رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

معاً للمستقبل

يعتقد كثير من الناس خطأ أن مقاصد الدين وأركانه تقتصر فقط على العبادات من صلاة وزكاة وصيام وحج وبر للوالدين وصلة للأرحام غافلين عن أن هناك أفعالا لا تقل أهمية عن تلك العبادات؛ فجبر الخواطر مثلاً من أعظم الأفعال عند الله..فحين يدخل الله رجلاً الجنة لمجرد أنه سقى كلباً يلعق الثرى من العطش..وتدخل النار امرأة حبست هرة حتى ماتت من الجوع فلا هى أطعمتها ولا هى تركتها تأكل من خشاش الأرض..فما بالنا لو تعلق الأمر ببني آدم أكرم المخلوقات عند الله..؟!

جبر الخواطر ينطوي على مروءة ويعبر عن عظمة أخلاق المرء ونبله وسمو نفسه وعمق إيمانه بإله يحاسب على مثقال ذرة..كما أنه يقوي الصلات الاجتماعية ويعمق الروابط ويشيع المحبة والتماسك بين أفراد المجتمع إذا ما وقف بعضهم مع بعض وقت الشدائد، وإلا ما قال ربنا لنبيه الكريم إعلاء لقيمة جبر الخواطر " ولسوف يعطيك ربك فترضى" ..كما يعد الله عباده الصابرين القانتين بأن يعطيهم ثواباً وجزاء حسناً لقاء ما فعلوه من صالح الأعمال..فالله تعالى في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه..ومن يقف مع الناس ويواسيهم في محنتهم يسخر الله له من يقف معه في محنته وشدته..فأنت اليوم إذا جبرت قلباً كسيراً ستجد يوماً من يجبر خاطرك إذا ما ألمت بك أزمة أو وقعت في مصيبة لا قدر الله؛ فاعمل ما شئت فكما تدين تدان.

وفي ذلك يقول الإمام سفيان الثوري" من سار بين الناس جابراً للخواطر أدركه الله في جوف المخاطر"..فمن يسعي لجبر خاطر غيره ينقذه الله من أي سوء أو أذى قد يتعرض له حيث يرد الله للعبد ما قدمه ويزيد عليه ثواباً عظيماً جزاء ما صنع .

اجبر خاطر الآخرين ولو كنت مهموماً..فمن فرّج عن أخيه كربة فرّج الله عنه كرب الدنيا ويوم القيامة ..فالدين المعاملة وحسن الخلق..ويمكننا بأشياء بسيطة أن نسع الناس لا بالأموال والعطايا والصدقات فحسب بل بقول معروف ومغفرة وتسامح وابتسامة صافية حانية ..فجبر الخواطر ببساطة يعني رفع معنويات الشخص وتهوين مصيبته والأخذ بيديه حتى يجتاز محنته بنصيحة صادقة ودعم مخلص لا يبتغي إلا رضا الله.

وجبر الخواطر من أسمى مقاصد الشرع الإسلامي والأديان كافة ..اصنع المعروف في أهله وفي غير أهله ..فإن صادف أهله فهو أهله وإن لم يصادف أهله فأنت أهله" هكذا قال الإمام على كرّم الله وجهه..ومن يفعل ذلك فهو شهم ذو معدن أصيل ونفس قوية وهمة عالية..فمثلاً إذا جاءك عامل في مكتبك بفنجان من القهوة فلا أقل من أن ترد له التحية بابتسامة ودودة فهذا ضرب من جبر الخواطر..وعندما يقصدك شخص ما في حاجة فاعمل على حلها ويسر له الأمر ما استطعت ..وعندما يعرض عليك شخص فقير بضاعة زهيدة الثمن فأعطه أكثر من حقه ولا تبخل عليه بمالك وابتسامتك..عامل أصدقاءك بكرم وساعد زميلك في العمل إذا كان لديه كثير من المهام ولا يستطيع إنجازها وحده..وعندما تفاجيء زوجك/ زوجتك بشيء يحبه وعندما تهدي طفلاً فقيراً في الشارع قطعة حلوى وعندما تقدم الدعم لشخص يائس أو محبط وتشجعه حتى ينتصر على تحدياته فأنت ترفع راية جبر الخواطر.

