لوجه الله
فى معظم البلاد الإسلامية – وليس فى مصر وحدها- يغيب دور المرأة الفاعل فى ساحة الدعوة الإسلامية والتوجيه الدينى رغم انتشار الكليات المتخصصة فى تدريس العلوم الإسلامية للفتيات ورغم تخريج عدة آلاف سنويا من هذه الكليات الأمر الذى يطرح سؤالا مهما عن أسباب غياب المرأة عن القيام بهذه الرسالة السامية لحماية عقول النساء من طوفان الأفكار الهدامة سواء أكانت تمثل "تطرفا فى الدين" أو "تطرفا عن الدين".
وهنا يجب أن نعترف صراحة بأن دور المرأة فى المؤسسات الإسلامية لا يزال مهمشا رغم وجود آلاف المتخصصات فى العلوم الشرعية وتولى بعضهن مراكز قيادية فى جامعة الأزهر.. لكن لم ينتقل هذا الاهتمام بتعليم المرأة وتأهيلها فى العلوم الشرعية الى الاستعانة الجادة بها فى المؤسسات الإسلامية لتشارك الرجل فى عضوية المجامع والمؤسسات الإسلامية، وفى الافتاء، وفى نشر تعاليم الإسلام الصحيحة بين الرجال والنساء.
منذ أيام سألنى صديق عربى مثقف عبر رسالة على "تويتر" عن عدد النساء فى مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، وعن سبب عدم الاستعانة بعنصر نسائى واحد فى هيئة كبار العلماء.. وبكل صراحة لم أجد ما أجيبه به، فالأزهر رغم تطوره الكبير خلال السنوات العشر الأخيرة واقتحام المرأة فى ميادين كثيرة به وأنشائه إدارة بمجمع البحوث الإسلامية لتأهيل الواعظات، واستعانته فى مركزه الاعلامى بعدد من الفتيات كحلقة ربط بين الأزهر ومؤسسات الاعلام.. ورغم حديث شيخ الأزهر الدائم عن حقوق المرأة وتخصيصه عشرات الحلقات من برنامجه التليفزيونى للحديث عن حقوقها الشرعية ورفضه للظلم الواقع عليها داخل المجتمعات العربية.. رغم كل ذلك لا توجد إمرأة واحدة داخل مجمع البحوث الإسلامية الذى يضم عشرات الرجال فى مختلف التخصصات، كما لا توجد إمرأة واحدة فى هيئة كبار العلماء حتى ولو بصفة خبيرة للاستعانة برأيها فى أمر ما.. يحدث ذلك فى الوقت الذى يستقبل فيه شيخ الأزهر عناصر نسائية كثيرة فى مكتبه من داخل مصر وخارجها، والتحاور معهن فى قضايا وأمور كثيرة الأمر الذى يؤكد عدم وجود تحفظ أزهرى على حضور النساء مع الرجال فى اجتماعات علمية أو مجتمعية.
***
بالطبع.. لا نريد المرأة لتكون "ديكورا" فى المؤسسات الإسلامية كما هو الحال فى مجالات ومؤسسات كثيرة فى المجتمع.. لكننا نريد المرأة الباحثة والعالمة والمفكرة والداعية المثقفة لتحدث الفارق فى ميدان الفكر الإسلامى والتوجيه الدينى الصحيح، وهذا الأمر ليس صعبا ولا مستحيلا، فالجامعة الأزهرية فيها كليات للبنات بها مئات الأساتذة من النساء فى علوم الفقه والتفسير والعقيدة والفلسفة الإسلامية والدعوة واللغة العربية وعلومها.. كما تضم كليات لتدريس هذه العلوم تنتشر فى العديد من المحافظات، وتعليم المرأة بالأزهر راسخ ومتأصل من عدة عقود ويتم تخريج الالآف كل عام من هذه الكليات، كما يتم منح عشرات من هؤلاء النسوة المثقفات درجات الماجستير والدكتوراه فى العلوم الشرعية كل عام.. والسؤال المهم هنا: أين هؤلاء النسوة المثقفات فى العلوم الإسلامية؟ وألا تستحق بعضهن مشاركة الرجال فى عضوية مجمع البحوث الإسلامية؟!
**
فى ساحة الدعوة الإسلامية أصبح هناك وجود للمرأة- على استحياء بالمؤسسات الإسلامية- فهناك بعض الداعيات الهاويات بوزارة الأوقاف، وهناك بعض الواعظات الأزهريات بمجمع البحوث الإسلامية وقد شاهدنا بعضهن فى فعاليات معرض الكتاب الأخير، واستعانت دار الافتاء فى السنوت الأخيرة بالعناصر النسائية فى بعض أنشطتها الأفتائية والتوعوية.. لكن أرى أن كل هذا لا يكفى فلا تزال المرأة غائبة عن ساحة الدعوة الإسلامية والعمل الافتائى فى مصر، وينبغى أن تكون- مصر الأزهر- رائدة ومتميزة فى توظيف المرأة لخدمة العمل الدعوى والتوجيه الدينى الصحيح، فالمرأة شريكة الرجل فى كل قطاعات العمل فى مصر وهى قادرة على العطاء بتميز وإخلاص فى مجال الدعوة والافتاء.
أعلم أن الدراسة وحدها لا تكفى لظهور داعية متميزة ولابد من التأهيل العلمى والنفسى لكل إمرأة تعمل فى ساحة الدعوة الإسلامية، لذلك نتطلع الى تدريب وتأهيل أكثر فاعلية للمرأة الداعية فى مؤسسات الأزهر ووزارة الأوقاف ودار الافتاء، خاصة وأن فى كل مؤسسة منها فرصا واعدة لمشاركة فاعلة للمرأة فى معظم أنشطتها الدعوية.. كما يجب تحديد مجالات عمل مناسبة لطبيعة المرأة بحيث تعطى فيها أكثر من الرجل وهناك مجالات عديدة فى وزارات التربية والتعليم، والتعليم العالى، والشباب والرياضة ومؤسسات المجتمع المدنى تحتاج الى جهود المرأة الدعوية.. كما ينبغى توظيف المرأة بشكل أفضل لنشر تعاليم الاسلام ومواجهة التطرف بكل صوره وأشكاله عبر مواقع التواصل الاجتماعى، وبالتأكيد أسلوب المرأة وطريقتها فى الدعوة بين بنات جنسها ستختلف كثيرا عن أسلوب الرجال الدعاة، فلكل إنسان المفتاح المناسب لعقله وفكره.
**
والواقع أن تهميش دور المرأة فى المؤسسات الإسلامية فى مصر يحتاج الى إعادة نظر فى ظل اقتحام المرأة مختلف مجالات الحياة، وكان الأولى أن تقتحم ساحة الدعوة الإسلامية، وأن تعد جيدا للقيام بهذا الدور، خاصة وأنها قادرة على تغيير كثير من المفاهيم الخاطئة فى عقول النساء، وأيضا الرجال، وتصحيح كثير من المفاهيم المغلوطة عن موقف الشريعة الإسلامية من المرأة، وهو الميدان الذى لا يزال يحظى بلغط كبير ويفتى فيه من يعلم ومن لا يعلم.
لا ينبغى أن يظل العمل الدعوى والإفتائى حكرا على الرجال، ولا أن تفشل محاولات الاستعانة بالعنصر النسائى داخل مؤسساتنا الدعوية والافتائية، وما دام القائمون على أمر هذه المؤسسات لديهم القناعة بقدرة المرأة على العطاء فى هذا الميدان فعليهم أن يتخذوا الاجراءات الكفيلة بتأهيل المرأة نفسيا ودعويا للقيام بهذا الدور.. كما ينبغى أن يفكر الأزهر فى الاستعانة ببعض العناصر النسائية المؤهلة لتحظى بعضوية مجمع البحوث وأن يكون لهيئة كبار العلماء خبيرات مثقفات فى ميادين عدة للرجوع إليهن فى بعض القضايا والأمور التى تشغل المجتمع المصرى وليس هناك ما يمنع من اختيار عضوات لهيئة كبار العلماء.. فهناك مشكلات وظواهر اجتماعية كثيرة رؤية المرأة تختلف فيها عن رؤية الرجل ومن المهم التعرف على كل الرؤى حولها.