معا للمستقبل
بات ضرورياً تطهير أجهزة الدولة وهيئاتها ومصالحها المختلفة من فلول الإخوان وأعوانهم..وكفانا تعطيلاً لمصالح البلاد والعباد، وكفاناً تهييجاً لمشاعر السخط الشعبي مع كل قرار أو مشروع جديد حتى ولو كان هدفه الصالح العام.. لكن ما يحدث أن يجري تصويرالأمر من جانب هؤلاء وغيرهم وكأنه بلاء وكرب أريد به سحق المواطن كما حدث مع قانون التصالح في مخالفات البناء والتعدي على الأرض الزراعية الذي ما إن صدر حتى هاجت الكتائب الإلكترونية وأذرع الإخوان لتهييج المشاعر وبث الذعر والغضب في نفوس الشعب وتصويره على غير الحقيقة بأنه خراب وظلم وكارثة سوف تحل بالمواطن وتصدير صورة شديدة السوداوية بأن الحكومة تهدم البيوت على رأس ساكنيها ولا يتورع هؤلاء الأفاكون عن الكذب البواح والتلفيق الفاجر كما فعلت الجزيرة -ويا للعار- ببث فيديوهات لهدم بيوت في غزة مدعية أنها تحدث في مصر دون رادع من ضمير أو أخلاق أو ميثاق شرف إعلامي..وليست تلك هي المرة الأولى لتلك القناة المأجورة وأخواتها في تركيا ولندن.
بل دأبت الأذرع الإعلامية الإخوانية على استخدام الشائعات والأخبار المغلوطة حول قانون التصالح للنيل من استقرار مصر التي يكيدهم أن تتقدم خطوات للأمام ..لكن الحكومة نجحت بالرد الفوري في التصدي لسيل الشائعات والألاعيب الشيطانية التي يحيكها الإخوان، ومن لف لفهم لتأليب المواطن ضد حكومته وجيشه وشرطته.
فعلت الحكومة ذلك سيراً على نهج الإسلام الذي أرسى من قديم الزمان قاعدة ذهبية عظيمة مفادها التكذيب الفوري للشائعة اعتماداً على سوء الظن بمصدرها وفي ذلك ما فيه من الفطنة والتفاعل السريع مع الحدث وتفنيد الأكاذيب ومكافحة الشائعات وإبطال مفعولها في مهدها قبل أن تستشري كالنار في الهشيم محدثة بلبلة وفتنة لا تحمد عقباها.
صحيح أن الإسلام أمرنا بالتثبت والتحقق من الأخبار وخصوصاً إذا جاءتنا من فاسق وما أكثرهم في فضائيات الزيف والخداع لكن إذا تعلق الأمر بعدو ظاهر العداوة فلا مجال هنا لحسن الظن فيه وإنما رفض هذه الشائعة عقلاً وتصوراً فلا مجال للتحقق من شائعات أريد بها الحرب النفسية ونشر الإحباط والحض على الكراهية ..فإذا ما تركنا الأمر للتثبت تكون الشائعة قد فعلت فعلها في النفوس وأتت بثمارها الخبيثة بتأليب المواطنين على حكومتهم ولعل أبرز مثال على ذلك ما أشيع يوم أحد من قتل النبي الكريم فقد كان سماع بعض المسلمين للخبر المكذوب وتصديقهم له أو توقف البعض الآخر للتحقق منه كارثة حقيقية وجد فيها العدو فرصة لتفريق شمل المسلمين والنيل من نبيهم صلى الله عليه وسلم وكان ما كان من الدروس والنتائج غير المحمودة؛ ومثل هذه الشائعة لا تكافح بالمنهج التحققي؛ فالمسألة هنا مرهونة بالوقت، والعدو الذي أطلق الشائعة لا يهمه مصداقيته عند من يتلقونها طالما تحقق هدفه منها.
ولا أظن أن واقعة بث الجزيرة لفيديو يصور هدم البيوت في غزة من جانب قوات الاحتلال، والادعاء بأنها حدثت في مصر ثم تلقفتها جماعة الإخوان وأذرعها الإعلامية ولجانها الإلكترونية وقامت بتهويلها ونفخ النار فيها..لا أظنها الواقعة الأولى ولن تكون الأخيرة ..فكل يوم يجري توظيف وقائع مشابهة كذباً وبهتاناً لتهييج الناس وزيادة الفجوة بينهم وبين حكومتهم ..وليس ذلك غريباً على الإخوان وأتباعهم الذين برعوا في الخيانة والتآمر على الأنظمة كافة.
الإخوان قدموا أنفسهم للناس في البداية على أنهم جماعة دينية دعوية هدفها نشر مباديء الإسلام ثم سرعان ما انحرف بها مؤسسها - باعترافه هو نفسه بعد سنوات- إلى السياسة وطلب السلطة ومغانمها..لكن الأدهى والأمرّ أن تظهر الجماعة حرصها على استقلال الوطن وتحريره من نير الاستعمار ثم ترتضي لنفسها أن تكون أداة طيعة لخدمة أهداف الإنجليز تارة، والأمريكان تارة أخرى بل إنها حاولت خداع الأنظمة الحاكمة في مصر من لدن عبدالناصر بادعاء أنها "سلمية" ثم ما لبثت أن أنشأت في الخفاء تنظيماً سرياً مسلحاً اختص بأعمال العنف والاغتيال السياسي، ولم تتورع عن ارتداء قناع الديمقراطية بعد أحداث يناير 2011 ثم تخلت عنها وتخلصت منها فور الوصول لسدة الحكم، ناهيك عن براعتها في استخدام الشعارات الزائفة للتضليل والتدليس والخداع السياسي والرشاوي الانتخابية والاستقواء بمجموعات العنف.
المدهش أن الأنظمة السابقة كانت على علم بألاعيب جماعة الإخوان وخطورتها لكنها للأسف تراخت في اجتثاث جذورها حتى وقعت في فخاخها وحبائلها ، حتى أن الجماعة ظلت تلعب في مجال السياسة تحت سمع وبصر الأنظمة المتعاقبة إلى أن أعلنت حربا شرسة على الدولة فور عزل مرسي، وتحالفت مع أشد التنظيمات الإرهابية عنفاً، وهي تنظيمات ولدت كلها من رحم جماعة الإخوان التي لفظها الشعب المصري وخرج بالملايين رافضا حكمها، ثم انحاز الجيش والشرطة للإرادة الشعبية في مواجهة حاسمة أسفرت عن إزاحة جماعة مارقة لن تقوم لنا قائمة مادامت تلعب مثل ذلك الدور.
وهنا يلح على ذهني سؤال: لماذا كره الإخوان الشيخ الشعراوي رحمه الله.. وقد وجدت إجابته في كتاب صدر في عام 1995عن دار أخبار اليوم أي قبل وفاة الشيخ بنحو أربع سنوات بعنوان " الشعراوي الذي لا نعرفه" ..الكتاب يحظى محتواه بمصداقية لأنه صدر في حياة إمام الدعاة الذي بدأ حياته وفدياً ، ثم انضم إلى الإخوان وكتب- بحسب الكتاب- أول منشور للجماعة و قد حظي بثناء الشيخ الباقوري الذي اعتمد توزيعه على أعضاء التنظيم وعلى الناس في ذلك الوقت..المدهش أن الشعراوي قرر فجأة الانشقاق عن الإخوان في العام 1938على خلفية عتاب غاضب واجه به حسن البنا مؤسس الجماعة الشيخ الشعراوي لمشاركة الأخير في احتفالية نظمها الوفد وألقي فيها قصيدة ممتدحاً النحاس باشا..وفي جلسة جمعت الشعراوي والبنا ومجموعة مصطفاة من التنظيم سمع الشيخ بأذنيه سبب غضبهم منه وهو ما صدمه وجعله يدرك عن تجربة أن الإخوان لا يغضبون لله ولا للوطن بل للجماعة والتنظيم الذي جاهر أحد منتسبيه بأنهم يكرهون النحاس باشا لا لشيء إلا لأنه زعيم الأغلبية التي تنافسهم على الجماهيرية والشعبية. أما غيره من الزعماء وسائر الأحزاب –والكلام لأحد أعضاء التنظيم- فإننا نبصق عليهم جميعاً فتنطفيء وتنتهي..وهكذا تلقي الشعراوي صدمة قرر على إثرها أن يتطهر من هذه الجماعة ثم قال معلقاً: " عرفت ليلتها النوايا، وأن المسألة ليست مسألة دعوة وجماعة دينية وإنما هي سياسة وأقلية وأغلبية وطموح للحكم.
الشعراوي يمضي سارداً كيف تحولت الجماعة لمراكز قوى حتى ضد البنا نفسه، وكيف أنه شاهد بأم عينيه عبدالرحمن السندي قائد الجناح العسكري في التنظيم ومسئول الاغتيالات في مصر وهو يدفع البنا بيديه حتى كاد يطرحه أرضاً لولا أن تساند على من يقفون حوله.
