أبيض وأسود
(1)
"لعل ما يجري في علاقات المجموعة البشرية منذ زمن طويل غير قابل للسيطرة شأنه شأن الجو. وقد تكون الثورات "محتمة" مثل العواصف الرعدية – وكثيرًا ما تكون مفيدة مثل عاصفة في ريف جاف".. المؤرخ والأكاديمي الأمريكي كرين برينتن في كتابه "تشريح الثورة".
تمتلك رواية "غيوم فرنسية" سحرًا خاصًا، فهي تركيبة معقدة وسرية لمؤلفتها ضحي عاصي، مثل العطور باهظة الثمن، عن مصائر المصريين في الفترة المظلمة والمربكة التي كان يَنسحب فيها الإحتلال الفرنسي من مصر، وسط فوضي عارمة، في بداية القرن التاسع عشر.. مثل الطقس يخرج كل شئ عن السيطرة، تسود حمي القتل والدم والتنكيل علي الهوية، الكل يفتك بالكل، والكل يخون الكل، الكل يطمع في الحكم من أجل حلب وامتصاص خيرات البلد، والكل يبحث عن سند من الغزاة أكانوا فرنسيين أم مماليك أم عثمانيين، والصدمة الحضارية مثل سلك كهربائي عارٍ صعق الجميع، وترك ندوبًا غائرة في علاقة المصريين بالدين والأرض والهوية.
أضعف ما في الرواية اسمها "غيوم فرنسية"، فبالنسبة لنا لا الإحتلال الفرنسي لمصر كان مجرد تراكم سحب عابرة، رغم فترته القصيرة، ولا نتائجه كانت مجرد غيوم بددتها سريعًا أشعة الشمس القوية.. العنوان المخفف الرومانسي، الذي يغازل الفرانكفونية يخاصم فداحة الغزو وما تلاه، لكن أقوي ما في الرواية شجنها مثل ناي حزين ووهج الحكي وروعة التفاصيل وجرأتها في اقتحام المسألة القبطية، دون مواربة، لنقف أمام مزيج من العواصف الرعدية التي تضرب البشر والأوطان، والعواصف الفكرية التي أطاحت بالمسلمات وأصابت الجميع بالحيرة.
(2)
*فضل الله يسأل أمه:
ماذا كان يعني رمضان عندما قال لي هذا شغل قبط؟.
*أجابته: يقصد أنك ماهر وذكي، فنحن القبط نفعل كل شئ بدقة وحرفة متقنة، حتي أن كسوة الكعبة تصنع من قماشنا "القباطي".. غيوم فرنسية ص94
وسط هذا التمييز والتنمر الذي كان يعاني منه الأقباط، ويحاولون تبريره ومداراته وإضفاء مسحة عليه ما بين السخرية المصرية وجبر الخاطر للصغار، تنسج الرواية بخيوط من حرير قصة حب استثنائية ونادرة بين فضل الله بن نخلة بن الزيات"فضل القبطي"، ومحبوبة بنت جرجس بن غزال"الفاتنة من وراء خمارها".. الحب يبدأ مثل جمرة نار ويلتهب بزواج أرثوذكسي، لكن كلاهما علي النقيض، فضل يرفض القهر والظلم الذي يتعرض له القبط، وينقم علي الصمت وقلة الحيلة، ويعتقد بأن المسيح يحب أن يعيش ابنائه أحرارًا وكرامًا، ومحبوبة الطيبة تؤمن بأن العذاب والمعاناة من المسلمين أو المماليك أو العثمانين صليبًا عليها أن تحمله كما حمله المسيح.. فضل يختار طريق التمرد بالانضمام لفيلق الجنرال يعقوب، رغم رفض محبوبة، ويقف مع الفيلق في المنطقة الضبابية المثيرة للجدل للمعلم يعقوب ما بين ظلال الثورة علي مظالم المماليك والعثمانيين، وما بين أشباح العمالة للمستعمر الفرنسي وبالتالي خيانة الوطن.. وفي اللحظة التي يعود فيها الجنود الفرنسيين بعد إنتهاء حملتهم علي مصر عام 1981، يدب الرعب في أوصال الجميع، يخيم الخوف ويرفرف الموت، وتشتعل الفوضي، وتتباين الأفعال، ويقرر مجموعة من المصريين الرحيل مع الحملة الفرنسية برفقة الجنرال يعقوب، ويختار فضل الإبحار معهم، وتتمسك محبوبة بالبقاء في الوطن.. وفي قلب البحر يموت المعلم يعقوب، ويواجه كل الراحلين معه مصائر غامضة في فرنسا التي كانت تمور بثورة تضرب جذروها وأفكارها وحياتها، وتفيض بحممها وجحيمها ومبادئها علي العالم حولها.
(3)
الأنبا يوساب الأبح مطران جرجا: هل نسيت عرض لويس الرابع عشر بتعليم ثلاثة من أبناء الأقباط علي حسابه في باريس؟. ولكن لم يقبل القبط، لم يجد الفرنسيون من كل الشعب القبطي ثلاثة أفراد يقبلون علي الرغم من الفقر والعوز، وأنت الآن تذهب لهم بقدميك، وتبيت عندهم؟. غيوم فرنسية ص 86 في مسألة الهوية الوطنية لا إلتباس لدي عموم الأقباط.. والكلام عن عنصري الأمة المصرية (أقباط ومسلمين) الرائج في أدبيات السياسة المصرية عبر القرون الثلاثة الأخيرة علي الأقل مضلل يراد منه التمييز والتفتيت وإضعاف إرادة وطن، فالأمة المصرية واحدة وفريدة.. سبيكة ذهبية خالصة دون شوائب.. تجمع الأبيض والإسود مثلما تجمع المسلم والقبطي.. وتصهر أحزان الصعيدي والنوبي في أفراح الاسكندراني والبورسعيدي.. ومن الطبيعي أن تتوحد مواقف الأمة في اللحظات التاريخية العصيبة. لم تقل ضحي عاصي ذلك لكن مواقف شخصيات روايتها البديعة وحواراتها البليغة والحكيمة تدفعك للتفكير خارج الأدبيات السياسية البليدة التي حفظناها بالمدارس ورددتها الصحافة وصدعنا بها الساسة، فموقف فقراء القبط من عرض لويس الرابع الذي عبر عنه الأنبا يوساب الأبح مطران جرجا، يقابله مواقف مشرفة لمشايخ المسلمين ليس ضد الفرنسيين فقط بل ضد المماليك والعثمانيين فالشيخ الدمنهوري يقول لزهرة:"المماليك ظلمة،الغز لا أمان لهم" (غيوم فرنسية ص218)
(4)
*يسأل فابيان فضل الله: هل أحببت فرنسا؟ وهل حقًا تعرف ما هي فرنسا حتي تحبها؟
فضل الله متلعثمًا: المساواة.. الثورة.. الجمهورية.. العدل.. الإخاء..
فابيان مستغرقًا في النظر إلي كأسه:الحلم.. لقد أحببت الحلم.الحلم الذي أحبه الكثيرون منا كل بطريقته، وحاول الدفاع عنه كل بطريقته.. ثم يسهب في الحديث عن جرائم نابليون (غيوم فرنسية ص96)
الثورات ليست أفراح شعبية ولا احتفالات صاخبة بالفنادق والمنتجعات.. يخطئ من يظن أن الثورة أي ثورة كرنفال وحزمة سعادة فلا السماء تمطر شيكولاته ولا الذهب والثراء سيشق طريقه لبيوت الفقراء.. الثورة فعل غضب، تعبير عن ضيق بالأوضاع وكفر بالسياسة والسياسيين، يقرر فيها الشعب ان يركب السيارة ويصطدم بها في الحائط أملًا في النجاة، ودون ان يدري بأنه سيعاني ولأمد طويل حتي يحقق أبسط أحلامه يساروه الفرح الذي ينقلب بعدها لإحباط وإحساس محبط بالخيبة.. هذا الدرس الصعب الذي لا مفر منه عندما تتردي الأوضاع ببلد وتتسع الفجوة بين الأغنياء والفقراء وتغلق كل مساحات التعبير وتشتد وطأة اليد الغليظة للسلطة لتبطش تعلمته كل الشعوب، وتجرعت مرارته كل البلدان التي قامت بثورات كبري من الثورة الفرنسية إلي البلشفية.. وبذكاء تمرر ضحي حكايات الثورة الفرنسية من الحانات إلي قصر فرساي إلي أحلام المصريين الاقباط الفارين من الظلم إلي رحابة فرنسا الثائرة.. ويلخص فابيان لفضل الله الأمر قائلًا:"هناك من يموت من أجل الثورة، وهناك من يموت قلبه فيقتل ويعتقل من أجل الحفاظ علي الثورة، هناك من يطالب بالعدل، وهناك من يستخدم القوة لتحقيقه، لا أحد يتنازل عن سلطته طواعية لآخر، ولا أحد يتنازل عن رغيف خبزه ليبقي جائعًا، لن يعطي السيد عبده الحرية طواعية. اتضح أن الأمور ليست بهذه المثالية يا فضل، أنا أيضًا كنت مثاليًا وحالمًا، لكن الحياة علمتني أن لكل شئ في الحياة، حتي أكثرها نبلًا، وجهًا آخر شرسًا مدمرًا".(غيوم فرنسية ص97).
(5)
في غيوم فرنسية ومن قبلها رواية القاهرة 104، مع ضحي عاصي نقف أمام روائية من الحجم الثقيل تشق طريقًا مختلفًا في الرواية، تنسج ما هو إنساني بالسياسة والتاريخ، ولا تكتفي بالحكاية كوسيلة للمتعة والتسلية، لكنها تشتبك بذكاء مع الواقع وتفككه أملًا في مستقبل أفضل.. وبالنهاية نقف أمام كتابة جديدة تستحق الاحتفاء.