رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لوجه الله:

الموت مكتوب علينا جميعا، ولن ينجو منه أحد طال عمره أو قصر، والميت أيا كان موقفنا منه فهو فى عهدة خالق كريم، عفو رحيم، يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور، وسيحاسبه على ما فعل من خير أو شر، وقد يبدو لنا عمله سيئا وهو عند الله عظيم.. ولذلك لا يجوز الحكم على شخص لقى وجه ربه الكريم، كما لا يجوز تقييم أعماله وآرائه ووضعه فى قائمة الأخيار أو الأشرار، فالله سبحانه وتعالى لا ينتقم من عبادة بتحديد شكل أو سبب موتهم، كما أنه لا يحتاج الى أن يظهر لعباده ما يكشف عن أعمال الموتى، فالحساب فى دار البقاء" يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم".

والواقع أن الذين رحلوا عن عالمنا بسبب وباء كورونا ليسوا أشر الناس كما يعتقد أو يردد هؤلاء الجهلاء الذين أعماهم الغباء والحقد، فرموا خصومهم بعد موتهم بالوباء بما يكشف عن غلهم وخستهم، فقد حصد الوباء أرواحا طاهرة بريئة فى كل دول العالم، وضاعف موتهم بكورونا من ميزان حسناتهم عند خالقهم، ومن يريد أن يعرف ميزان من مات بهذا الوباء عند الله فعليه أن يرجع الى علماء الإسلام ليستقى منهم العلم الشرعى الصحيح، ولا يفتح أذنيه لهؤلاء الذين" فى قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون".

**

تقول دار الإفتاء فى فتوى لها: "إن موت المسلم بسبب فيروس كورونا يدخل تحت أسباب الشهادة الواردة فى الشرع؛ بناءً على أن هذه الأسباب يجمعها معنى الألم لتحقق الموت بسبب خارجي، فليست هذه الأسباب مسوقة على سبيل الحصر، بل هي منبهة على ما في معناها مما قد يطرأ على الناس من أمراض فى كل عصر".

وأضافت الدار: "إن هذا المرض داخل فى عموم المعنى اللغوى لبعض الأمراض، ومشارك لبعضها في بعض الأعراض، وشامل لبعضها الآخر مع مزيد خطورة وشدة ضرر، وهو أيضًا معدود من الأوبئة التي يحكم بالشهادة على من مات من المسلمين بسببها، فمن مات به من المسلمين فهو شهيد، غير أنه تجري عليه أحكام الميت العادي؛ من تغسيلٍ، وتكفينٍ، وصلاةٍ عليه، ودفنٍ".

وأوضحت دار الإفتاء أن الشهداء على ثلاثة أقسام:

الأول: شهيد الدنيا والآخرة: الذي يقتل في قتال الحربيين أو البغاة أو قطاع الطريق، وهو المقصود من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ قاتلَ لِتَكُونَ كلِمةُ اللهِ هيَ الْعُليا فهوَ في سبيلِ اللهِ»، وتسمى هذه الشهادة: بالشهادة الحقيقية.

الثاني: شهيد الدنيا: وهو من قتل كذلك، ولكنه غلَّ في الغنيمة، أو قُتل مدبرًا، أو قاتل رياءً، ونحو ذلك؛ فهو شهيد في الظاهر وفي أحكام الدنيا.

والثالث: شهيد الآخرة، وهو من له مرتبة الشهادة وأجر الشهيد في الآخرة، لكنه لا تجري عليه أحكام شهيد الجهاد في الدنيا من تغسيله والصلاة عليه؛ وذلك كالميت بداء البطن، أو بالطاعون، أو بالغرق، ونحو ذلك، وهذه تُسمَّى بالشهادة الحكمية، وقد وسَّعت الشريعة الغراء هذا النوع؛ فعدَّدت أسباب الشهادة ونوَّعتها؛ تفضلًا من الله تعالى على الأمة المحمدية، وتسليةً للمؤمنين.. وقد استشهدت دار الافتاء في فتواها بما رواه الإمام مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا تَعُدُّونَ الشّهيدَ فِيكُم؟» قالوا: يا رسول الله من قُتِلَ في سبيل الله فهو شهيد، قال: «إن شُهَدَاءَ أمتي إذًا لَقَلِيلٌ»، قالوا: فمن هم يا رسول الله؟ قال: «مَنْ قُتِلَ فيِ سَبيلِ اللهِ فَهُو شَهِيدٌ، وَمَن مَاتَ في سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَن مَاتَ في الطَّاعُونِ فَهُو شَهِيدٌ، وَمَن مَاتَ في البَطنِ فَهُو شَهِيدٌ».

