أقول لكم
قليلون هم الزعماء الذين يقدرون قيمة كل بناء في أوطانهم، والقيادة في مصر تنتمي إلى هؤلاء الحريصين على حماية الأبنية التاريخية التي امتدت إليها يد الإهمال أو الحرق وتوجه بإعادة الوجه الحضاري لها، ولذا جاء قرار التجديد الكامل لمجمع محاكم الجلاء بوسط القاهرة ليمثل تحدياً جديداً لدعاة التخريب الذين يجدون في الفوضى وسيلة لمحاولة فرض سطوتهم على شعب اختار طريقه إلى المستقبل دون خوف من أحد، بعد أن انتصر على الجماعة الإرهابية التي حاولت حرق مصر كلها لتتحول إلى خرائب ينعق فيها البوم والإخوان.
لم يكن هذا القرار هو الوحيد الذي وجهت به القيادة قبل أيام بل دعت إلى تعزيز تدريب كوادر القضاء والنيابة لتمتلك الكفاءة الفنية لميكنة العمل في هذا القطاع المهم من أجل القضاء على مشكلة بطء التقاضى وتسهيل عمل القضاه والمتعاملين في أبنية عصرية تستوعب الأعداد المتزايدة من المتقاضين يومياً، إذ يعتبر مجمع الجلاء تاريخ ينبض بالحياة، مثل الكثير من المحاكم التي سطرت تاريخ مصر ومنها محكمة جنوب القاهرة التي شهدت الكثير من المحاكمات المهمة واحترقت فى أبريل 2013، ويطلق عليها "محكمة باب الخلق" والتي شيدت عام 1884 مع ظهور المحاكم الأهلية فى مصر، واختارها الملك فؤاد ليحتفل فيها مع القضاة ووزارة الحقانية عام 1933 بالعيد الذهبي لمرور50 عاما على إنشاء المحاكم الأهلية في مصر.
وظل مبنى المحكمة على مدى 133 عاما علامة مميزة فى منطقة باب الخلق، وأصدرت منصتها أحكاماً تاريخية فى قضايا شهيرة، أبرزها محاكمة الرئيس الراحل أنور السادات فى عام 1948 فى قضية اغتيال الوزير أمين عثمان، كما شهدت قضايا أحداث يناير 1977، والجاسوس عزام عزام، و نواب القروض، ورجل الأعمال هشام طلعت مصطفى ومحسن السكرى الخاصة بمقتل الفنانة سوزان تميم، وقضية يوسف والى وزير الزراعة الأسبق ضد جريدة "الشعب"، وقضية مركز ابن خلدون، والكثير من القضايا التى تتعلق بسياسيين ووزراء، انتهاء بقضية قتل المتظاهرين فى25 يناير، وظلت محكمتي باب الخلق و الجلاء تاريخاً محترقاً حتى جاء الوقت المناسب لإعادتهما إلى الحياة.
إن مجمع الجلاء الذي يدمى منظره الحالي القلوب لكل من يمر بجواره، خصوصاً من زاره قبل ان تمتد إليه يد التخريب وكثير من الصحفيين وأنا أحدهم كانت لى ذكريات في هذه المبني العريق حيث اعتاد أن يضم نخبة من القضاة وأعضاء النيابة الذين تحفل ملقات القضايا لديهم بالكثير من الأسرار المهمة التي كان نشرها يزيد الصحفيين تألقاً وبريقاً، لكن أحداث يناير لم تتركه في حاله بل أحرقه بعض العابثين بأمن مصر الساعين إلى تخريب كل مؤسساتها رغم أنه ليس بناء عادياً بل تاريخياً بكل ما تحمله الكلمه من معنى فتاريخ بناؤه يعود إلى عام 1947 أي قبل 73 عاماً بأمر ملكي وكان مقراً للكثير من نيابات ومحاكم القاهرة التى تقع في وسط البلد، إذ كان يضم 12 دائرة لمحاكم جنح ونياباتها الجزئية والمفرح في الأمر أن الهيئة الهندسية للقوات المسلحة ستتولى أعمال الترميم ليعود إلى النبض من جديد بتكلفة تصل إلى 200 مليون جنيه.
وتواصل وزارة العدل تنفيذ خطة تطوير وتجديد دور العدالة ورفع كفاءة القاعات والاستراحات، وتمثلت المرحلة الأولى في تطوير 91 محكمة والثانية 116، وتعتبر النيابات الجزئية في محكمة الجلاء والتي تشمل شبرا وروض الفرج والأزبكية وبولاق والدرب الأحمر والسيدة زينب والجمالية ومصر القديمة وباب الشعرية والموسكى، مكاناً مثالياً للمترددين عليها لأنها تقع في وسط العاصمة وأصبحت معلماً من معالمها لكن الإرهاب يسعى دائماً إلى تخريب الدول ومبانيها المهمة حتى تصبح بدون تاريخ.
وأقول لكم إن السواعد المصرية التي تشيد 15 مدينة في وقت واحد من بينها العاصمة الإدارية والعلمين الجديدة لا تنسى أبداً المباني الاًثرية وقيمتها للمواطنين مثل مجمع الجلاء الذي توقف عن العمل طوال 9 سنوات بسبب الأيادي الاًثمة التي تجرأت على تاريخ مصر فأحرقت الكثير من المباني من بينها المجمع العلمي ومجمع الجلاء في عصر الانفلات الامنى الذي تسبب قي خسارة مصر الكثير من هيبتها لكن على الجميع أن يعلم أن مصر ودعت عصر الفوضى وانطلقت إلى الأمام من أجل بناء دولة حديثة لا يمكن أن تعود إلى الوراء أبداً بعد أن ودعت زمن الفوضى بفضل قيادتها الواعية وتماسك شعبها الواعى.
[email protected]