معاً للمستقبل
6 أغسطس بات من أيامنا التاريخية المجيدة التي من حقنا أن نفرح ونحتفل به وبما أنجزناه بحفر قناة السويس الجديدة التي تحين ذكرى افتتاحها الخامسة هذه الأيام ..وقد نفذناها بسواعد مصرية وتمويل وطني ورؤية واعية نافذة لقائد اتخذ قرار شق القناة الجديدة شريان الملاحة الدولية هدية مصر للمنطقة والعالم أجمع..ولمَ لا وقد أحسنا التخطيط والعمل اعتماداً على أنفسنا من الألف للياء ..ولا يمكن لأحد أن ينسى منظومة النجاح التي شارك فيها المصريون بضخ مدخرات بلغت نحو 64 مليار جنيه في 8 أيام فقط ليخرج هذا المشروع إلى النور بسيمفونية عمل متكاملة تفيض وطنية وحماساً ورغبة في نهوض وطن أصر بنوه على إنهاء ذلك المشروع العظيم في عام واحد فقط..وقد كان لهم ما أرادوا.
القناة الجديدة لم تكن شريان ملاحة أو ممراً مائياً إستراتيجياً فحسب بل كانت ضربة بداية استنهضت همة المصريين ورفعت روحهم المعنوية وفتحت أبواب النجاح في إنجاز مشروعات عملاقة في مجالات أخرى متنوعة غيرت وجه الحياة ليس في منطقة القناة ومدنها الثلاث وسيناء فحسب بل في أرض مصر كلها.
مشروع القناة الجديدة جاء ترجمة لإرادة المصريين ووعيهم، وتعبيراً عن شغفهم وتعطشهم للنجاح والإنجاز والإنتاج..فها هم لبوا- كعاتهم- نداء الوطن حين دعاهم أو احتاج إليهم ولم يبخلوا لا بأموالهم ولا بدعمهم..كما كان مشروعاً وطنياً يؤكد عودة الدولة القوية وتعافي أمنها واقتصادها الذي اتخذ بشأنه الرئيس السيسي قراره الأصعب بإجراء إصلاحات ضرورية لولاها ما كنا استطعنا مواجهة تداعيات كورونا المؤلمة التي أصابت العالم وأنشطته الاقتصادية بالشلل شهوراً عدة.
البطل الحقيقي لإنجاز قناة السويس الجديدة هو الشعب المصري وقيادته التي تسابق الزمن لوضع البلاد في مصاف الدول العظمى..وقد عادت بنا تلك القناة لزمن الأمجاد والإمبراطورية التي شيدها محمد على الكبير وأيام الحلم الناصري والمد القومي العروبي وزمن الانتصارات والبطولات..كما أعادت تذكيرنا بتاريخ طويل هو عمر القناة منذ حفرها أجدادنا بدمائهم وعرقهم وتضحياتهم الكبرى..
تاريخياً شهدت القناة أمجاداً وانكسارات وانتصارات منذ حفرها وتشغيلها مروراً بتأميمها واحتلال ضفتها الشرقية بعد نكسة يونيو وصولاً للعبور العظيم في أكتوبر 1973وشق شريانها الحيوي الجديد..من ينسى القرار التاريخي بتأميم القناة الذي اتخذه الرئيس عبدالناصر 1956عام سعياً لجعل إدارتها وتشغيلها وملكيتها مصرية خالصة، وهو ما أغضب قوى عالمية فشنت عدوانها على مصر بمشاركة إسرائيل في 29 أكتوبر من العام ذاته.. ومن ينسى تحطيم خط بارليف على حافتها الشرقية وكان شديد التحصين والتلغيم بإمكانه تحويل ماء القناة إلى فوهة بركان تنسف من أراد تخطيه حتى خُيل للعالم أنه يستحيل على المصريين عبوره أو حتى الاقتراب منه ..لكنه تهاوى أمام إرادة الأبطال وعزيمة الرجال.
قناة السويس أول ممر مائي يربط البحرين المتوسط والأحمر ..جرى افتتاحها للملاحة في 7 نوفمبر 1869 وظلت تحت سيطرة فرنسا وبريطانيا حتى قام ناصر بتأميمها ثم أغلقت في وجه الملاحة خمس مرات كان أخطرها وأطولها وآخرها بعد نكسة يونيو 1967 ولمدة 8 سنوات حتى أعادها السادات للعمل بعد انتصارات أكتوبر المجيدة..أما المرات الأربعة السابقة فابتدأت أولاها غداة الاحتلال الإنجليزي لمصر 1882لأقل من أسبوع في أعقاب الثورة العرابية والثانية والثالثة لمدة 76 يوماً خلال الحرب العالمية الثانية، وجاءت الرابعة بعد العدوان الثلاثي على مصر واستمرت 5 اشهر وأعيد فتحها عام 1957.
حفر القناة استغرق 10 سنوات، وتم جلب مليون ونصف المليون فرد من جنسيات شتى بينهم عشرات الآلاف من العمال والفلاحين المصريين للعمل بنظام السخرة ولقي آلاف المصريين حتفهم بعد تعرضهم لوباء الكوليرا والأمراض المعدية..وكما كانت القناة شرياناً للحياة وتدفق حركة التجارة والملاحة الدولية والنماء كانت أيضاَ سبباً مباشراً في احتلال مصر وجذب أنظار الطامعين إليها ..ولم تتوقف عمليات التحديث والتطوير في القناة حتى جاء قرار إنشاء القناة الجديدة لتستوعب السفن العملاقة وتلبي حاجة التجارة العالمية لمزيد من سرعة الحركة والقدرة على الاستيعاب لتوفر ما يزيد على 11 ساعة كاملة كانت تضيع انتظاراً للعبور.
بدأ المشروع العملاق في السابع من أغسطس 2014 وافتتح في السادس من الشهر ذاته عام 2015 ليجتذب ما بين 8 و 12% من حجم التجارة العالمية ..وكانت رؤية الرئيس السيسي ثاقبة وقراره سديداً وقد راهن بكل ما لديه من زخم سياسي وشعبية كبيرة وقد نجح رهانه على وعي الشعب الذي آمن بالتنمية بعد الذي عاناه من قلق واضطراب في سنوات ما بعد يناير 2010
5 سنوات مرت على إنجاز الملحمة التي ضرب بها الشعب وقائده أروع الأمثلة العملية على التلاحم والتجاوب لتكتب سطوراً من نور في تاريخ مصر وتضعها على خارطة المستقبل ..وكانت البداية من الأرض الطاهرة للقناة التي نجني اليوم ثمرات ما زرعته أيدينا.
الرئيس السيسي لا يدع مناسبة إلا ويشيد بشعب مصر وما تحمله من أعباء بقناعة وصبر ورضا وإيمان بغد أفضل ..ولم لا وقد أثبتت الأيام أنه –أي الشعب- سند الدولة وظهيرها الأول وبطل معاركها كافة في مواجهة الإرهاب وصد محاولات التآمر والتربص بأرض الكنانة ..كما تحمل بشجاعة قرارات الإصلاح الاقتصادي الضرورية والصعبة حتى أثبت جدارته واستحقاقه لقب البطولة في المعارك كلها التي خاضتها مصر، بدءاً بإزاحة الإخوان عن الحكم حين استجاب لنداء الواجب وفداء الوطن في وقت كادت نيران الفتنة والمؤامرات تحرق الأخضر واليابس لولا لطف الله وعنايته، مروراً بدعم قرار إقامة القناة الجديدة حتى إحراز النصر والإنجازات في شتى ربوع البلاد.
وعي الشعب وصلابته وثقته في قيادته, كان مبعثها الإيمان بقدر الله واستخلاص العبرة مما يجري حولنا لدول كانت ملء السمع والبصر ثم تداعت أركانها وذهب ريحها وضاع استقرارها وشعبها وتلاشى أمنها بسبب التنازع بين أبنائها وغلبة الأطماع وانعدام الضمير حتى باتوا فريسة سائغة في مرمى الدسائس و الوقيعة التي مارسها ومازال أعداؤنا الذين يستهدفون تقسيم دولنا ونهب ثرواتها..ولنا فيما حدث في ليبيا وقبلها في سوريا واليمن والعراق والسودان ثم ما يحدث اليوم في لبنان وفلسطين خير دليل على مكر وخبث المخططات الأثيمة لأعداء الأمة.
الأمل في غد أكثر أمناً وأقل معاناة وعبئاً، غدٍ تتحسن فيه ظروف المعيشة والخدمات المقدمة للناس هو ما يراهن عليه ذلك الشعب وليس ذلك ضرباً من الأماني لكنه واقع نجني اليوم ثمراته بإجراءات ملموسة على الأرض نراها رأي العين وتشهد بها تقارير منظمات اقتصادية دولية تشيد بما حققته مصر من نجاحات تؤكد أنها تسير بخطى واثقة على طريق الإصلاح الاقتصادي بعد أن جاوزت مراحله الصعبة وبات القادم أفضل لولا جائحة كورونا التي نجحت الدولة في التصدي لها بكل ما أوتيت من قوة حتى أخذت الأوضاع في التحسن وتراجعت أرقام الإصابات بالفيروس كثيراً.
من منا لم يشعر بما طرأ من تحسن كبير في قطاعي الكهرباء والبترول حتى اختفت الانقطاعات المتكررة للتيار واختناقات الوقود وأزمات البنزين والسولار كما من قبل طوابير الخبز..ولا يخفى ما شهده قطاع النقل وشبكة الطرق والأنفاق من طفرة كبيرة تمثل شرايين جديدة للتنمية.. وما حققته الدولة في مشروعات الإسكان الاجتماعي للشباب ومحدودي الدخل والقضاء على العشوائيات حتى صرح الرئيس في افتتاح أحد المشروعات بأن كل من سيطلب شقة ستوفرها الدولة له..ليؤسس بذلك معايير جديدة للنهوض بحياة الإنسان وتمكينه من حياة آمنة وكريمة..ناهيك عما شهده قطاع الزراعة واستصلاح الأراضي ومشروعات الصوب الزراعية والإنتاج الحيواني والاستزراع السمكي التي توفر غذاءً آمنا للمواطن وتتيح فوائض للتصدير توفر عملة صعبة..أليست تلك كلها مؤشرات إيجابية انبثقت من روح القرار الجريء بشق قناة السويس الجديدة.
الرئيس السيسي أكد أنه لن يسمح لأحد بأن يحصل على جنيه واحد دون وجه حق، وأن حق الدولة في أراضيها المسلوبة سوف يعود بتطبيق القانون بحزم وعدالة على الجميع وهو ما يجري تحقيقه الآن بكل حزم.
لاشك أن إجراءات الإصلاح الاقتصادي كانت أكثر من ضرورية ولولاها ما استطاعت الدولة التحرك في ملفات إصلاح التعليم والصحة اللذين ضخت فيهما الحكومة استثمارات ضخمة ولم تدخر جهدا لحماية الفقراء وإشباع الحد الأدني من احتياجات المواطنين وتخفيف معاناتهم، بالتوازي مع تنفيذ الإشتراتيجية القومية للرقمنة وميكنة الإجراءات تحقيقاً لمزيد من الشفافية والعدالة وسرعة إنجاز الخدمات الحكومية وتقليل الوقت والجهد المبذولين فيها وترشيد النفقات ؛فالرقمنة بلا شك هي حضارة العصر وروحه وأهم ملامحه..ومن دونها لا تستطيع مصر مواكبة هذا العصر ولا مسايرة مستجداته.
ويظل السؤال: لماذا يكرر الرئيس السيسي إشادته وشكره للشعب في كل مناسبة ..والجواب: أن الشعب هو كلمة السر في كل نجاح وهو لا يزال يضحي ويتحمل صعوبات قائمة ومحتملة ويواجه تحديات داخلية وخارجية وعقبات كثيرة اجتمعت لها دول وأجهزة استخبارات عديدة هنا وهناك بهدف إضعاف روحه المعنوية دون أن يفت ذلك في عضده بل إنه فوق ذلك لايزال يقدم كل يوم شهادة جدارة واستحقاق وثقة بقدرته على الإنجاز وقهر المستحيل بما يقدمه أبناؤه في القوات المسلحة والشرطة الباسلة الذين يجودون بأرواحهم ودمائهم الزكية فداء لوطنهم ودفاعاً عن مصر.
لنا أن نفخر جميعاً ببناء قناة السويس الجديدة كما افتخرنا يوما ببناء القناة القديمة وتأميمها في تاريخ ناصع لمصر التضحيات والانتصارات..فدائماً ما يكتب المصريون التاريخ ويثبتون للدنيا بأسرها أنهم يستطيعون صناعة الأمجاد والبطولات والنجاحات بعزيمة صادقة وإيمان قوي وحب صادق لوطنهم..فحب الوطن عبادة والدفاع عنه فريضة لا يتخلف عنها مصري صادق الوطنية والانتماء .