رسولنا الكريم يقول " لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق"..وكان صلى الله عليه وسلم يجبر خاطر الناس، وقد روى إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك أن جدته مليكة دعت رسول الله لطعام صنعته له فأكل منها ثم قال"قوموا فلأصلي بكم" وذلك جبرا لخاطر هذه العجوز.

وفي المقابل فإن ثمة من يرى كسر الخواطر شيئاً هيناً دون أن يدري أن ذلك قد يحول حياة شخص إلى جحيم..فمثلاً شخص ما يرسم رسمة بسيطة فإذا قلت له إنها سيئة وإنه غير موهوب فقد يترك الرسم ولا يعود إليه مرة أخرى لأنك كسرت خاطره ولكن إذا فعلت العكس وشجعته بكلمة طيبة وأسديت إليه نصحاً جميلاً فقد يطور نفسه ويصير فناناً موهوباً ..فمن يصدق مثلا أن أديسون مكتشف المصباح الكهربي كان تلميذاً فاشلا في مستهل دراسته ثم صار نابغة بفضل تشجيع معلمته له..وهناك أمثلة كثيرة في الملاعب والجامعات وأماكن العمل ..وثمة قصة معروفة يروي تفاصيلها د.حسام موافي أشهر أطباء الباطنة في مصر وكان دائماً ما يرددها قائلاً :" ذات يوم اتصل بي فضيلة الشيخ الشعراوي لكي يحجز للكشف عنده؛ فرد عليه د.موافي بالقول: لا والله يا مولانا أنا اللي حجيلك لحد بيتك..قام د.موافي بالكشف على الشيخ الشعراوي ثم سأله : ما أفضل عمل أتقرب به إلى الله يا مولانا..فقال له الإمام: خمن..فقال د.موافي: الصلاة، الصيام، الحج، العمرة فقال الشيخ: لا ..فأعاد عليه السؤال: ما أفضل عمل أتقرب به إلى الله ..فقال الشعراوي: جبر الخواطر ..فتعجب د.موافي ثم قال : ما دليلك يا مولانا؟!

قال الشيخ: إنه لا يوجد شخص ملعون أكثر من الشيخ الذي لا يؤمن بالله ورسوله..يقول الله عز وجل: أرأيت الذي يكذب بالدين ..شايف اللي بيكذب بالدين بيعمل إيه، فذلك الذي يدع اليتيم، يعني بيكسر خاطر اليتيم، ولا يحض على طعام المسكين..فويل للمصلي.. فجبر الخواطر جاء مرتين قبل الصلاة ..اقتنع د.حسام موافي بكلام الشعراوي وانصرف وعزم على أن يعمل بتلك النصيحة ..وفي يوم من الأيام وبعد أن غادر المستشفي تذكر مكالمة جاره يطلب إليه فيها زيارة حماته ليطمئن على صحتها، فاحتار د.موافي بين أن يذهب إلى بيته أو يعود ويجبر خاطر جاره..وتذكر كلمات الشيخ الشعراوي وعاد بالفعل ليجبر خاطر جاره وعندما رجع للمستشفى أصابته جلطة أثناء وجوده بالمستشفى وأحاط به الأطباء وحصل على العلاج المناسب خلال دقيقتين ..يضيف د.حسام إن تلك الجلطة لو كانت أصابته في مكان آخر غير المستشفى لكان مات بعد دقائق لأنه لا يوجد شخص يتحمل جلطة في الشريان التاجي بالذات لمدة تزيد على 5 دقائق ..وكأن الله قد كافأه لأنه عاد لكي يجبر بخاطر جاره فأنقذه الله من تلك الجلطة بسبب ذلك.

لكل هذا وغيره ينبغي ألا نتخلى أبداً عن جبر الخواطر في حياتنا، فالحياة بأكملها لا تساوي شيئاً مقابل إدخال فرحة إلى قلوب من حولك حين تقوم بجبر خاطرهم.

قصص جبر الخواطر كثيرة ويكاد بعضها لا يُصدّق..ترى كم جبر د.محمد مشالي طبيب الغلابة خواطر الفقراء الذين كانوا يترددون على عيادته..وهو ما تجلى بعد وفاته، وترجمته مشاعر الحزن الشديد التي خيمت على المواطنين في وداع ابن الغربية وابن مصر البار بأهلها حتى تبارت جميع المصالح والأجهزة الحكومية والوزارات لرثاء هذا الطبيب الإنسان ..كما انتشرت منشورات الرثاء تنعي الفقيد على مواقع التواصل الاجتماعي حزنا على رحيله بعد رحلة عطاء لا مثيل لها ..فقد أوقف الراحل حياته على خدمة الفقراء وتخفيف آلامهم ولم تزد قيمة الكشف لديه على 10 جنيهات في وقت وصل سعره عند أطباء غيره لأرقام خيالية تعدت الألف جنيه، ناهيك عن ارتفاع سعر الأدوية والتحاليل والأشعات.

رحل د.مشالي بعد أن ذاع صيته في كافة ربوع الوطن العربي وليس مصر وحدها..فقد عزف الفقيد عن حب المال والشهرة، وأصر على استكمال مسيرته مسخراً حياته لخدمة الفقراء والمحتاجين حتى الرمق الأخير ..ونفذ وصية والده بأن يكون بين الفقراء ..فأحبه الجميع وشهدوا له بالمعروف والبر.. وحتى حين شارف على الموت كانت وصيته :"استمروا في عمل الخير والعطاء يريكم الله ما تتمنونه".
يقول طبيب الغلابة :" اكتشفت بعد تخرجي في طب قصر العيني أن أبي ضحى بتكاليف علاجه ليجعل مني طبيباً، فعاهدت الله ألا أتقاضى قرشاً واحداً من فقير أو محتاج..".

د.مشالي كان يرحمه الله عملة نادرة بين أطباء زماننا الذي طغت فيه المادية و الأنانية على الإنسانية والرحمة..وكم من أطباء أثرياء رحلوا دون أن يشعر أحد بغيابهم ..فهل نفعتهم أموالهم التي جمعوها من الناس ظلماً وبهتاناً.. وهل أغنت عنهم شهرتهم شيئاً أو خلدتهم في وجدان الناس ..وماذا بقي من آثارهم ..هل تركوا أثراً طيباً يذكرهم به الناس أو يشهد لهم عند الله يوم القيامة كما فعل ذلك الطبيب الإنسان د.مشالي.

لقد نعي شيخ الأزهر طبيب الغلابة على الفيس بوك قائلاً :" رحم الله طبيب الغلابة د.محمد مشالي الذي ضرب المثل في الإنسانية، وعلم يقيناً أن الدنيا دار فناء فآثر مساندة الفقراء المحتاجين والمرضى حتى آخر أيام حياته ..فاللهم اخلف عليه في دار الحق وأنزله منازل النبيين والصديقين والشهداء .

لقد طالب د.مشالي جموع الأطباء بأن يستوصوا بالفقراء خيراً خاصة أن إمكانيات المستشفيات الجامعية والمجانية لا تساعدهم على خدمة المرضى..والسؤال: كم طبيباً سيأخذ بوصية د.مشالي؟!

الحزب الديمقراطي الإيطالي نعي على صفحته على فيس بوك وفاة الطبيب المصري الملقب بطبيب الفقراء قائلاً "إنه كرس حياته كلها لإنقاذ الأرواح ومساعدة المحتاجين ..إنه طبيب الفقراء بالفعل عالجهم واشترى لبعضهم وهم الأشد فقراً أدوية على نفقته..وكان رحمه الله يعمل يومياً نحو 10 ساعات لعلاج أكبر عدد من الناس.

ورأيي أن د.مشالي يصدق فيه قول الله تعالى: "فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض" ..فقد رفع الله ذكره ولم يضيع ما قدمه من عطاء إنساني نادر أظنه يستحق من الدولة أن تحتفي به وتخلده بعمل يبقيه حياً في ذاكرة الأجيال، ويجعله نموذجاً محفزاً لأطباء عصرنا الذي نرجو أن تعود إليه روح الإنسانية والرحمة والرفق ..فالطب هو الحكمة ..ورسالته هي الرحمة ..ومن ثم فالطبيب ينبغي له أن يكون إنساناً بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ نبيلة قبل أن يكون طبيباً يتكسب من مهنته بأي صورة بلا مراعاة لحالة الناس أومعاناتهم مع الغلاء وقسوة الحياة.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة