لوجه الله
كل الدراسات التربوية التى تناولت تأثير الخطاب الدينى على عقول الصغار والمراهقين فى عالمنا العربى حذرت من خطورة "القيم الدينية السلبية" التى يبثها بعض دعاة الإسلام ومدرسو التربية الدينية بالمدارس فى عقول الأطفال فى مراحلهم السنية المختلفة، مثل الزهد فى الدنيا والتسليم بالواقع رغم ما به من سلبيات إيمانا بعقيدة القضاء والقدر، والخلط بين التوكل والتواكل، وغير ذلك من الأمور التى يفهمها البعض فهما خاطئا.. وأكدت هذه الدراسات أن هذه القيم تنشر فى نفوس الصغار والبسطاء من الناس قيما سلبية يرفضها الإسلام الذى يربى المسلم منذ صغره على العمل والكفاح والأخذ بالأسباب لتغيير الواقع الذى يعيشه، ويسلح الإنسان دائما بالطموح، والأمل فى مستقبل أفضل.
من هنا كان تأكيد علماء وخبراء التربية والطب النفسى على ضرورة مواجهة كل التوجهات السلبية للخطاب الدينى المعاصر سواء من خلال ما يبث عبر منابر المساجد، أو وسائل الإعلام المختلفة، حتى لا تختلط الأمور فى عقول الصغار، ونقتل روح الأمل والطموح بداخلهم.
والواقع أن وصايا هذه الدراسات العلمية ينبغى أن تكون على مائدة كبار علماء الإسلام وأساتذة التربية والطب النفسى عند مناقشة وسائل تطوير الخطاب الدينى المعاصر بحيث لا يترك هذا الأمر المهم والخطير للاجتهادات الشخصية، كما لا ينبغى أن يترك للمتخصصين فى الأمور الدينية وحدهم، فالخطاب الدينى المعاصر ينبغى أن يستند الى محددات تربوية ونفسية إلى جانب المحددات الدينية.
****
والحقيقة التى يجب أن يدركها الجميع أن عقول أولادنا فى كل المراحل السنية تحيط بها- كما تحيط بعقول الكبار- العديد من القيم الدينية السلبية من خلال الأحاديث الدعوية فى وسائل الاعلام المختلفة، ومن خلال منابر المساجد، وما يتلقاه الصغار من مفاهيم سلبية فى كتب الدين، نتيجة الفهم الخاطىء لبعض الأمور والتوجهات الدينية.. وهذا يؤدى- كما يؤكد أساتذة الطب النفسى- الى قتل الطموح فى نفوس الصغار، كما يؤدى الى الاستسلام للواقع فى نفوس الكبار، وعدم السعى لتغييره الى الأفضل كما يحث الدين من خلال مفاهيمه الصحيحه، ولا شك أن نشر هذه القيم السلبية فى نفوس الصغار والكبار يضر بهم كما يضر بأسرهم ومجتمعاتهم.
الدين بتوجهاته الصحيحة يدفع الى العمل الجاد والكفاح المشرف وتحدى كل المصاعب، وهذا ما ينبغى أن يبثه علماء ودعاة الإسلام فى نفوس كل الناس متعلمين وغير متعلمين، صغارا وكبارا.. لذلك ينبغى على كل المؤسسات الدينية والتربوية أن تواجه القيم السلبية فى نفوس المنتمين لها ممن يخرجون على الناس بأحاديث ووصايا دينية، وتأهيلهم تأهيلا جيدا على إبراز القيم الإسلامية الصحيحة.. وهنا ينبغى أن تكون للمؤسسات الإسلامية وقفة جادة مع دعاة اليأس والإحباط الذين يتعاملون مع قيم الإسلام تعاملا خاطئا، ويقتلون روح الأمل والطموح فى نفوس الصغار والكبار خاصة جيل الشباب المنوط بهم المزيد من العمل والكفاح لتحقيق طموحاتهم وطموحات وطنهم.
