية الملعونة وستدمر وتحرق باسم المقدس، تلك الابتسامة التي تجتهد في إقناعك أن وحده صاحبها على طهارة، وأنك بدون الانصياع لمعتقده، وبدون أن ترى ما يري، ودون أن تذبح باسم الرب كالهمج كما يذبح ..ودون أن يعمر قلبك بالكراهية المقدسة، ودون أن تحمل فزاعة الراية السوداء ودون أن توقع على الدموي وقطع رؤوس الفرنسين ومن عنونهم أعداء للدين، ستصبح نجس ومصيرك خرقة في الجحيم.

فابتسم فلقد قتلت فرنسياً .. فهنيئاً لك صك الجنة!
ولن أنسى ابتسامة الرضا التي تعلو وجه المؤمنين الذين بقبلونك ويحتفون بمشاركتك في أزقة الإنسانية دون اشتراط أن تماثلهم فيما يعتقدون أنه صحيح الدين، فلا يكفرونك ولا يقيمونك .. لكن بقلوبهم يقبلونك..

لذا تبقى ابتسامة الموناليزا أو ابتسامة المودة البيضاء الدافئة الصادرة من القلب هي ما يثاب عليها الإنسان.

..

ولو حق لنا مطالبة الناس بملاقاتنا بالبشر، فحري بنا تحري أوقات صفوهم، فالمسافات حرمات، فلا تتوقع أنك كلما قابلت قريب، جار أو زميل لك صدفة، أن تجده دائم البشاشة، فقد تعود العائلة من فسحة، وأفرادها منهكين من آثار جو حار أو زحام أو فاتورة ثقيلة، فإذا كان الحال كذلك لدى مقابلة من هو عائد من الفسح، فما بالُنا بمن يعود لبيته مثقلاً بهموم عمله، فهناك ضرورة لعدم اختراق الآخر إلا بعد التيقن من حالة استعداده لاستقبالك، وإلا قد يترجم التجهم الذي قوبلت به بأنه موجه ضدك، في حين أن الكثيرين يمتعضون إذا دق عليهم الباب ووجدوا صديقاً أو قريباً جاء بلا موعد لأنهم لا يحبذون أن يراهم الغير أو يرى منزلهم بهيئة غير مهندمة، مرتبة أو لوجود مشاكل عائلية داخل الدار أو لحلول ضيف آخر يتناقش في شؤون سرية كديون أو قروض أو زيجة إلى آخره.

وتبقى الابتسامة درساً هاماً في الأخلاق، فقد شهد الله لرسوله بأنه لعلي خلق عظيم، رَغْم معاتبته له بسورة تحمل سبب العتب "عبس" مع أن العبوس كان في وجه رجل أعمى لم يره.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة