رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

معاً للمستقبل

"بعبع" الثانوية العامة..وداعاً

ما قاله أوائل الثانوية العامة هذا العام والأعوام السابقة يضعنا إزاء حقيقة مهمة مفادها أن تعليمنا لا يزال يراوح مكانه دون أن يحقق الغاية المرجوة منه على طريق الإبداع وخلق جيل قادر على الابتكار والاختراع وتلبية حاجتنا إلى حلول خلاقة لمشاكلنا المتراكمة..أوائل الثانوية رغم أنهم صفوة نظامنا التعليمي ودرة تاجه وأغلبهم جاء من مدارس حكومية إلا أنهم يعترفون بأريحية تامة بأنهم اعتمدوا على الدروس الخصوصية لفهم وتحصيل مقرراتهم الدراسية ما يعني بالضرورة غياب أي دور فعال للمدرسة ويعني إهدار مليارات الجنيهات على تلك الدروس ومثلها على طباعة كتب مدرسية عزف عنها أولئك الطلاب وغيرهم إلى الكتب الخارجية وملازم الدروس الخصوصية .

وفي ظني أن تلك الثانوية العامة وما يجري بشأنها كل عام من تنسيق وكليات قمة لا يحدث إلا هنا في مصر، ولا تجد له مثيلاً في أي دولة على وجه البسيطة..مليارات الجنيهات تنفقها الأسر المصرية وهي راغمة على الدروس الخصوصية التي لا يسدد من يعطونها أي ضرائب للدولة و لا يؤدون رسالتهم التربوية الأخلاقية كما ينبغي.

ولا نبالغ إذا قلنا إن"تعليمنا" بصورته التقليدية يفتقد أدنى مقومات الجودة والتطور والقدرة على إنتاج المعرفة فلا هو تربوي يبني العقول ويهذب النفوس ولا هو رياضي يبني الأجسام والأبدان بل هو رحلة عذاب تلهب ظهر كل أسرة مصرية حتى يصل أبناؤها للثانوية العامة ويحصلوا على مجموع بات غاية في ذاته للالتحاق بما يسمى "كليات قمة" لا تتسع إلا لفئة قليلة أما البقية الباقية فلا تجد إلا الصدمة الكبرى حين لا يجد أصحاب المجاميع العالية فوق ال95% مكاناً في تلك الكليات التي طالما حلموا بها وسهروا الليالي لأجلها وعاشت أسرهم على هذا الأمل حتى صحوا على كابوس كبير أطاح بتلك الأماني وجعل المستقبل مظلماً في أعينهم.

الأمر الذي تنبهت له الدولة أخيراً وعزمت على تصويب مساره بطرح بدائل أخرى..وها هو وزير التربية والتعليم يبشرنا بأن الثانوية العامة بحالتها الراهنة والتي كانت مأساة للأسر المصرية وسلة الفشل سوف تنتهي بلا رجعة؛ وهناك ثانوية عامة "معدلة" سوف تنهي الدروس الخصوصية التي لا تفيد تعليمنا ولن تساعد على حل الامتحانات في صورتها الجديدة، وتعكف الوزارة على توفير جميع مصادر التعليم الرقمي وتدريب المعلمين كي تقدم لأبنائنا خدمة تعليمية راقية ومعتمدة، وأن فلسفة المنظومة الجديدة التي سوف تطبق من العام المقبل ترتكز على مبدأ "التدريس من أجل الفهم وليس الامتحان، وإكساب الطالب مهارات حقيقية تجعله قادراً على التعلم مدى الحياة؛ فلن يكون هناك كتب ورقية مطبوعة، وسوف تعقد الامتحانات على التابلت بشكل إلكتروني ولن تكون الأسئلة موحدة على مستوى الجمهورية لكنها ستكون متساوية في قياسها لدرجة الفهم، بل إن الامتحان سيكون بنظام الكتاب المفتوح، ولن تطبع كتب مدرسية للصفوف الدراسية من الأول الثانوي وحتى نهاية تلك المرحلة؛ فالطلاب كلهم لديهم الأدوات الإلكترونية ويملكون القدرة على الدخول للمنصات وثمة نظام جديد للتقييم.

الوزير أضاف: "نصيحتي للجميع..لا تستجيبوا للضغط من أجل الدروس الخصوصية لأنكم لن تحتاجوها ولن يكون لها تأثير على الأداء في السنوات المقبلة ..بالفعل نحن نودع الثانوية العامة القديمة بكل مشاكلها وتخلفها، ونستقبل تطويراً ضخماً في نظام تعليمنا".

وزير التربية والتعليم وعد بإنهاء "بعبع" الثانوية العامة وفك عقدتها..وأظنه صادقاً في إزاحة هذا الكابوس الجاثم فوق صدورنا منذ عقود لم تحقق الثانوية العامة خلالها أي عدالة أو تكافؤ فرص أو تبشر بمستقبل أفضل، ولم تعبر بحال عن قدرات طلابها الحقيقية حتى وإن حصل بعضهم على الدرجات النهائية 100%..وهو بالطبع أمر مستغرب لا تجده إلا في مصر ولا تعرف الدول المتقدمة شيئاً كهذا الذي نراه عندنا حتى الدول التي كانت أقل منا تعليمياً صارت اليوم تناطح السحاب بعد أن جعلت الاستثمار في البشر وتعليمهم وصحتهم أولويتها الأولى بينما أهملت أنظمتنا السابقة ذلك المسار، غافلة عن أن كل تطور يلزمه تعليم جيد له إستراتيجية وبوصلة لا يخطئها وأهداف لا يحيد عنها.

من أسباب تراجعنا فيما مضى أننا كنا نرضخ لضغوط جماعات الرفض التي من مصلحتها أن يبقى تعليمنا على وضعه المتردي..وهو ما أدركه الرئيس السيسي فجعل التعليم والصحة في صدارة أولوياته بحسبانهما من الملفات التي لا تقبل تأجيلاً ولا تسويفاً ولا إهمالاً ..فمن دون إصلاحها لا تنهض أمة ولا تتقدم قيد أنملة..وبفضل هذه الرؤية نعيش اليوم ثورة حقيقية في التعليم والصحة ، ثورة تنهي سطوة الثانوية العامة ومتاعبها وما تسببت فيه من آلام وهشاشة في نظام التعليم ونوعية الخريجين وما أحدثته من انفصام بين سوق العمل والمنافسة الحرة وبين أصحاب الشهادات الجامعية غير المطلوبة لتلك السوق والذين ينضم منهم الآلاف سنوياً لطابور البطالة.

وليت التعليم الفني العصري نال عشر الاهتمام والتقدير اللذين نالتهما الثانوية العامة لكنا الآن في عداد الدول الصناعية الواعدة بفضل العمالة الفنية المتعلمة والمدربة على أحدث أدوات وتكنولوجيات العصر..وما أحوج مصر لمثل تلك النوعية من التعليم الذي يستنكف للأسف كثير من أبنائنا الالتحاق به رغم حاجة مصانعنا ومزارعنا وقطاعات الكهرباء والخدمات والميكانيكا وغيرها إلى تلك الكوادر الفنية..ويبدو طبيعياً في سياق كهذا أن يكون خريجو التعليم الفني على المستوى المتردي علماً وتدريباً ما يطرح سؤالاً مهماً : أين مدارس مبارك كول التي تستلهم النموذج الألماني العملاق في الصناعة والذي تجني برلين من ورائه مئات المليارات من الدولارات سنوياً عوئد اقتصادية لعمالة فنية مدربة ..والمدهش أن هذا النموذج ظهر عندنا ثم سرعان ما خفت ضوءه ..وكل ما نرجوه أن يعود مثل هذا المشروع مرة أخرى على نطاق أوسع حتى يفرز لمصر عمالة فنية ذات قيمة مضافة تشتد حاجتها إليها لاسيما في ظل ما تشهده من طفرات في الصناعة والتجارة وحركة العمران وشبكة الطرق العملاقة.

ويقيني أن لدى الرئيس السيسي خطة إصلاحية كبرى قادرة على إعادة صياغة منظومة التعليم بشتى مكوناته وإحداث نهضته المأمولة على أسس أكثر حداثة وتقدمية لتضع مصر على خريطة العالمية.

التطوير المطلوب في رأيي لابد أن يكون شاملاً لإشباع الاحتياجات الحقيقية للدولة ويوازن بين سوق العمل و التخصصات المطلوبة ويشيد قاعدة بحث علمي على أسس براجماتية يشارك فيها القطاع الخاص الذي عليه أن يكون شريكاً للدولة في صناعة خريج أو باحث كفء ليجني ثمرة إنتاجه العلمي عبر مراحل أساسية من الدعم وتبني النماذح الفذة لتعظيم العائد الاقتصادي من ورائها وحمايتها من الهجرة للخارج وحرمان مصر من فرص عظيمة للترقي وحيازة أسباب القوة..ويوم يكتمل للتعليم مقومات نجاحه وللخريج أدواته ومهاراته وهو ما تعمل لأجله الدولة الآن سنجد حتماً صناعة محترمة واقتصاداً قوياً وزراعة متطورة وصحة عفية وأخلاقاً رفيعة تكرس للأمن والاستقرار والتقدم ..يوم نستطيع بتعليمنا المنافسة العالمية في إنتاج الأفكار والمعرفة وإفراز خريجين ذوي قدرات ومهارات وخبرات تؤهلهم لارتياد سوق العمل بقوة وخلق بيئة جاذبة للمتعلمين لاسيما في التعليم الفني وفي المراحل الأولى، بيئة تنشر السعادة بين أطفالنا فيذهبون لمدارسهم فرحين يحملون البهجة والتفاؤل وليس حقائب ينوء بحملها الكبار، حقائب محشوة بكتب وكراسات ترهقهم وتشقيهم وتبدد طاقاتهم وأحلامهم ناهيك عن المعاملة الجافة من بعض القائمين على العملية التعليمية ..يوم يجد أولادنا اهتماما بالرياضة والأنشطة والفنون والرحلات في مدارسنا وجامعاتنا ساعتها فقط يحق لنا أن نفاخر بأعلى صوت بما وصلنا إليه من تعليم حقيقي تحقق بفضل ما اتخذناه من إجراءات جادة على طريق الإصلاح وبناء العقل المبدع لمصر المستقبل.

وكم كان د. طارق شوقي صادقاً مع نفسه ومعنا حين اعترف من أول يوم تولى فيه الوزارة بأن المنظومة الحالية للتعليم قد انتهت صلاحيتها، وأنه مهما حاولنا إصلاحها أو ترقيعها بمعنى أدق بتطبيق نظم جديدة للامتحانات أو تعديل بعض المناهج فإنها لن تجدي ولن تنصلح أحوالها إلا بنسبة لا تتجاوز 20% ومن ثم فلا مفر من نسف حمامنا القديم ..هكذا قالها الوزير بشجاعة تحسب له، وبتأسيس نظام تعليمي بديل يبدأ بالحضانة مروراً بكل مراحل التعليم، وصولاً للدراسات العليا ليفرز في النهاية ما تحتاجه مصر من كوادر وأفكار ومنتجات علمية على أعلى مستوى من الجودة والإبداع..فليس هناك كما قال د.شوقي خيار آخر إذا أردنا تقدماً ونهضة حقيقية تعمل الحكومة الآن على تحقيقها وتدعو مكونات المجتمع كافة للإسهام بدورها كل بقدر ما يستطيع لإنجاز حلم طال انتظاره.

ما نحتاجه بشدة الآن هو تحرير العقول من الحفظ والاستظهار وتحريضها على التفكير والحوار والابتكار والتحليل والنقد والمبادرة وقبلها التخلص من كل أنظمة الامتحانات البالية مقبرة التعليم وسلة الفشل ..نحتاح الآن إلى وضع آليات حقيقية لقياس القدرات واكتشاف المواهب والتقاطها وتنميتها كما تفعل الدول المتقدمة.

متى تتوقف نظرية الكم في نظامنا التعليمي لتقدم المدارس والجامعات ما تحتاجه سوق العمل من كوادر تعطي قيمة اقتصادية مضافة بدلا من جحافل الخريجين في كليات نظرية وعلمية تجافي روح العصر ومقتضيات الإبداع والتحول الرقمي والمنافسة الجادة وتصر على السير عكس الاتجاه وتستنزف مقدرات الدولة وفرصها في التقدم والازدهار.

متى تنتقل الأفكار الخلاقة من الورق وأدمغة البشر إلى أرض الواقع بجهد جماعي مخلص وتنفيذ أمين ..متى يصبح التعليم والبحث العلمي بنظام عائد التكلفة وليس بنظام التراكم والكم.

يبقى في النهاية أن الثانوية العامة القديمة انتهت بكل مساوئها وما خلفته من تشوهات في نظامنا التعليمي برمته..ويحدونا الأمل أن تكون الثانوية الجديدة أكثر إبداعاً ودينامية وراحة للطالب وأسرته وأجدى نفعاً للتعليم والبحث العلمي، وأن يلقى الوزير كل الدعم المجتمعي لإنجاح المنظومة الجديدة وعليه هو أيضاً توفير كل مقومات النجاح حتى يقطع الطريق على أعداء النجاح المحرضين على النظام الجديد ..ولابد أن يقتنع المعلمون ويؤمنوا بجدوى التغيير أولاً حتى يكونوا جنوداً أوفياء في معركته وعوناً لنجاحه لا عقبة كئوداً في طريقه.. نتمنى.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة