رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

هذه الدنيا

المذكرات السياسية واحدة من أكثر المواد الصحفية تشويقًا وإثارة للجدل فى آن واحد، إذ أنها تمثل شهادة يقدمها أصحابها لما عاصروه وشاركوا فيه من أحداث وقرارات ومواقف تبقى محل اهتمام لتأثيرها على الوطن.

والموضوعية المطلقة فى المذكرات السياسية مستحيلة إن لم تكن وهمًا كبيرًا، إذ أن صاحب يروى الأحداث ويبررها ويمنطقها من وجهة نظره. ثم أن هذا اللون من الكتابة السياسية أو العمل الصحفى يندرج تحت بند العلوم الإنسانية التى تشمل كل علوم السياسة والصحافة والاجتماع والتاريخ وعلم النفس وغيرها.. وهذه تختلف عن العلوم الطبيعية التى تخضع لمعيار علمى واضح مثل: الطب والهندسة وباقى العلوم الأساسية.

الموضوعية فى المذكرات السياسية وهم، ولكنها تبقى مصباحًا كاشفًا لجانب من الصورة يستطيع الباحث والمهتم بالتاريخ وفهم حوادثه وأحداثه أن يوازن بينها من خلال تجميع أكثر من شهادة لنفس الحدث، ويحدد منها نقاط الاتفاق والاختلاف بما يجعله أكثر قدرة على الاقتراب من الموضوعية، وليس الموضوعية المطلقة. لاختلاف وجهات النظر حول الأشخاص والأحداث.

والمذكرات السياسية قد تتخذ شكل السرد المباشر للأحداث، وغالبًا ما يستعين صاحبها بأحد الكُتاب الصحفيين لما يملكه من مهارة تحريرية وأسلوبية فى صياغتها وتقديمها فى أسلوب شيق مقبول للقارئ، وقد تأخذ شكل الحوار الممتد الذى يجريه الصحفى مع المسئول، ويستطيع القارئ من سياق متابعة الأسئلة وإجاباتها أن يضع يده على التجربة السياسية التى أراد صاحبها أن يقدمها. وقد أسعدنى الحظ فى مقتبل حياتى الصحفية أن أمارس هذا النوع من الصحافة، حيث حاورت الكثير من أعضاء مجلس قيادة الثورة، ورؤساء الوزراء والقادة والسياسيين فى عهود الملك فاروق والرؤساء الراحلين عبد الناصر والسادات ومبارك.

ووسط ما قدمه كثير من السياسيين، يبقى السؤال الحائر: هل كتب الأستاذ الكبير محمد حسنين هيكل مذكراته السياسية؟

هل دون "الأستاذ" شهادته الشخصية للأحداث وكتبها فى أوراق لم يسعفه القدر لإصدارها؟

لقد تشرفت بمعرفة الأستاذ الكبير هيكل والحديث معه، وهو صاحب تجربة صحفية وسياسية هى الأكثر أهمية وعمقًا فى الحياة الصحفية بالعصر الحديث، قد تتفق أو تختلف ما قدمه هيكل من وجهة نظره، ولكنه يبقى فى النهاية علامة صحفية لا يمكن تجاوزها، ومرحلة فارقة يؤرخ بها للصحافة المصرية فى مرحلة ما قبل هيكل ومرحلة ما بعده.

وكان أول من أقر بذلك الأستاذ الكبير على أمين الذى كتب مقالًا لم ير النور بعد عودته من الخارج عندما زار "تلميذه هيكل" فى مبنى "الأهرام" الجديد، وشعر بانبهار لم يستطع إخفاؤه من القواعد التى وضعها هيكل فى تنظيم العمل الصحفى، حتى أنه اعتبر أن "الأهرام" هى النسخة الأكثر تطورًا من "أخبار اليوم" القديمة التى أسسها الشقيقان مصطفى وعلى أمين.

وأعود للسؤال المحير: هل كتب هيكل مذكراته؟

لقد سألت الأستاذ هيكل هذا السؤال ذات يوم، ومن أسف أنه لم يقدم إجابة واضحة له، ونفس الأمر طرحه الأستاذ الكبير يوسف القعيد فى مقال نشره قبل ثلاث سنوات بالزميلة "الأخبار"، ونقل فيه جانبًا من الجدل الذى شهدته إحدى ندوات معرض القاهرة للكتاب – فبراير 2017 - حول ما إذا كان الكاتب الكبير قد كتب مذكراته أم، حيث كشف المثقف الأردنى خالد عبد الهادى عن أن "الأستاذ" كان يكتب يوميات، ويدون ما يجرى بينه وبين من يزورونه فى أوراقه ويحتفظ بها.. وتساءل الأستاذ يوسف قائلاً: ألا تعد هذه الأوراق نواه لمذكرات؟

نفس الأمر تحدث عنه الأستاذ الكبير صلاح منتصر بحكم عمله المباشر مع الأستاذ هيكل لسنوات طوال، حيث أوضح أن "هيكل" كان يدون فى نهاية يومه كل ما مر به من أحداث والتقاهم من أشخاص فى ذلك اليوم.

ومن جانبى أعتقد بحكم معرفتى الشخصية بالأستاذ الكبير، أن هيكل قدم لنا مذكراته بطريقة غير مباشرة، وقام بتوظيفها بنجاح فى كتب تبقى شاهداً على مرحلة تجاوزت الـ70 عاما من عمر مصر.. هيكل أكبر بكثير من أن نحصر تجربته الصحفية والسياسية فى كتاب واحد..إذ أن هذه التجربة موجودة وحاضرة فى كل ما سطره عبر آلاف الصفحات.. ويبقى كتابه الأشهر والأهم "خريف الغضب" هو أخطر وثيقة سياسية تلقى ضوءًاً ساطعاً على تفاعلات عصر السادات وتداعياتها التى استمرت بعدها ومازالت موجودة حتى الآن.

نفس الحال وربما بشكل أكثر توثيقًا قدمه هيكل فى كتابه الوثائقى: "بين الصحافة والسياسة" الصادر مطلع الثمانينيات من القرن الماضى، ويروى فيه الكثير من التفاصيل عن التشابكات التى كان طرفًا فيها كصحفى وسياسى ووزير، وتحدث بإسهاب شديد عن قرارات تأميم الصحافة، التى كتن يعارضها، وأقنع الرئيس عبد الناصر بأن يُطلق عليها وقتها "تنظيم الصحافة"، حرجًا من كلمة "التأميم"، وبداية خلافة مع الرئيس أنور السادات، ثم قضية مصطفى أمين، وجهود إقناع السادات بالإفراج عنه، وغيرها من القرارات المصيرية التى تشابكت فيها السياسة بالصحافة، وتأثرت فيها الأخيرة بالأولى.

أعتقد أن كتاب "بين الصحافة والسياسة" هو الأقرب من بين كتب الأستاذ هيكل ليقدم رؤية أوضح لمذكراته السياسية عن مرحلة تاريخية محددة، كان هو طرفًا مباشرًا فيها، ويختلف عن كثير من الكتب الأخرى التى صدرت مثل: "ملفات السويس" و"حرب الخليج .. أوهام القوة والنصر" و"أـكتوبر 73 السلاح والسياسة".

رحم الله الأستاذ الكبير محمد حسنين هيكل..

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة