اثق فيما جاء على لسان، هشام توفيق، وزير قطاع الاعمال، عندما أكد ان القطن المصري سيعود لما كان عليه في عام ١٩٠٧ من حيث الجودة والمكانة.. وتلك قصة طويلة يحتاج الأجيال الجديدة ان تتعرف ولو على بعض أطرافها... فقبل هذا التاريخ بما يزيد عن نصف قرن
كانت الحرب الأهلية الأمريكية (1861 – 1865) قد تسببت في تراجع انتاج وتصدير القطن الأمريكي الذي كان يعد الأهم على مستوى العالم.. ولان لكن ازمة جوانب إيجابية فقد كانت من نتائج تلك الحرب ان انتعشت زراعة القطن في مصر وازاد انتاجه وارتفعت أسعاره بصورة تعتبر نقطة تحول رئيسية حاسمة في تاريخ زراعة القطن إذ قفزت صادرات مصر من 596 ألف قنطار في عام 1861 إلى 2507 ألف قنطار في عام 1865، ومنذ ذلك الحين توطدت زراعة القطن في مصر وبدأ اهتمام الدولة بإيجاد أصناف جديدة، سواء من الهند او روسيا وبالتالي ظهرت في مصر أصناف ذات خواص مختلفة برز منها صنف الأشموني الذي صار فيما بعد الأب الشرعي لمعظم أصناف القطن المصري.
وفى ذلك الحين لم تكن تمتلك مصر ألية لاختيار أصناف القطن التي تتناسب مع الأجواء المناخية والتربة المصرية، وبدلا من ذلك قام بمهمة انتخاب الأصناف الجديدة للقطن المصري في أواخر القرن الثامن عشر بعض الأفراد المشتغلين بالقطن من غير الملمين بالأصول العلمية للتربية، واستمر ذلك الوضع حتى إنشاء الجمعية الزراعية المصرية عام 1898.
وعندما أصبح الامر مربحا.. بدأ قسم تربية النباتات بوزارة الزراعة بعد إنشائها عام 1913 بالتعاون مع الجمعية الزراعية المصرية، بتولي تلك المهمة حيث شكل لهذا الغرض مجلس مباحث القطن في عام 1919 وبعده لجنة الأبحاث الفنية بالجيزة عام1928، وفي عام 1935 أنشئ مصنع غزل القطن لإجراء الدراسات الفنية لمساعدة المربي وقد ضم بعد ذلك إلى قسم تربية النباتات الذي ضم بدوره إلى مصلحة الزراعة عام 1950.
وفي عام 1963 أنشئت مراقبة بحوث تكنولوجيا القطن التي ضمت أربعة أقسام هي تربية القطن والمحافظة على أصناف القطن وفسيولوجيا القطن وزراعة القطن، وقد ضمت هذه المراقبة عام 1973 إلى معهد بحوث القطن التابع لمركز البحوث الزراعية، وذلك من خلال ثلاث محطات رئيسية للبحوث بالجيزة وسخا وبهتيم وعديد من المحطات الفرعية في مختلف المحافظات، وان كانت محطة بحوث الجيزة هي أهم هذه المحطات وأكبرها من حيث عدد العاملين بها، ولا يقتصر عمل هذه المحطات على تربية القطن فقط ولكن يتعداه إلى مختلف البحوث الزراعية الأخرى.
ولقد نجحت هذه الجهات في استنباط أصناف عديدة نذكر منها على سبيل المثال السكلاريدس الذي كان يعتبر لؤلؤة الأقطان المصرية في زمانه وبعده ميت عفيفي والاصيلي واليانوفتشي والعباسي والنوبارى والبليون والنهضة والفؤادى ثم المعرض طويل التيلة المستنبط من قطن البيما الذي استجلبت بذرته من الولايات المتحدة علما بأن أصل القطن البيما نفسه هو القطن ميت عفيفي المصري الذي أدخل إلى الولايات المتحدة حوالي سنة 1900 لإيجاد صنف مصري يوافق البيئة الأمريكية.
وتوالي بعد ذلك استنباط الأصناف منها الكازولي والجيزة 3 وكان الجيزة 7 أول نجاح حقيقي لوزارة الزراعة بدئ بإكثاره في عام 1930 بعد أن عثر عليه كنبات فردى في حقل مزروع بالقطن الاشموني في الفشن بمحافظة بني سويف، واليه يعزى ارتفاع مستوى غلة فدان القطن بمصر إلى خمسة قناطير لأول مرة في هذا القرن، وأمكن للعائد من إنتاجه في عام 1939 أن يعيد إلي الدولة ما صرف على البحوث القطنية منذ ابتدائها من عام 1905، وتلاه بعد ذلك صنف سخا 4 ثم الوفير وبعده الجيزة 23.
وقد كان أول صنف اقتصادي ناجح يستنبط بالتهجين الصناعي هو الكرنك طويل التيلة من تهجين بين صنفي المعرض وسخا 3 وأدرج في جداول الأصناف التجارية عام 1940.
ويتميز القطن المصري بأنه "طويل التيلة" كما أنه يتميز بالنعومة التي تؤهله للاستخدام في صناعة المنسوجات العالية الجودة، بخلاف الفصائل الأخرى من القطن المنتشرة في بقاع العالم التي تزرع القطن.
وفى الستينيات من القرن الماضي بدأت تواجه صناعة القطن المصري تحديات، إذ تم بشكل تدريجي استبدال نوعية القطن المصري الطويل التيلة بأنواع أخرى أقل جودة. بالإضافة إلى ضعف إمكانيات تصنيع المنسوجات من القطن المصري والخسائر التي تواجه شركات القطاع العام التي تقوم بصناعة منسوجات القطن المصري.
الغريب انه حتى عام ٢٠١٠ كان عدد الدول المتعاقدة على استيراد الأقطان المصرية نحو 20 دولة، واحتلت قطر المركز الأول بنسبة 38.12% من التعاقدات الإجمالية، تليها الصين بنسبة 16.74٪ ثم تركيا 15.96 %.!
أتمنى ان نرى من جديد القطن المصري وهو يعود لاحتلال عرش التميز على مستوى العالم.. ونطلق عليه مجددا.. "ذهب مصر الأبيض".
------------
استاذ بجامعة حلوان