كراهية الإخوان للشعراوي ظلت متوغلة في ضمائرهم العدوانية طوال سنوات السجون والمعتقلات لإهانته والتشهير به والإساءة إليه؛ ذلك أنه كشف عن حقيقتهم التي لا تخفى؛ وأنهم لا عهد لهم ولا ذمة، ولا يعرفون للوطن معنى ولا حدوداً، ولا حرمة.. اللهم إلا الانتماء العابر للحدود والقارات، فهم يكفرون بالمواطنة ويتملقون الديمقراطية ويتخذونها سلماً للوصول إلى السلطة حتى إذا ما ظفروا بها بادروا من فورهم للتخلص منها ومن الداعين إليها والمؤمنين بها كما رأينا في عامهم الذي حكموا فيه مصر؛ فهم لا يعرفون لغة غير الهدم والتدمير وإهالة التراب على كل ما له قيمة أو معنى.
لم يتورع الإخوان عن اقتراف هذا السلوك حتى مع الشيخ الشعراوي ذلك الغائب الحاضر في وجدان الناس وضمائرهم ولا سيما هؤلاء المتدينون المؤمنون بالوسطية، الكارهون للمغالاة والشطط والغلو والمتاجرة بالدين والتطرف الذي يفضي حتماً إلى التكفير والإرهاب الذي يعتنقه الدواعش والقاعديون وغيرهم ممن ملأوا الدنيا عنفاً ودماً وقبحاً.
ولا يماري أحد في مكانة إمام الدعاة ووسطيته مضرب الأمثال، ناهيك عن اعتداله وسعة فهمه وعمق اجتهاداته وجودتها، وهو ما جعله ملاذاً تعلقت به أفئدة الشعب واتجهت إليه ذائقة الناس ، وسارعت إليه وسائل الإعلام تذيع طائفة من أقواله الجامعة خصوصاً بعد فض اعتصامي رابعة والنهضة وما تبعهما من موجة هائلة من العنف والتخريب ..وجاءت كلمات إمام الدعاة برداً وسلاماً على المصريين استعادوا بها روح الدين الحق واستكانوا إلى تفسيراته واعتزازه بمصريته ؛ إذ يرد على من يرمون مصر بالكفر قائلاً : من يقول عن مصر إنها أمة كافرة فمن المسلمون ..من المؤمنن ..ستظل مصر رغم أنف كل حاقد هنا وخارج هنا ..مصر الكنانة ..مصر التي قال عنها رسول الله "أهلها في رباط إلى يوم الدين"..ولا عجب والحال هكذا أن يكون الشعراوي أمة وحده بما قدمه من تجديد للفكر الديني وليس مجرد تجديد للخطاب الدعوي.
وتبقى الشائعات أخطر أدوات الحروب النفسية لاسيما حروب الجيلين الرابع والخامس..وتزداد خطورتها إذا ما تركت ترعى في عقول الناس ونفوسهم دون تفنيدها بحقائق دامغة لإبطال مفعولها الذي إن تمكن من المجتمع أي مجتمع نال من تماسكه وتلاحم أبنائه وسلامهم الاجتماعي ومن ثم توعد القرآن مروجي الشائعات بعذاب أليم قال تعالى: " إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة".
ما تطلقه جماعة الإخوان من شائعات هو سلاح المرجفين وبضاعة المفلسين وسلوك المنافقين الذين طعنوا في دين الله ودأبوا على تمزيق الصف المسلم وإضعافه حتى في زمن الرسالة، بل إنهم أشاعوا حادثة الإفك وطعنوا في السيدة عائشة زوج رسول الله التي برأها الله من فوق سبع سماوات في قرآن يتلى إلى يوم القيامة " إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امريء منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب أليم"(النور:11).
إنها الحرب النفسية التي يشنها الأشرار هنا وهناك مستخدمين الشائعات والفبركات والأكاذيب للوقيعة بين أبناء الوطن الواحد وهز استقرار البلاد واستهداف أركانها ..فلا تصدقوهم وواجهوهم وافضحوا كذبهم ومخططاتهم الرامية إلى التدمير والتخريب..فهل وجدتم دولة قامت لها قائمة بعد تخريبها وهدم أركانها ..الدول التي تنهدم لا تعود..قانون التصالح جاء لصالح المخالفين وتقنين هذه المخالفات بصفة استثنائية ووضع حد لفوضى العشوائيات والفساد والتشوه المعماري والتهام الرقعة.. وحسناً فعل الرئيس بخفض قيمة التصالح في الريف والقرى وقطع الطريق على المزايدين والمحرضين ..فلا تسمعوا لأراجيف ودعاوى من لا يريدون لمصر ولا لأهلها خيراً ولا تقدماً..فاغتنموا الفرصة وحافظوا على بلدكم من المتربصين والفاسدين.