تغدو الكتابة عنكم اليوم طازجة برائحة خبز الفجر، وكنت أظن أنه لا يزال أمامي وقت لأحزم إرادتي وأعزم همتي لأنثر عنكم نثراً .. وليت شعري، بل ليت نثري، وليت ليت لي أن ابتدع بابًا جديدًا في الكتابة لكم وعنكم.
■ ■ ■
حين تشبون، سينأى البيض عن الرحم، وسأجد متسعاً للكتابة نهارًا لا ليلاً كمن يسترق وقتاً للعمل، لكن صدقاً ستُسرق مني فرحة وجودكم وستغتال سعادتي في البعد عنكم.
..
سأفتقد شجاركم العلني حول من سيجلس بجانبي على مائدة الطعام، وسأُحرم رؤية الفرحة على وجه من انتخبته ليجاورني على ما تسمونه " كرسي الشرف " وملاحظة طأطأة رأس من تقرر إعفاؤه من هذا التمييز لإشعار آخر.
..
- سأفتقد نظرة طلقة الرصاص المكتومة لزوجي، كون أحداً لا يتنافس على القرب منه.
- سيغدو هذا المشهد الليلي ذكرى وأنتم واقفون بباب مخدعي بعيون يكتحلها رجاء أن أصحبكم لغرفتكم، ثم تعودون لمثواكم مشياً للخلف كي لا تفتقدوا رؤيتي قبيل النوم وأصواتكم الخفيضة تتوسلني: "ستأتين لغرفتنا، أليس كذلك؟ أليس كذلك؟
أرجوكِ.. أرجوكِ.. جوكِ.. جوكِ..... جوكِ""
..
- سأفتقد انهياركم حينما يسعى زوجي للوقيعة بيننا، فيعاجل بتسريب خبر موعد سفري، ولا ينسى - طيب القلب- لفت انتباهكم أنها المرة الثالثة في عام واحد التي أترككم فيها، فيحدث لكم انهيار مفجع يكاد على إثره أن يفقد أحدكم بسببه الوعي، لكنَّ شيئاً ما في صدري يطمئن لهكذا انهيار على فراقي، بل أخالني استأت يوم لاحظت خفوت طفيف في ذاك الانهيار!
■ ■ ■
- ربما سأرتاح حين تكبرون من أعباء روتينية، سيما فض الاشتباكات والبت في المنازعات والمذاكرة، لكني - أبداً - لست مؤهلة لإلغائكم من جدولي اليومي، أو ضياع قصص أحداثكم اليومية المفصلة عقب العودة من المدرسة، أو حتى تناوبنا على سرد حكايات ما قبل النوم، وأعجز عن وصف ما شعرت به حينما قامت صغيرتي " ب ب كرمة " بسرد قصة الكاهن "برصيصا " بنبرة صوتها الكرتونية المحببة لقلبي، ثم تبعتها أختها الكبرى فحكت قصة سالومي" ويوحنا المعمدان و" استر"، تلك التي اقترفت أشياء "عيب عيب عاب عاااب" كي تحظى برأس "يوحنا " على طبق من فِضة حينما رفض مباركة زواج أمها من الملك.
لكم أستعذب قاموسكم الحافل بالمجاملات:
أنتِ أحلى ما خلق الربَ!
نعشقكِ حد الجنون!
سأصنع لكِ قدحًا من الشاي .. من تحت عيوني!
- أسألكم برب السماوات السبع والأرضين الترفق بذاكرة أمكم، فهي توشك على الإنفجار من فرط الزخم الذي تضخونه لحظيّاً.
فكيف لي أن أنسى حادثة ضياع ريالاتي الخمسة، يوم مكثت أبحث عن ضالتي الزهيدة، وانهمكت ابنتي معي بحثاً ثم صرخت: وجدتها؟
تهللت فرحاً، ثم ما لبثت أن داهمني خاطر تأكدت منه لاحقاً
فقد فتحت صغيرتي حصالتها ووهبتني من مدخراتها القليلة لأغلق صفحة همي على الشلنات الضالة.
لم تشأ منحي المال عوضاً؛ ليقينها بعدم حزني على النقد بقدر ضيقي من فكرة تكرار الضياع، فآثرت إدخال السرور بعودة المفقود .. لا بمنح الموجود.
■ ■ ■
- لكم أُحرج حين تقللون من طلباتكم، وأندهش لرؤيتكم تمعنون النظر في ورقة السعر (التاج) لإنتقاء الأرخص خشية إرهاقي ماديّاً!
وأذكر يوم طلبت ابنتي من والدها حقيبة مدرسية بعدما تمزقت حقيبتها القديمة فوافق، لكنه نسي لإنشغاله الشديد، فصاحبتها لأحد المجمعات التجارية ودعوتها لشراء ما تشاء.
قالت: انتظري قليلاً، لقد وعد بشرائها، ولديه مال أكثر منك، فلِمَ أُقلل قليلك؟
..
لقد أكدت لي "دانا" أنها تعي أني لست معدمة، لكنها تجد أن الأصوب أن تنتقص من كثيره، لا أن تزيد من نقصي؛ ما اضطرني للذهاب بها لأقرب ماكينة صراف آلي لأثبت لها أن أمها لديها ما تعطيه لأبنائها، لكنها صممت على الصبر حتى يشتري لها والدها احتياجاتها.
■ ■ ■
- لكم أود أن تزورونا في الكبر للإستمتاع، لا للإنصياع لإملاءآت الواجب في المناسبات والأعياد أو في شدة المرض.
- ثم إني أطمح أن تكون جلستنا سويّاً ساعتئذ بطعم الحلوى، لا بنكهة الهيل (الحبهان) الذي نعتصره لاستغلال أطايب عصارته لتنكيه الطهو ثم ننتشله من القدور ملقين به في المهملات قبيل تقديمه للضيوف لعدم لياقته.
- أرجو من الله أن تعودوني كحديقة تمرحون فيها، لا كسجل ضريبي تسددون فيه مديونيتكم للتخلص من وخز الضمير أو رفع العتب أمام الناس.
- لكم أتمنى أن تستعذبوا حديثي، طربكم للموسيقى، أو استمتاعكم بالدردشة مع زملاء الدراسة والعمل، أو حتى المجاهيل على وسائل التواصل الاجتماعي، لا كما تستمعون لواعظ حكومي رتيب يلقي موعظة مضجرةومعدة سلفاً!
- ربما تذمرت قليلاً أو كثيراً كنوع من التشبه بالعادات المجتمعية، فغابة محيطي يتذمرون من أبنائه، أو لربما اقتبست مشاعر الآخرين المتأففين من سلوكيات أبنائهم ..أعترف أني فعلت، رغم كوني صدقًا أجدكم متعة المتع.
■ ■ ■
..الترجل للرحيل ..
-أعلم أني كُثر ما ضقت لصعوبة اختلائي بنفسي دون سماع طرق على الباب
:أين فرشاتي؟ أين ميرولي؟ أين حذائي؟ وسائر محتويات القائمة الأينية!
فعادة ما يطوف الأبناء حول أمهاتهم طواف الحجيج حول الكعبة متعلقين بأستارها، وبقدر تذمري من هذا التعلق، إلا أني بتُّ أحتاجه، سيما كلما تفحصت أقدامكم ليلاً وأنتم نيام فوجدت قياساتها تكبر، منذرة بقرب موعد الترجل للرحيل.
لكم وددت مناشدة تلكم الأقدام أن عودي صغيرة كما كنتِ، وتعلقي بأستاري وبأذيال عباءتي كما عهدتك، ولأعاهدك أني سأكف عن التذمر وسأقول لمولاي
: ربي ارجعون لعلي أعمل صالحاً مع أبنائي قبل رحيلهم عني!
فأنا لم أشعر يوماً أني محبوبة بهذا القدر وبهذه الطريقة المندفعة، النزقة من أحدٍ سواكم.
ولكم أعشق هذا النزق والطيش في مشاعركم التي ألمس أنها لا تفتقد رونق جدتها الدائم، كما ولا تأفل بقدمها!
■ ■ ■
أمَّا ما يعتمر قلبي تجاهكم، فلا يمكن عنونته بمشاعر، فالأخيرة ليست إلا تمظهرات للحب، أما ما وضع في أحشائي تجاهكم فهو غرز إلهي ألقي في سويداء الأمهات ليدفعنا لعمل تعديلات يومية على سلوكاتنا لأجل صالحكم.
وسينمو هذا الغرس وسيثمر لأني سأظل أحبكم سواء
أحسنتم أم أسأتم
أثبتم أم أذنبتم
نجحتم أم فشلتم
ثقتي في قدراتكم عقيدة أؤمن بها
-أعلم أن أخطاءكم ستلد صوابات كما علمنا المفكر عدنان ابراهيم، ولتتأكدوا أن أفدح المكتسبات ثمناً هي التي تأتينا مجاناً، ولا أثمن من الخطأ وليد التجربة الذاتية والخسائر الجمة كما ورد عن المفكر ذاته.
لذا، يكفيني أن نتفق سويّاً على الوجهة التي نقبل عليها وهي وجه الله، حتى لو اختلفت مساراتكم أو تشتت دروبكم قليلاً أو كثيراً.
- فالذي يعنيني بنهاية المطاف هو الوصول لجادة الحق، ولن أفرض عليكم سكة حديد بعينها أو مسارات محددة سلفاً، ولا أرتضي لكم أن تصلوا بأمان، لكن مكبلين بأغلال التحطيم والإنقياد لفكري أو لفكر سواي.
وليقر في وجدانكم أن العقل لم يكن يوماً زينة، فلا تعطلوه أو تتعاطوا معه كأحد إكسسوارات الحياة تلبسونها شهراً وتقرضونها لآخرين يستخدمونها عنكم دهراً.
■ ■ ■
- لقد أذنبت أنا أكثر مما أخطأتم أنتم، لذا، فسأتعلق بظرف الإستدراك للكف عن التذمر كلما حدتم عن السطر، فلا أريدكم آلة ميكانيكة تُفَعِّل المسار الذي اتسق على تسميته حرفيّاً بالإستقامة.
-ثقوا أني لن أكون أكثر فخراً بكم لو بتم أكثر وداعة وانقيادية ولو محملين بمناصب ولن أطالبكم بمثالية لم أصل يوماً لعتباتها.
عن نفسي، لا أرى المرء المستقيم هو من لا يخطئ، لكنه من يؤوب لأزقة الحق مهما أفحش. ولتعلموا أنكم أعلى من سلوككم إن حزتم إرادة التغيير وعزيمة التطوير كما ورد عن د عدنان
ولا تنسوا أن أنين المستغفرين أحب إلى الله من تسبيح المرائين، كما ورد في الحديث القدسي.. فأي عمل صغير حقيقي أفعل وأفضل من الجهاد اللفظي.
- كلي يقين أنكم لا زلتم تذكرون يوم تخلصنا - من فورنا - من هدية ثمينة أهدتها لنا إحداهن لنبرة كِبر في صوتها تعاليًا بعطائها، فلم نحتمل أن نترك في بيتنا ذكرى من شخص آلَمَنَا بالمنّ، فالله أغنى الأغنياء عن قرابين المَنّ .. فلا تغتروا بحسناتكم ولا تيأسوا من ذنوبكم.
- عدوني أن تضيفوا نافعًا للكون ولو بأخلاقكم. وليتكم تعمقون وعيكم بذواتكم ولا تسطحون التعرف على أنفسكم.
وتأكدوا أن الخطأ حق إنساني والإصلاح واجب بشري، مهما تظاهرت قوى المجتمع لقمعكم باسم المقدس، العيب أو الأصول.
- خبطة اقدامكمعلى القلب هدارة.. أنتم الاغلى ولكم الصدارة.. ومع هذا اعتذر عن تلاعبي بمشاعركم الغرة صغار..
أتذكرون؟
أتذكرونيوم هددت بالرحيل وخرجت مغاضية فاتصلتم بي
: أين أنت أمي؟
:إني راحلة
:عودي أمي
:لا، لن أعود بل سأذهب للمجمع، فقد سمعت عن عروض تجارية بمحل "بي بي شوب " إنهم يبيعون أطفالا شقر، ودعين ولطفاء ويتمتعونبعيون زرقاء ولا يعذبون أمهاتهم، كما أنني لو اشتريت طفلين، فسأحصل على الثالث مجاناً.
: لاااااااااااااااااا، لااااااااااااا أمي، أرجوكي عودي ودعك من فكرة شراء أطفال جدد، ونعدك بأن نرتب الأسرة لن نمشي حفاة بالبيت وسنلتزم بالنوم بكير وأبداً لن نتشاجر ثانية .. عودي وستجدي بالدار أبناء شقر.
عدت لأجد احدى بناتي وقد صبغت وجهها بالمساحيق وارتدت شعر مستعار لتحصل على طلة شقراء وكان ذاك اليوم بمثابة موعد اكتشاف ابنتي لموهبتها في رسم الشخصيات بادوات الزينة والتصوير.
مضت سنوات وشب الأبناء، وغضبت ثانية وهددت ثانية بالرحيل والتفكير فيإنجاب أطفال شقر من ذويالعيون الزرقاء من دكان الاطفال"ماذر كير" لترد ابنتي
: وكيف لك بأبناء شقر وأنت نفسك لست بشقراء كما أن عيناك بلون الكستناء؟!
صدمت لكني لم اتعلم الدرس وعدت الكرة بعدها بسنوات حيث خرجت غضبانة فاتصلوا بي، وعاودت التهديدات ذاتهالكن تلك المرة اخبرتهم أني بصدد شراء أطفال سمر لهم ابتسامة ساحرة وأخلاقهم عالية ويحترمون أمهاتهم.
فردت الأصغر: لو لم تعودي للبيت خلال ساعة من الآن فساذهب في الغد لمحكمة الأسرة و سارفع دعوى ضدك بإزدراء الأطفال وسأشتكي من معاملتك القاسية معنا
: أوستكذبين؟ أوعاملتك يوماً بقسوة؟
: وهل هناك قسوة أشد من تركك لأبنائك!
:ولكني كنت أمزج فحسب .. فحين أتواجد بالبيت تهجروني لهواتفكم
:أعلم أمي .. و لكن البيت لا يحتمل بدونك.
■ ■ ■
عصارة قولي إني قد استوطنت قلوبكم وطلبت حق اللجوء الإنساني وسعدت يوم منحتموني جواز قلوبكم، فلا تسحبوا مني أو من والدكم العظيم أبداً هذا الجواز، ولا تهددوا بالإبعاد، النفي أوالإقصاء ، فلا شيء يضاهي شرف بنوتكم سوى نسبنا لنفحة ربانية في أرواحنا.
بقلم: أمكم
دالية الحديدي