الخط المفتوح
كل إنسان في هذه الحياة ينشر السعادة، وهي في نظر الناس مختلفة، فالبعض يراها في المال والثراء والمنصب والجاه والسلطان الذي يوفر له لذيذ الطعام وفاخر المسكن والملبس، همه جسمه وهيكله، ومعبوده نفسه وشهوته وشعاره «أنا والطوفان» من بعدي.. وهؤلاء متفاوتون في تحقيق هذه الأهداف الذاتية، وهم درجات فيما يملكون من وسائل ويسلكون من سبل، ويجمعهم علي اختلاف ألوانهم وتفاوت درجاتهم حب المادة وقصر نظرتهم لحقيقة الحياة الإنسانية.
البعض الآخر من الناس يري سعادته في تحقيق الوجود للعنصر الأهم في الإنسان وهو عنصر الروح والعقل الذي فضل به علي الجنس الحيواني، فهو يسعي إلي المعرفة بفهم، ويحب مكارم الأخلاق بشغف، زاد العقل هو همه الأول، وغذاء الروح غايته وصفاء النفس شغله الشاغل، ورقة القلب هو نبض حياته وهم درجات يجمعهم علي اختلاف ألوانهم وتفاوت درجاتهم كرم الخلق وإدراكهم الحق لغاية الحياة.
والله سبحانه وتعالي يعطي المال والثراء والمتعة في الحياة الدنيا لمن يحب ومن لا يحب، فقد تضمن أن يرزق كل كائن حي علي وجه الأرض عقل أم لم يعقل، آمن أم لم يؤمن، أما الدين والخلق وصفاء النفس واستقامة السلوك فهي ثراء كبير لمن يعرف قيمته، وغني واسع لمن يقدره قدره، لا يمنحه الله إلا لمن أحبه ورضي عنه، فمن نال حظاً من هذا الغني فقد نال حظاً من رضوان الله تعالي.. إنه يشعر بالسعادة الغامرة حتي لو قلت ذات يده، ويحس بلذة الدنيا حتي لو خشن طعامه، وينعم بالراحة والطمأنينة حتي لو نام في العراء، فقلبه مشغول بالحياة الباقية الخالدة، فهو يمهد لها الطريق بعمله وخلقه وإيمانه وسلوكه، فهو في لذة غامرة بالقناعة والرضا الذي به تسكن النفس ويطمئن القلب ويرتاح الضمير، أما المشغولون بدنياهم فما أكثر همهم وقلقهم وحرصهم علي الدنيا، وما أبعدهم عن النوم والراحة.
إن غني النفس بالإيمان بالله يجعل المؤمن لا يذل ولا يهان ولا يماري ولا ينافق ولا يخدع ولا يغش ولا يكذب ولا يخون، فتلك الأخلاق المذمومة هي وسيلة الثراء المادي الذي يحرص عليه الكثير ممن خوت نفوسهم من الإيمان وتجردت من القناعة.
فالغاية التي يجب أن تتطلع إليها الآمال هي رضوان الله، والوسيلة لتحقيق هذه الغاية هي العقيدة الصحيحة التي يكون بها الرجل رجلاً.. والرضاء النفسي والراحة القلبية القانعة التي لا تعرف اللهفة ولا الحرص ولا الشدة، ولقد ضرب لنا صحابة رسول الله صلي الله عليه وسلم أروع المثل في العفة والنزاهة والقناعة والرضا وفي شرف النفس وكرامتها، لم يسل لعابها علي الدنيا ولم يبهرها بريق الأضواء فعملت في صمت واستقامت في عزة، وسموا بمهمتهم في كرامة وإباء.
وقد كان لسالم بن عبدالله بن عمر موقف رائع في عفة النفس إذ قال له أمير المؤمنين هشام بن عبدالملك حين رآه يطوف بالكعبة: سلني لأعطيك، فرد عليه قائلاً: يا هذا أنا استحي وأنا في بيت الله أن أسأل أحداً غير الله، فلما انصرف الحجاج إلي الحل قال له هشام، الآن خرجت من بيت الله فسلني لأعطيك، لكن سالماً يرد عليه في قوة إيمان وعفة فيقول: إذا كنت لم أطلب الدنيا ممن يملكها فكيف أطلبها ممن لا يمكلها؟!
فلنسع جاهدين إلي الثراء الروحي والنفسي ولنطلب هذا الرزق من كل طريق، ولنجعل رائدنا ومسعانا رسول الله صلي الله عليه وسلم الذي قال «إن روح القدس نفث في روعي لن تموت نفس حتي تستوفي رزقها وأجلها، فاتقوا الله واجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق علي أن تطلبوه بمعصية الله، فإن ما عند الله لا ينال بمعصيته»، صدق رسول الله صلي الله عليه وسلم.