أمس وبعد توقيع اتفاق تطبيع العلاقات بين إسرائيل ودولتي الامارات العربية ومملكة البحرين برعاية الولايات المتحدة الامريكية، دخلت منطقة الشرق الأوسط مرحلة جيدة تماما، خاصة ان التطبيع هذه المرة جاء بشكل رسمي لأول مرة منذ بدء الصراع العربي الإسرائيلي، مع دول خليجية التي كانت دائما تنأى بنفسها عن أي تعامل مباشر مع إسرائيل.
ولكن يبدو ان الحقائق على الأرض جعل الجميع يدرك، ان المرحلة الماضية بما فيها من خطاب سياسي وإعلامي وقناعات ومرتكزات لم تحقق ولو إيجابية واحدة سواء لصالح قضية العرب الأولى، او حتى للوصول الى تهدئة او حل يمكن ان يقنع الأطراف بأن هناك شيء ما قد تحقق على الأرض.
ان موازين القوى بين طرفي الصراع الأصليين (الفلسطينيين والإسرائيليين) في القضية محسوم تماما لصالح طرف واحد فقط وهو إسرائيل.. والتاريخ اثبت ان أي مقاومة مهما كانت لا يمكن ان تحرر ارضا ولكنها يمكن ان تسبب ازعاجا للطرف المحتل.. وهذا اقصى ما يمكن ان تقدمه.
اسرائيل، ومنذ البداية كانت تعي أهدافها تمام وما تريد ان تصل اليه.. صحيح كان هناك مساعدات خارجية كبيرة، ولكن بدون إصرار على الوصول الى الهدف لن تجدى تلك المساعدات في شيء.
اول تلك الحقائق، ان إسرائيل لم تعد تلك الدولة المزعومة التي كنا نتحدث عنها، بل أصبحت بحكم الجغرافيا وجزء من التاريخ وبمقتضيات السياسة الدولية، وأكثر من ذلك باتت تمتلك حزمة من الأدوات والوسائل التكنولوجية المتطورة (بعيدا عن القوة العسكرية)، يجعل من التعاون معها ميزة وافضلية. على الجانب الاخر، لم يمتلك الفلسطينيون، أي رؤية تستند الى الواقع، واستعانوا بالتمنيات المدعومة بالشعارات كبديل عن وضع هدف يمكن الوصول اليه وتحقيقه.. حتى انهم لم يستغلوا ما قدمه لهم الطرف العربي من مساعدات يصعب حصرها، بل ان تلك المساعدات خاصة المالية تسببت في العديد من الانشقاقات والانقسامات بين فصائل المقاومة.
العبارة الحقيقية التي تم اطلاقها على الصراع العربي الإسرائيلي، هي قضية "الفرص الضائعة".. مجرد نظرة بسيطة على التاريخ نجد ان الفلسطينيين دائما ما يأتون متأخرين بسنوات.. عند صدور قرار التقسيم سنة ١٩٤٧، رفض العرب والفلسطينيين القرار، وطالبوا بكل ارض فلسطين.. وحدثت حرب عام ١٩٤٨، ووقعت النكبة واحتلت إسرائيل أكثر من ٦٠٪ من الأراضي الفلسطينية، زاد الإصرار العربي الفلسطيني على إزاحة إسرائيل تماما، ثم جاءت نكسة ١٩٦٧، واحتلت إسرائيل القدس العربية وكل الضفة الغربية وقطاع غزة وشبه جزيرة سيناء وبالإضافة الجولان، بعدها شعر الجميع ان الأمور ليست نزهة وبدآ التراجع ووافق الفلسطينيين أخيرا على قرار التقسيم، ولكن كانت كثير من المياه قد جرت من تحت الجسور.. وأصبح هذا الاختيار غير موجود بالمرة او بمعنى ادق لا يوجد ما يجبر الطرف الأقوى على القبول به.
ومع ذلك وبعد نصر أكتوبر، دعا الرئيس السادات الفلسطينيين الى الجلوس الى طاولة المفاوضات مع الإسرائيليين في مينا هاوس، ورفضوا كالعادة بحجة ان إسرائيل كيان لا وجود له!!
وضاعت فرصة أخرى.. وهكذا ظل الحال حتى مع بداية التسعينيات عندما عقد مؤتمر مدريد، وفى كل مرة كان الخسائر تتزايد والآمال في الحصول على الحق يتراجع او على الآقل يتضاءل، حتى أصبحنا امام حقيقة واحدة فقط هي تحقيق (السلام مقابل السلام) وتلاشت تقريبا فكرة الإسلام مقابل الأرض.
بالتأكيد ليست هذه نظرة تشاؤمية، ولكنها دعوة للتعامل بواقعية مع الحقائق على الأرض، وضرورة احداث تغيير في المفاهيم والثقافة التي تربت عليها أجيال سابقة، ووضع تصورات واهداف حقيقية يمكن الوصول اليها تتناسب مع إمكانيات كل الطرف بعيدا عن الشعارات الرنانة التي افقدتنا هيبتنا وتاريخنا وقبل هذا وذاك حقنا.. المرحلة الجديدة تحتاج الى وعى وقدرة على التعامل مع مستجداتها لأنها ربما ستكون مستغربة على بعض الأطراف.
--------------------------
أستاذ بجامعة عين شمس