وكذلك ما رواه الإمام البخاري في "صحيحه": «الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: المَطعُونُ، والمَبطُونُ، والغَرِيقُ، وَصَاحِبُ الهَدمِ، والشهِيدُ في سَبِيلِ اللهِ».. وبناء على هذه الأحاديث فإن موت المسلم بسبب فيروس كورونا داخل في أسباب الشهادة من جهات متعددة:

الأولى: تفاقم أمره واستفحال شره وشِدَّة ألَمِه، والتي جعلها العلماء علةَ أجر الشهادة في الخِصال المنصوص عليها.

والثانية: أن مرض الكورونا داخل ضمن بعض الأمراض المنصوص عليها في أسباب الشهادة؛ كالمبطون الذي يشتكي بطنه مطلقًا، وهذا متحقق في أعراض كثير من الحالات المصابة بفيروس كورونا؛ مثل: الإسهال، والغثيان، والتقيؤ، وآلام البطن.

الثالثة: أن هناك أمراضًا جعلها الشرع سببًا في الشهادة إذا مات بها الإنسان؛ كالحمى، والسُّل، وهذا المرض شامل لأعراضهما وزائد عليهما بأعراض أخرى ومضاعفات أشد.

والرابعة: أنَّ أحاديث الشهادة إنما نصت على الأمراض التي كانت معروفة على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولم تأتِ لتخصيصها بثواب الشهادة بذاتها، بقدر ما جاءت منبهةً على ما في معناها من الأمراض التي قد تحدث في الناس جيلًا بعد جيل، وهذا المرض لم يكن معروفًا بخصوصه وقتها، لكنه مشارك في الأعراض لبعض الأمراض المسببة للشهادة.

الخامسة: أن الموت بسبب فيروس كورونا يدخل تحت اسم الطاعون؛ فإن معنى الطاعون عند كثير من المحققين وأهل اللغة: المرض والوباء العام.

وقد ساند مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف هذه الفتوى بفتوى مماثلة وقال: الموت بفيروس كورونا بشكل عام من قبيل الأمراض التى تدخل فى نطاق الشهادة واستشهد بحديث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا تَعُدُّونَ الشَّهِيدَ فِيكُمْ؟".. كما تعددت فتاوى العلماء الثقات ردا على هؤلاء الجهلاء مرضى القلوب الذين يشمتون فى موت بعض الشخصيات العامة بكورونا ويعتبرون ذلك من صور الانتقام الإلهى منهم.

**

والواقع أن الشامتين فى مصائبنا سواء أكانت عامة أو خاصة لا يقلون إجراما عن هؤلاء الارهابيين الذى استباحوا الدماء والتخريب على أرض مصر وضد شعب مصر.. فمع كل شخصية وطنية ترحل عن عالمنا تلاحقها منهم اللعنات والطعنات، ويحكمون عليها بأنها من أهل النار.. وهذا شأن الضعفاء الحمقى الذين يعجزون عن مواجهة خصومهم حال حياتهم ويتعاطون منشطات الشجاعة عند رحيلهم.

اتقوا الله لو كان فى قلوبكم ذرة إيمان وكفوا عن هذه الحماقة واتركوا الله يحاسب خلقه بأعمالهم وما تخفيه قلوبهم.

كفوا عن حماقتكم وتوقفوا عن ملاحقة الموتى بأحكام واتهامات تكشف عن ضعف نفوسكم، فلا يجوز على الميت إلا الرحمة، وهو بين يد رب عدل حكيم منصف.

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة