معاً للمستقبل
الرئيس السيسي طالب مراراً وتكراراً منذ توليه قيادة البلاد بخلق وعي حقيقي لدى الشعب عبر إعلام ملتزم يقدم للمواطن ما ينبغي أن يعرفه من قضايا الأمة وشواغلها الحقيقية لا ما يحب أن يعرفه وبينهما فارق شاسع .. وحذرنا الرئيس في المقابل من مغبة انتشار الوعي الزائف الذي يمهد الأرض أمام قبول الشائعات والوقوع في مصيدة الإعلام المعادي الذي يستهدف نشر الإحباط وتوهين عزيمة جبهتنا الداخلية..ويمثل الإعلام والصحافة ولاسيما القومية رأس الحربة في معركة الدولة مع تحدياتها ومتغيرات المنطقة من حولها ورمانة الميزان في صيانة العقل الجمعي من محاولات الاستهداف والحروب النفسية ..ودائماً ما يتجدد السؤال في كل مناسبة: هل قام إعلامنا وصحافتنا بدورهما في تحصين الرأي العام من رياح الفتن التي تهب من الفضائيات والمواقع الكارهة لمصر..؟!
هل يُنظر إلى الإعلام والصحافة لا بوصفهما سلعة تحقق الربح أم رسالة تنوير تبني الوعي وتوقظ الهمم وتخلق ظهيراً شعبياً مساندًا للدولة في مراحل تحولاتها الكبرى..ومن ثم فإن عافية الإعلام والصحافة وحيويتهما من عافية الدولة وحيويتها والعكس صحيح..أروني دولة تجاوزت تحدياتها وانتصرت على أعدائها في غيبة دور الإعلام والصحافةفي خلق وعي حقيقي..وإلا ما نبهنا الرئيس السيسي مراراً وتكراراً لخطورة هذا الأمر حتى أنه جعل الإعلام والصحافةمحوراً رئيسياً في كل مؤتمرات الشباب التي عقدها بهدف سد الفجوة التي فشل إعلامنا وصحافتنا طيلة الفترة الماضية في ردمها وتوصيل صحيح المعلومات والاشتباك مع القضايا الحقيقية والأولويات المهمة للدولة في تلك المرحلة.
حال إعلامنا وصحافتنا لا يخفى على أحد، ولا يجادل أحد في شدة احتياجهما للتطوير والإصلاح العاجل الذي تأخر كثيراً..ولا يخفى على أحد أن من أسباب هذا الترجع أن الإعلام والصحافة صارا مهنة من لا مهنة له ، فكثرة الدخلاء عليهما لم تحرم فحسب خريجي الإعلام الحقيقيين من فرصهم المستحقة في العمل بمهنة تخصصوا في دراساتها وتعبوا لأجل الحصول على شهاداتها بل حرمت الجمهور كذلك من سمو الرسالة ومبادئها وجودة محتواها وموضوعيتها.
وكم رأينا في السنوات الماضية برامج تليفزيونية عديدة لا يملك مقدموها أدنى مقومات النجاح للمذيع أو الإعلامي فلا جاذبية ولا تأثير في الجمهور والحال نفسه ينطبق على أصحاب أقلام من غير أهل التخصص تسللوا إلى الصحف دون تدريب أو خبراتفي غيبة المعايير والقواعد الحاكمة للمهنة.
ولو افترضنا أن جدول نقابة الصحفيين جرى تنقيته على غرار ما جرى بنقابة المحامين فسوف نلقى عجباً؛ ذلك أن تداعيات مثل تلك العشوائية وذلك العبث لا يقف عند حدود إضعاف الإعلام وتجريده من المصداقية والقدرة على النفاذ والتأثير فحسب بل يتعداه إلى تشويه الوعي وتسفيه القيم وإزهاق روح المصداقية.
فهل يدرك دخلاء المهنة في الفضائيات والصحف أن الأضواء بقدر ما تقربهم إلى الشهرة والنجومية وذيوع الصيت بقدر ما يمكن أن تحرقهم بنارها إذا ما كانوا خلواً من الموهبة والتأهيل العلمي اللازم لممارسة المهنة وتحاشي آثارها السلبية..وقد رأينا ما رصدته مراكز أبحاث واستطلاع رأي من أخطاء فادحة وقع فيها بعض الإعلاميين في تناول أحداث عديدة تعرضت لها مصر بعد أحداث يناير 2011.
افتقاد معايير المذيع أو الإعلامي أو الصحفي الحق أضرّ خريجي كليات الإعلام وأقسامها الكثيرة ضرراً بالغاً , وأضاع عليهم ما أنفقوه من مال وجهد ووقت في سني دراستهم أملاً في الالتحاق بوظيفة طالما حلموا بها وتحرقوا شوقاً إليها.
ولعل أغلب هؤلاء المتعطلين عن العمل الإعلامي وهم أهله وأحق به من غيرهم تخرجوا في كلية إعلام القاهرة التي انطلقت أولى دفعاتها عام 1975بديلاً لقسم الصحافة الوحيد وقتها بكلية الآداب جامعة القاهرة والذي يدرس طلابه تخصصات إعلامية متنوعة في فنون الصحافة والتليفزيون والإخراج بالإضافة لدراسات في علوم الاجتماع والسياسة والاقتصاد والتشريعات واللغات؛ ومن ثم أهلت خريجيها (إعلاميي المستقبل) لأداء مهنتهم بعلم وموهبة وقدرة على استيعاب متغيرات عصر الصحافة الفضائية والإلكترونية وتطويعه لخدمة قضايا المجتمع والأمة وتنميتها عبر إنتاج محتوى مبدع يأخذ بألباب المتلقين ويغذي عقولهم وأرواحهم ووجدانهم ويبني عن بينة اتجاهات الرأي العام بصورة إيجابية، وينمي الوعي الجمعي وينقل الأحداث والأخبار بتجرد وموضوعية ومهنية ويكشف عن أوجه القصور والفساد ومكافحة الإرهاب وتصحيح المفاهيم المغلوطة.
ويبدو طبيعياً في ظروف كهذه أنه لا حاجة للإعلام إلى أقسام جديدة في جامعات مصر كلها ما دامت هناك كلية إعلام عريقة بالقاهرة..فمصير خريجي مثل تلك الأقسام هو البطالة والانخراط في أعمال أبعد شيء عن مجال دراستهم التي سهروا الليالي في تحصيلها سعياً لنيل وظيفة إعلامية ذهبت بكل أسف لمن لا يستحقونها وليسوا أهلاً لها، ولا هم يملكون حساً إعلامياً ولا موهبة ولا قبولاً جماهيرياً هو أوجب واجبات العمل الإعلامي ..أما من يحظون بمثل تلك المواهب فهي لا تستغني عن العلم الذي يصقلها وينميها ويضعها على الطريق الصحيح.
أما غير ذلك فنتائجه معروفة: تدني الثقافة والأخلاق ونشر الإحباط وعزوف الناس عن ساحة الإعلام التي تعج بوجوه كثيرة لا جمهور لها ولا فكر ولا مقومات إلا النعيق والزعيق، ولا غاية إلا حصد الشهرة وتأمين المصالح الخاصة على حساب الوطن ..وبعد أن كان إعلامنا يشار إليه بالبنان تحول بفضل هؤلاء الدخلاء إلى فضاء يموج باللت والعجن والدجل والشعوذة وافتعال معارك وهمية وترويج فضائح المشاهير وخناقاتهم وفتاوى الفتن المنافية لقيمنا الأصيلة وهتك الحرمات وانتهاك الخصوصيات وتهويل نقائص المجتمع وكشف عوراته..فهل يرضى أحد مثلاً بما يثيره الإعلام الرياضي من فتن وعصبية وانقسام ..وهل نحن راضون بمحتوى إعلامي يغلب عليه الحشو الذي يضر أكثر مما ينفع ويشوه صورة الدولة والشعب جراء غياب الفكر الهادف إعلامياً، القادر على صياغة رؤية خلاقة وتبني واجبات الوقت وأولوياته القصوى مثل القضاء على الأمية وانحطاط الأخلاق ومحاربة الظواهر السلبية كالإدمان والعنف خاصة الأسري، وتحقيق زيادة حقيقية في الإنتاج وتكريس قيم الولاء والانتماء للوطن.
غياب الحس الإعلامي ولا أقول الوطني سببه افتقاد العلم والخبرة والموهبة وانعدام التدريب وتناقل الخبرات والجهل بدور الإعلام وحدوده ومقتضياته؛ فالإعلام شأنه شأن أي مهنة هو علم لا فهلوة بل لا نبالغ إذا قلنا إنه أخطر المهن قاطبة فهو يبني أمماً أو يهدمها بكلمة أو صورة أو لقطة..وهو فوق ذلك جزء أصيل وكاشف لمنظومة ثقافية وفكرية وفنية واجتماعية تحدد بوصلة الدولة وتوجهاتها وأولوياتها، وتعكس المستوى الفكري والثقافي والسلوكي لشعبها.
ويا للغرابة حين لا يُسمح لأي من كان بممارسة مهنة الطب أو الهندسة أو المحاماة إلا إذا كان خريجاً جامعياً في تلك التخصصات.. بخلاف الإعلام الذي أبوابه مفتوحة على مصاريعها للاعبي الكرة ونجوم الفن والرقص والطبخ والموضة والتجميل وغيرهم ولا عزاء لأهل التخصص والحس والرؤية والفهم..فإذا كان مشرط الجراح يمكن أن يداوي أو يقتل فلا يسمح لأي شخص بأن يمسك به دون تأهيل أو تدريب كاف فيطبب من يطبب ويزهق روح من يزهق ..فكيف يتم السماح للهواة والدخلاء بأن يحملوا الميكروفونات والأقلام ليصوغوا وعي هذا الشعب ويرسموا له طريقه ومستقبله.
قد يكون مقبولاً أن يصبح لاعب كرة محللاً رياضياً لا مذيعاً ولا ناقداً ..ألا يكفي ما وصل إليه إعلامنا من تردٍ حتى ندرك حجم المأساة وكيف أننا في أشد الحاجة لعودة الكفاءة والتخصص والمهنية إلى مذيعينا وصحفيينا الذين يفهم بعضهم الحرية على أنها نشر وإذاعة ما يشاءون دونما تحقق أو تثبت أو مراعاة للأمن القومي الذي أصابته أخطاء بعض الإعلاميين بضرر بالغ.
للأسف يتجاهل كثير منا حقيقة مهمة مفادها أن الجميع يدفع أحياناً ثمن أخطاء بعض الإعلاميين ؛ المجتمع والدولة وحتى الأفراد العاديون الذين ينالهم الأذى حين تنتهك حياتهم الخاصة.
ما أحوجنا اليوم لاستعادة المعايير الموضوعية الضابطة للأداء الإعلامي؛ معايير ترتقي بالمهنة وتحميها من الانفلات الذي يمارسه بعض الدخلاء المنتسبين إليها زوراً وبهتاناً، معايير تحفظ لخريجي الإعلام حقوقهم وتحقق لهم تكافؤ فرص في وظائف ذات صلة أصيلة بمجال دراستهم الجامعية..وتلك مطالب مشروعة يحدونا أمل عريض أن يتبناها رئيسا الهيئة الوطنية للصحافة والإعلام لإعادة الحياة لمهنة باتت في حاجة ماسة لاجتذاب مواهب حقيقية تضخ في أوصالها روح الحيوية والإبداع، وتعيد إليها أمجادها ورونقها واعتبارها في عيون جمهورهاالذي عزف عنها إلى السوشيال ميديا لدرجة أن قيادات الصحف أنفسهم باتوا يحرصون على نشر كتاباتهم وإنتاجهم في تلك الوسائل اعترافاً منهم بقوة الأمر الواقع.
أما ذوو المواهب والقدرات ومهارات التواصل ومقومات الإعلامي الناجح فلا أقل من إلزامهم بدورات ودبلومات متخصصصة في الإعلام تصقل مواهبهم وتعادل درجة التخصص قبل إلحاقهم بالعمل فيه أو منحهم التراخيص اللازمة في ذلك الشأن تماماً كما تفعل نقابات المهن الفنية.
آن الأوان أن تضطلع هيئتا الصحافة والإعلام ونقابتا الصحفيين والإعلاميين بدورها في ضبط إيقاع العمل الإعلامي والصحفي وتوفير مناخ يسمح بأداء الرسالة المرجوة ويخدم أهداف التنمية الشاملة والمستدامة وفق منهج علمي رصين وروح وطنية متقدة..فمتى تنهض نقابتا الصحفيين والإعلاميين وقبلهما بالطبع مجالس الإعلام والصحافة بدورها الأصيل في النهوض بالمهنة وإيقاف المخالفين وردعهم وإيقاف المتجاوزين منهم.
يا سادة ..الإعلام ليس فهلوة ولا مهنة من لا مهنة له لكنه علم ومهنية وأخلاق ورسالة..ولا سبيل لاستعادة رونقه وأمجاده واعتباره إلا إذا اتحدنا على كلمة سواء..ولست أقول ذلك من باب النقد لكنها الغيرة على مهنتي الجليلة الغالية على النفس.. ولا رجاء لنا إلا عودتها لأبهى صورها ..وأجمل أحوالها.