برقيات
من الثابت تاريخيا أن مصر عرفت مجانية التعليم منذ عهد محمد علي باشا مؤسس مصر الحديثة, وعلمتنا كتب التاريخ أن تلك المجانية كان يستفيد منها قلة من الأعيان وكان الأزهر يقدم جراية" طعام" للطلاب الفقراء, لكن أول من فرض مصروفات علي التعليم كان المحتل الإنجليزي الذي جثم علي صدورنا أربعة وسبعين سنة, حتي جاء دستور 1923 بمجانية منقوصة تخص التعليم الإلزامي فقط, وتطورت الأوضاع تدريجيا وتطورت معها الدساتير سياسيا حتي تولي الدكتور طه حسين حقيبة التعليم عام 1950ثم سرعان ما أصدر قراره عام 1951 بمجانية التعليم الثانوي تحقيقا لمقولته الشهيرة أن التعليم كالماء والهواء, حتي قامت ثورة يوليو 1952ومن بعدها دستور 1956 ليؤكد أن التعليم حق لكل المصريين تكفله الدولة ثم أعلن الرئيس جمال عبد الناصر عام 1961 أن تمتد المجانية إلي التعليم الجامعي والذي استفاد منه كل الوزراء والمسئولين منذ ذلك التاريخ وحتي وقتنا هذا ومع ذلك من وقت لأخر وطوال فترة عملي علي ملف التعليم , نسمع أراء تنادي بضرورة إلغاء المجانية باعتبارها باتت صورية وغير حقيقية نتيجة خروج التعليم من المدارس والجامعات إلي عالم أخر موازي يسمي المنازل والسناتر. بل وخروج المنظومة نفسها عن المسار الطبيعي وكان أخر وصف لها بالسفينة الغارقة وأخر ترتيب لنا عالميا هو زيل القائمة.
فكرة تحميل الطالب الراسب رسوم تعليمه كانت تدور بين مؤيد ومعارض وكل فريق له وجاهته واحترامه. رغم أن القضية محسومة بنص الدستور حيث نصت المادة 19 من دستور2014 علي أن التعليم مجاني وأن الحكومة تنفق مالا يقل عن 4% من الناتج المحلي الإجمالي تتصاعد تدريجيا حتي تتفق مع المعدلات العالمية, صحيح لم يثبت أبدًا أن الحكومة خصصت 4% من الناتج القومي للتعليم كما ينص الدستور لكنها فاجأت المجتمع بقرار تحمل الطالب الراسب نفقات تعليمه والتي تتراوح بين ثلاثة الأف في الكليات النظرية إلي اثني عشر الف في الكليات العملية.
ولأنني من هواة الأفلام العربي القديمة تذكرت مشهد للفنان إسماعيل ياسين في فيلم قدم الخير وهو يقوم بدور صاحب تياترو سيئ الحظ فيكتب علي باب المسرح الدخول مجانا وحين ينتهي الاستعراض يطالب الجمهور بثمن التذكرة لان الخروج بفلوس, بنفس المنطق أعلن الدكتور خالد عبد الغفار وله كل الاحترام أن التعليم مجاني لكن الرسوب بفلوس والقرار يطبق من العام الجامعي القادم , دون العرض علي مجلس النواب ودون مناقشة مجتمعيه لكل أبعاده, مما جعل الأمر يخرج عن النطاق العلمي للنقاش ليدخل في اطار إنهاك الشعب بمزيد من الالتزامات المادية والضرائب والغرامات .
ربما يكون القرار مخالف للدستور ويمثل سابقة لم تحدث في تاريخ الجامعات منذ إنشائها , وكلنا يعلم أن هناك حالات رسوب لا دخل للطالب بها, وكثير من الجامعات والمعاهد تحتاج إلي إعادة تأهيل وتحديث لبرامجها العتيقة, ويكفي أن نشير إلي فضيحة بكل المقاييس حيث اكتشفت كلية العلوم السياسية بجامعة بني سويف أنها لم تقم بتدريس مادة كاملة لطلاب البكالوريوس بعد أن تسلموا شهادات التخرج.
المادة 19من دستور 2014 حين تحدثت عن حق التعليم لكل مواطن قالت أن الهدف هو بناء الشخصية المصرية والحفاظ علي الهوية الوطنية وتأصيل المنهج العلمي في التفكير وتنمية المواهب وتشجيع الابتكار وترسيخ القيم الحضارية والروحية وإرساء مفاهيم المواطنة والتسامح وعدم التمييز وتلتزم الدولة بمراعاة أهدافه في مناهج التعليم ووسائله وتوفيره وفقا لمعايير الجودة العالمية.
فهل ما نص عليه الدستور حققته الحكومة ؟ هل قرار الوزير يحقق نهضة علمية أم فجوة مجتمعيه لا يمكن معالجتها لعل أبسطها النيل من الانتماء الوطني خاصة وان الطالب يخرج للحياة العملية دون فرصة عمل حقيقية وربما بلا تعليم حقيقي يؤهله للمنافسة في السوق, وإن كان لابد من عقاب الراسب فكان الأولي أن تكون الغرامة في خانة المئات لا الألاف, ترفقوا بالشعب.