لوجه الله:
لا يزعجنى أبدا أن يتطاول سفيه هنا أو هناك على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه، فهذا التطاول سواء صدر من رئيس أو خفير، أو تجرأ عليه هؤلاء الذين يتسترون خلف أسماء وشعارات براقة فى الشرق أو الغرب، لا قيمة له على الإطلاق، ولن يقلل من قدر نبينا، كما لن يؤثر فى مصداقية ديننا، فقد نصر الله نبيه الخاتم على كل الجهلاء والأغبياء والحاقدين فى كل العصور.. ومع تقدم الزمن تتضاعف محبة الملايين فى شخص الرسول، ويتزايد المحبون له والمدافعون عنه فى كل قارات العالم.
وجود بعض المنكرين لرسالة رسولنا والمشككين فيه فى هذا العصر تؤكد مصداقية القرآن الكريم الذى نقله لنا عن ربه.. وقد طمأن الله رسوله الخاتم عندما انزعج الرسول من وجود منكرين لرسالته ومشككين فى مصداقيته خلال العصر الأول للإسلام بقوله:" إنك لا تهدى من أجببت ولكن الله يهدى من يشاء" فمن أراد الله له الهداية والصلاح فى هذه الدنيا آمن برسالة الرسول الخاتم حتى ولو كان يتبع دينا آخر ويتمسك به، ومن كتب عليه الشقاء دفعه الى إنكار رسالة محمد الذى بعثه الله خاتما لرسله، وجعل رسالته هى الخاتمة للرسالات السماوية.
لقد جاء رسولنا الكريم بقرآن من عند ربه يعترف صراحة بالرسالات السماوية السابقة، ويجعل إيمان المسلم مشروطا بالايمان برسل الله أجمعين والاعتراف بهم وبالرسالات المساوية التى جاءوا بها وعلينا أن نتدبر قول الحق سبحانه: " آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير".
****
وإذا كان بعض الجهلاء والأغبياء ودعاة التعصب الدينى فى العالم قد أباحوا لأنفسهم التطاول على رسول الإنسانية خلال الأيام الماضية من خلال تصريحات ورسوم وأقوال منكرة.. فلا ينبغى أن نهدر الوقت والجهد فى الرد على سفاهاتهم، بل علينا أن نشغل أنفسنا بالتعبير عن حبنا وتقديرنا لرسولنا الأعظم عمليا، من خلال بيان عظائم رسالته، وسمو أخلاقه، وعظمة ما جاء به من هدايات نبوية، فهو الرسول الخاتم الذي بعثه الله هاديا ومبشرا ونذيرا وداعيا الى الله بإذنه وسراجا منيرا، فبمولده صلي الله عليه وسلم تحققت دعوة ابراهيم، ونبوءة موسي، وبشارة عيسي، عليهم وعلي نبينا افضل الصلاة وأتم التسليم.
لا ينبغى أن ننشغل بسفاهات الغربيين ضد نبى الرحمة ورسول الهدى كل الوقت، فهذا ما يطمحون إليه بأقوالهم المنكرة ورسوماتهم المسيئة، بل ينبغى أن نرد عليهم بالحديث عن عظمته، والتناصح فيما بيننا بهديه وتوجيهاته السديدة، والسير على نهجه، والعمل بسنته، ففى السنة النبوية الصحيحة زاد لكل من يتطلع الى الأرقى من السلوك والأخلاق والاعتدال فى حياته كلها.
*****
علينا أن ننتهز ذكرى ميلاد رسولنا الكريم لنستلهم الدروس والعبر من سيرته وقصة كفاحه، وأن نتحلى بأخلاقياته الفاضلة، ونسير على نهجه ..وإحياء ذكري المولد – كما نصحنا العلماء – تكون بتلاوة القرآن، واطعام الفقراء والمساكين، ومودة الأهل والأقارب.. ولا يوجد فى هذا مخالفة شرعية كما أكدت دار الافتاء، فالاحتفال بذكري مولد سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم دون ارتكاب ما يغضب الله عز وجل من أفضل الأعمال وأعظم القربات، لأنه تعبير عن الفرح، والحب للنبي صلي الله عليه وسلم، فمحبة الرسول من أصول الإيمان، وهي مقارنة لمحبة الله عز وجل، وقد قرنها الله بها وتوعد من قدم عليهما محبة الأقارب والأموال والأوطان وغير ذلك من الأمور المحببة للنفس فقال تعالي: " قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتي يأتي الله بأمره...." ولما قال عمر للنبي صلي الله عليه وسلم: يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي.. قال النبي صلي الله عليه وسلم: لا والذي نفسي بيده؛ حتي أكون أحب إليك من نفسك، فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي.. فقال النبي صلي الله عليه وسلم: الآن يا عمر .
يقول د. على جمعة عضو هيئة كبار العلماء ومفتى الجمهورية السابق: الاحتفال بمولده صلي الله عليه وسلم يعنى الاحتفاء به، والاحتفاء بالرسول أمر مقطوع بمشروعيته، لأنه أصل الأصول ودعامتها الأولي، فقد علم الله سبحانه وتعالي قدر نبيه، فعرف الوجود بأسره بإسمه وبمبعثه وبمقامه وبمكانته، فالكون كله في سرور دائم وفرح مطلق بنور الله ورحمته ونعمته علي العالمين وحجته.
ويرفض د. جمعة حرمان المسلمين من التعبير عن محبتهم لرسولهم الأعظم فى يوم مولده ووصف احتفائهم بهذه المناسبة ب "البدعة" كما يردد بعض المتطرفين.. ويقول: "السلف الصالح درجوا منذ قرون عدة علي الاحتفال بمولد الرسول الأعظم صلوات الله عليه وسلامه بإحياء ليلة المولد بشتي أنواع القربات من إطعام الطعام وتلاوة القرآن والأذكار وإنشاد الأشعار والمدائح في رسول الله صلي الله عليه وسلم، كما نص جماهير العلماء سلفا وخلفا علي مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، بل ألف في استحباب ذلك جماعة من العلماء والفقهاء، وبينوا بالأدلة الصحيحة استحباب هذا العمل، بحيث لا يبقي لمن له عقل وفهم وفكر سليم إنكار ما سلكه سلفنا الصالح من الاحتفال بهذه الذكري المباركة".
والواقع أن مظاهر الاحتفاء بنبينا العظيم فى هذه الأيام تحمل أبلغ رد على هؤلاء السفهاء الذين يتطاولون عليه فى بعض البلاد الغربية.. كما أنها تربط المسلمين بذكرى عطرة يستفيد منها الكثيرون، كما تجسد ارتباط كثير من الناس بدينهم وتوقظ الروح الإسلامية بداخلهم.. وليس هناك أفضل من المناسبات الإسلامية لإحداث هذه اليقظة، والأيام المعدودة فى حياة المسلمين ليست كثيرة، ومن المهم استغلال كل المناسبات الإسلامية ومن بينها ذكرى المولد النبوى الشريف الذى يمثل حدثا مهما فى تاريخ الإسلام.