رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

برقيات

تابعت باهتمام بالغ المقدمة التي سبقت المداخلة الهاتفية التي أجراها الكاتب الصحفي محمد علي خير في برنامجه المصري أفندي علي فضائية القاهرة والناس, مع الدكتور محمد عثمان الخشت رئيس جامعة القاهرة وهو يتحدث عن الدعم الذي تقدمه الجامعة لطلابها مراعاة لظروف بعضهم دون الحاجة لإحراجهم بعمل بحث اجتماعي أو غيره من الإجراءات التي قد تؤذي مشاعرهم أو تنال من كرامتهم, الكاتب الصحفي ألقي بظلال ذاكرته علي كل سبل الدعم التي حظي بها في مقتبل حياته منذ التحاقه بالتعليم المجاني وحتي تخرجه في الجامعة وذكر بالاسم أعضاء هيئة التدريس المحترمين الذين كانوا يوفرون نسخ مجانية من مؤلفاتهم الدراسية يتركونها في مكاتبهم متاحة لغير القادرين علي شرائها, تحدث عن الدعم التمويني الذي كان يقدم للمصريين والذي كان يكفيهم وزيادة ويغني فقيرهم عن السؤال, لأنه كان يتضمن سلع متنوعة وبوفرة, أشار إلي دعم طلاب الجامعات في الماضي وبخاصة المدن الجامعية, من مأكل ومشرب ومعارض الملابس المدعمة التي لم تكن ماركات عالمية لكن كان غالبية الشعب يرتديها من صنع بلادنا وكانت محترمة وتؤدي الغرض, قبل أن تسيطر علينا لعنة الماركات العالمية وتنامي النزعة الاستهلاكية وتغير نمط التفكير الذي فرض علينا من أجل استعمارنا فكريا وانهاكنا اقتصاديا, ذكر كل التسهيلات وسبل دعم المصريين التي لم تنقطع حتي في أحلك الظروف من حروب وانكسارات وانتصارات لم تتخل الدولة عن دعم أبنائها طليعة مستقبلها وهو ما شكل الوجدان والوعي وغرس الانتماء للبلد التي أعطت, ولولا ذلك علي حد قوله ما وصل إلي تلك المكانة.

ما ذكره محمد علي خير يعلمه وعاشه معظم أبناء جيلي واستفاد منه ولولاه ما تعلمنا ولا وصلنا لشيء, ولهذا مس صدق حديثه شغاف القلب خاصة, وقد تزامن هذا مع لوعة صديقتي بعد أن أنقذت العناية الإلهية أبنتها الشابة من محاولة انتحار, وقد تملكها اليأس والإحباط وهي خريجة كلية العلوم تخصص باي تكنولوجي وهو من الأقسام الخاصة بالجامعات الحكومية ذات الرسوم المرتفعة نسبيا, ثم قابلت الواقع ألمر وهو أنه لا عمل بلا واسطة كبيرة محترمه وان الوسائط هذه الأيام هات وخد كما يقال بالعامية فلا شيء لوجه الله كما كان يحدث علي أيامنا. قالت لوالدتها والحديث بالنص بلا مبالغة أن تعليمها قبل الجامعي كان في مدارس خاصه ولم تكلف الدولة شيء, ونتيجة لخطا من موظف في التأمينات حرمت من معاش والدها المتوفي وللأسف حاولوا إصلاح الخطأ فدخلوا في دوامة من الإجراءات والبيروقراطية المقيتة جعلتهم يقولون مش عايزين حاجه هو أحنا بنشحت, حتي الدعم التموني حذفت منه ضمن ملايين المحذوفين, وحين تمرض تذهب لمستشفى خاص وبلا غطاء تأميني وحال المستشفيات الحكومية لا تخفي علي أحد, وإذا مرت علي طريق جديد عليها أن تدفع مقدما, باختصار تشعر وأن الدولة التي تنتمي إليها لم تعطيها شيء. حتي شقيقتها خريجة الهندسة بعد عام من العمل فوجئت بتسريح كل من مضي عام علي عمله واستبدالهم بأخرين بأجر أقل ودون التزام تأميني أو تعويضي لينضموا إلي طابور العاطلين, والمضحك وحتي تكتمل الدراما الإنسانية حاولت أن تقدم لوالدتها في مسابقة الأم المثالية حتي تدخل الفرحة علي أسرتها, خاصة وأن الشروط تنطبق عليها, فعلمت بطرف خفي أنه حتي ذلك الأمر لا يخلو من المحسوبية.

حاولت الانتحار في لحظة ضعف إنساني ثارت علي أوضاعها, ويبدو أن ما وقر في وجدانها واقع مغاير تماما لما عشناه في شبابنا ولما تحدث عنه محمد علي خير في برنامجه الشهير, ومع الأسف كثير من شبابنا فتيات وفتيان يقطنون الأن تلك المنطقة المظلمة, ويملكون ذات المشاعر السلبية فهل تتوقعون مشاعر مغايره؟.

في مسح أخير أجراه الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء علي عينة من 23,864 أسرة في أنحاء البلاد وجد أن 75%من الشباب يعملون بشكل غير رسمي بدون عقود وبلا تغطية تأمينيه تحميهم حال التعطل عن العمل أو الإصابة أو المرض ومن غير معاش حين يصلوا لسن التقاعد. هذه النتيجة وغيرها من الاستطلاعات تشير بوضوح إلي معضلة كبري حقيقية علي الدولة مواجهتها في أسرع وقت, لآنها ببساطة تنال من الانتماء والولاء وهو أمر عظيم لو تعلمون. أخطر من كل أرقام الاقتصاد ومبررات الوضع الاقتصادي والموازنة العامة. أن كان الوضع الاقتصادي لا قلب له فيجب أن يكون له عقل يحسب المخاطر التي تهدد مستقبل كثير من أبنائنا.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة