معاً للمستقبل
في عام واحد قفزت مصر 9 مراكز في تصنيف "يو. إس نيوز" الأمريكي لجودة التعليم لتنتقل من المركز الحادي والخمسين في 2019 إلى الثاني والأربعين في 2020 ..كما حلت في المركز الثالث عربياً ضمن أفضل 80دولة على مستوى العالم..هذا التحسن في مؤشرات الجودة التعليمية لم يولد في فراغ بل جاء نتاج جهود مضنية بذلتها الحكومة تنفيذاً لرؤية الرئيس السيسي الذي جعل التعليم أولوية قصوى في جدول أعماله منذ تولى الرئاسة .
الحكومة أدركت خطورة ملف التعليم فاتخذت إجراءات إصلاحية للمنظومة بكاملها بحسبان التعليم والصحة والسكان وزيادة الإنتاجية وتنمية البشر ركائز لا غنى عنها لأي نهضة..وهي المنظومة التي يقوم على أمرها وزير التربية والتعليم د.طارق شوقي ووزير التعليم العالي د.خالد عبدالغفار، وهما يملكان رؤية واعية بمتطلبات هذا الإصلاح ومقوماته وضروراته بصورة متدرجة ومنتظمة لجعل التغيير قضية قابلة للحياة والتطور والاستجابة من أطراف العملية التعليمية كافة..ويبقى الأهم أن تدرك المستويات الأدنى في تلك المنظومة فلسفة هذه الرؤية وأن تؤمن بحتمية الإصلاح وألا تنظر إليه بحسبانه عبئاً لا طائل منه ولا فائدة تعود عليهم من ورائه حتى تتلاشى العقبات والمعوقات.
ما من شك أن العبرة دائماً في حسن الاستهلال أو ضربة البداية كما يقولون ؛ وكلما كانت البدايات صائبة والمقدمات صحيحة كان النجاح حليفاً لسائر الخطوات..والإقناع والقبول والحافز شرط لقبول القائمين على التعليم والصحة تحمل أعباء الإصلاح المنشود بهمة ونشاط؛ فلا توجد دولة تقدمت إلا عبر بوابة التعليم الناجح والصحة العفية وتنمية البشر قبل الحجر، ولنا في اليابان النموذج الأبرز في بناء نهضة مرموقة بعقول البشر وجهودهم رغم شح الطبيعة بالموارد بل وثورتها الدائمة بالزلازل العاصفة..ولنا أيضاً في تجارب دول مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة وهونج كونج وماليزيا وأندونيسيا نماذج فذة يمكن استلهامها في مصر التي تمتلك الآن خريطة واضحة لأجندة تحسين التعليم والصحة يتوازى معها رؤية الوزراء المعنيين بهما وحماسهم لتجاوز عقبات البيروقراطية المصرية الكئود وتحقيق النجاح المطلوب في ظل حماس القيادة السياسية ورؤيتها النافذة للنهضة والتطور والمستقبل الواعد لمصر.
إصلاح التعليم ملف من الأهمية والصعوبة بمكان لأنه يشتبك مع ثقافة راسخة تكونت عبر عقود بحيث لا تستطيع الحكومة- أي حكومة- أن تنجح في تغييرها بمفردها مهما أوتيت من إمكانيات ما لم تتوفر لها إرادة مجتمعية تمد يد العون للدكتور طارق شوقي في معركته مع فوضى وعشوائية مفرطة وازدواجية ممقومة لا تجدها إلا هنا؛ من مدارس خاصة وحكومية وقومية ولغات وأجنبية ودولية ومافيا دروس خصوصية وكتب خارجية ولن تتحقق نهضة التعليم إلا إذا خلصناه من الطريقة التقليدية العقيمة في الحفظ والاستظهار وأطلقناه على طريق بناء القدرات والملكات النقدية عبر الفهم والتحليل والبحث دون قيود..وقبل هذا وذاك جعل التعليم شيئاً محبباً لنفوس الطلاب ومحفزاً لهممهم، يتشوقون إليه ويسعون إلى قاعاته وفصوله ومدرجاته ومعامله بدافع من داخلهم.
يحدونا الأمل أن نجد في مصر قريباً نظاماً تعليمياً موحداً مبنياً على الأدوات الإلكترونية لا غش فيه ولا ازدواجية ولا دروس خصوصية، نظاماً يصنع البهجة على وجوه الطلاب ويغرس في قلوبهم المحبة للمدرسة وللمعلم وللمنهج وللوطن.. ويحقق لهم متعة تمسح عنهم عناء التحصيل الدراسي لا أن يكون عقاباً يحملهم من حقائب الكتب المدرسية ما لا يطيقون ومن المعلومات ما تضج به عقولهم ومن الحشو ما تضيق به صدورهم وذاكرتهم.
نريد أن نرى تعليماً فنياً واعياً بحركة الحياة والمجتمع، مستوفياً لمتطلبات المنافسة العالمية في سوق العمل والتصنيع ..تعليما فنياً يحترمه الجميع ويتسابق إليه الطلاب، ويعبر عن رؤية حقيقية للإصلاح واستيعاب روح العصر ومستجداته..نريد تعليماً جامعياً لا ينخرط فيه إلا ذوو الملكات والقدرة على إحداث التغيير المنشود وقيادة المستقبل.
البشر هم حجر الزاوية في أي إصلاح، ينطبق ذلك على التعليم والصحة كما ينطبق على الاقتصاد، فالعقول البشرية هي التي تتولى عملية الإصلاح من مبتداها لمنتهاها، ومن ثم فلا مفر من إصلاح أحوال المربي المعلم الذي يربِّي قبل أن يعلِّم ، نأياً به أن يتحول للمعلم التاجر الذي تسحقه ظروف الحياة فلا يجد سبيلاً إلا بامتهان الدروس الخصوصية والمتاجرة بمهنة سامية ورسالة أخلاقية.
عقول البشر هي المجال الأولى بالرعاية والإصلاح؛ إصلاح الثقافة والمفاهيم والقيم الحاكمة لتلك العقول أولاً؛ فإحداث أي تقدم حقيقي في برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية مرهون بل مشروط بإصلاح ثقافة العقول وطرائق تفكيرها ونمط إنتاجها وهو ما تسعي الحكومة جاهدة لتنفيذه الآن.
الرئيس السيسي أكد مراراً وتكراراً كما شهدنا في مؤتمرات الشباب وغيرها أن التعليم والصحة هما جناحا أي تنمية منشودة، وهو ما تحركت على ضوئه الحكومة مسترشدة بالإرادة السياسية لرأس الدولة وإيمانه بأن الإصلاح بات ضرورة وفريضة لا يصح تأجيلها أو التفريط فيها ومن ثم بادرت الحكومة إلى زيادة مخصصات التعليم والصحة في الميزانية العامة..ولمَ لا وتجارب النجاح حولنا كلها تصل بنا لنفس النتيجة؛ فماليزيا مثلاً جعلت التعليم على رأس الأولويات عندما أصبح مهاتير محمد رئيساً للبلاد إيماناً منه بأن التعليم رافعة أي تقدم وقاطرة أي إصلاح.
التعليم الجيد ينتج بالضرورة مواطناً صالحاً ليس كمثل من أحاطت بهم الشبهات في جريمة فيرمونت وغيرها من جرائم مخزية لا تمت لديننا ولا لقيمنا الاجتماعية بأي صلة، مواطناً لا يرمي القمامة في الشوارع مثلما يفعل نحو 50% من مواطنينا وفقاً لأحدث التقارير، تعليماً يخلصنا من الجهل والخرافة والعشوائية في التفكير والسلوك؛ فهل يمكن أن يبني مصر ونهضتها مواطنون انعدمت نخوتهم وساءت أخلاقهم فلا يعرفون العيب ولا يأبهون بالسوء..ورأيي أن أمثال هؤلاء ليسوا إلا قلة قليلة وفي المقابل هناك نماذج مضيئة من شبابنا يؤكدون يوماً بعد الآخر أن مصر بخير وفي رباط إلى يوم الدين من أمثال إبراهيم عبدالناصر بائع الفريسكا وآية طه بائعة الأحذية وابنة حارس العمارة وغيرهما ممن ضربوا أروع الأمثلة بتفوقهم رغم صعوبة ظروفهم ليقدموا أملاً وقدوة للشباب المجتهد المحب لبلده والذي إذا ما رعيناه لتفوق أكثر وقدم للوطن خدمات جليلة.. ومثل هؤلاء النابغين ينبغي للدولة أن تدعمهم وترعاهم حتى يقدموا أفضل ما لديهم من نبوغ وتفوق وإبداع، مصر أحوج ما تكون إليه.
وفي المقابل فإن ما نراه حولنا من انحدار أخلاقي وعنف أسري وكسل عقلي وجرائم يشيب لها الولدان هو نتاج تعليم فاسد ومنظومة هالكة تفتقد أدنى معايير الجودة وهو ما أدركته الدولة جيداً وتسعى بشتى الطرق لإصلاحه بتطوير التعليم وإحداث نهضة حقيقية فيه بحسبانه أهم أركان التقدم وأوسع أبوابه.
لقد اقتحم وزيرا التربية والتعليم والتعليم العالي ملف إصلاح التعليم بكل قوة بدعم كبير من القيادة السياسية.. ويبقى علينا أن نشد على أيديهما ونقيم حواراً مجتمعياً جاداً برعاية الدولة لمؤتمر جامع لقيادات الرأي والفكر وخبراء التربية والعلم لتدشين منظومة حقيقية مستقلة للتعليم والبحث العلمي ووضع أسس قوية وملزمة تمنع إهدار المال العام وتعالج مسألة "المجانية" التي جرى تفريغها من جدواها عبر إتاحتها للجميع؛ من يستحقها ومن لا يستحقها..وشتان بين من يملك مقومات التعلم والنبوغ ومن ينجح بالغش وطرق أخرى.
وفي كل الأحوال فإن التعليم الأساسي ينبغي أن يكون مجانياً للجميع مثلما هو واقع اليوم ..أما التعليم الجامعي والعالي فيكون بالمجان للمتفوقين والنابهين الذين يجب على الدولة أن ترعاهم حتى ينالوا شهادة الدكتوراة، وألا يقتصر التطوير على تغيير شكل الثانوية العامة وامتحاناتها والتعليم الأساسي بينما الجوهرفقير والارتباط مفقود بين البحث العلمي وسوق الإنتاج والعمل والقيم الاقتصادية المضافة.
ويمكن القول باطمئنان إن الدولة وضعت يدها على مواطن الخلل وبادرت بإنشاء جامعات تكنولوجية متقدمة تساير روح العصر وتلبي احتياجاته ومتطلباته..أما التعليم الفني فيمكننا دراسة تجربة الفلبين أو ألمانيا اللتين يملك خريجو التعليم هناك فرصاً في العمل والأجر وتوليد الثروة وخدمة الأهداف الاستراتيجية لبلدانهم ومجتمعاتهم فلا تجد الصنايعي هناك سباكاً أو كهربائياً أو نجاراً إلا متعلماً ماهراً.
ثقافتنا ونظرتنا للتعليم ينبغي أن تتغير حتى يمتص التعليم الفني آلاف بل ملايين الموطنين الذي يزدادون سنوياً بمعدل 2.5 مليون نسمة.
أملنا كبير أن نرى تعليماً يصنع بيئة ترفض التطرف وتتطلع للمستقبل بعيون العلم والبحث العلمي المتقدم الذي يرفض الخرافة والأمية والشعوذة وهي الأمراض الاجتماعية التي تضيّع على مليارات الدولارات سنوياً..أما آن الأوان أن ينهض رأس المال بدوره الاجتماعي في تبني نوابغ العلم وأن ترتبط الجامعات ومراكز البحث بسوق العمل وجهات الإنتاج المختلفة. على الحكومة أن ترعي وتحفز مبادرات التوأمة بين القطاع الخاص ورجال الأعمال والجامعات لترجمة أفكار الموهوبين إلى واقع تجني الدولة ثمراته مثلما يحدث في الخارج ؛ إذ يتعاون مثلا قسم الطبيعة بجامعة هارفارد مع شركة ما يكروسوفت العملاقة لتعظيم القيمة المضافة للعلم والعقل البشري؛ فثروات الطبيعة مهما يكن حجمها ومخزونها الإستراتيجي إلى زوال ، والبترول العربي لن يستمر إلى الأبد، فالعلم هو المستقبل ..والطاقة المتجددة من الشمس والرياح طاقة نظيفة وأمل حقيقي للخلاص من التلوث والتغيرات المناخية الحادة التي تعاني البشرية ويلاتها اليوم..ومن ثم ينبغي للعرب ومصر على وجه أخص أن تسعى لخدمة التنمية عبر تنويع مصادر الطاقة كما نوعت من قبل في مصادر التسليح حتى لا نرهن أنفسنا بمسار واحد إذا تعطل تنغلق علينا الدائرة وتضيق علينا الأرض بما رحبت.
البحث العلمي والمعرفة والتكنولوجيا هي أضلاع قاعدة ثلاثية قوية جبارة نحتاجها جميعاً لتنصهر في بوتقة واحدة حتى تنقلنا لمصاف الدول ذات الشأن والتأثير على خريطة العالم الذي عليه أن يرانا ليس بوصفنا ورثة التاريخ والحضارة العظمى فحسب بل بحسباننا صناعاً رئيسيين لمنجزات اليوم وحضارته..مصر تتغير للأفضل بفضل عقول أبنائها ودأب شعبها وصدق قيادتها ..وأملنا أن يكون المستقبل أفضل كثيرا ما نتصور.