*****
والواقع أن الإحساس بخطورة القيم السلبية التى يروج لها بعض الدعاة من خلال أحاديثهم الدينية لا يقف عند علماء التربية وعلم النفس، بل جاهد بعض العلماء والمفكرين الإسلاميين للتحذير من خطورة هذه القيم السلبية على عقول الصغار والكبار وفى مقدمة هؤلاء العالم الراحل د.محمود حمدى زقزوق عضو هيئة كبار العلماء وزير الأوقاف الأسبق- رحمه الله- حيث عنى بنشر القيم الإسلامية الصحيحة، وخصص لها عددا من مؤلفاته وجزءا كبيرا من موسوعته العلمية الكبيرة، وظل يحارب القيم السلبية ويحذر من تداعياتها على عقول شباب هذه الأمة فى واقعها ومستقبلها.. كما كتب د.محمد مختار جمعة وزير الأوقاف الحالى عدة مقالات حول خطورة إشاعة ونشر المفاهيم الدينية الخاطئة لأنها تضلل كل أفراد المجتمع وخاصة الشباب، وتصرفهم عن هداية الدين وما يحمله من قيم إيجابية.
ومع أننا نحسن الظن بالغالبية العظمى من دعاتنا ولا نحملهم مسؤولية ما ينتشر بين الناس من مفاهيم دينية خاطئة، وثقتنا فى أن الغالبية العظمى من الدعاة وخطباء المساجد فى مصر مؤهلون لنقل المفاهيم الدينية الصحيحة ومواجهة المفاهيم الخاطئة التى يروج لها البعض، إلا أن الخطاب الدينى الذى ننتظره فى المرحلة القادمة ينبغى أن محددا وواضحا فى عقول كل من يعمل فى ساحة الدعوة الإسلامية فى مصر، وهنا يجب تكثيف الدورات التدريبية المؤهلة للدعاة فى كل من الأزهر والأوقاف وأن يشارك فى هذه الدورات خبراء تربية وعلم نفس الى جانب علماء الدين، فالخطاب الدعوى العصرى تحدده عناصر عديدة ليحقق الأهداف المنوطة به.. كما ينبغى مراجعة مناهج التربية الدينية فى كل المراحل التعليمية لتصاغ فى صورة تبنى عقول الصغار على المفاهيم الدينية والقيم الروحية والأخلاقية الصحيحة.
****
وحتى لا تختلط الأمور فى عقول البعض فإن "الزهد" الذى يحث عليه الإسلام قيمة دينية وأخلاقية إيجابية لو فهمه الناس على حقيقته وتعاملوا معه تعاملا صحيحا وفق رؤية الإسلام له، ولكن المشكلة أنه يرتبط في أذهان البعض بجوانب شكلية لا علاقة لها بحقيقته، ولذلك ينبغى أن يركز الدعاة على نشر القيم الايجابية وأن يتصدوا لدعاة اليأس والاحباط الذين ينتشرون عبر مواقع التواصل الاجتماعى لنشر اليأس والاحباط بين المصريين، فكتائب نشر الاحباط بين شباب مصر تعمل ليل نهار وتستخدم كل أساليب الخداع والتضليل وتزييف الحقائق ونشر الأكاذيب ولا ينبغى أن نترك هؤلاء ينشرون سمومهم فى عقول شباب مصر دون مواجهة حقيقية يجب أن يكون لدعاة الإسلام دور كبير فيها.
ينبغى أن يدرك كل شبابنا أن تعاليم وتوجيهات الدين الصحيحة تدفعنا الى العمل الجاد والإنتاج والإتقان والأخذ بالأسباب، ولذلك لا يعرف الدين السلبية والاتكالية والبطالة والكسل والتواكل.. ولذلك ينبغى أن يقبل شبابنا من مختلف الأعمار على الحياة ببهجة وسعادة، والجد فى الأخذ بالأسباب والتنافس الشريف لتحصيل العلم وجمع المال بالوسائل الأخلاقية وليس بالفهلوة أو الطرق غير الشريفة.
علينا أن نحث أبناءنا على الكفاح المشرف فى مختلف المجالات وعدم الالتفات لهؤلاء الذين يغرسون فى نفوسهم قيما سلبية.