ما بين تجاذبات داخلية وأخرى خارجية ، وازمات مفتعلة وأخرى حقيقية تمارس اثيوبيا سياسة تتسم بالتخبط والازدواجية وربما لا نتجاوز الحقيقة اذا قلنا ان هذه الحكومة بدأت في الغوص فعليا في مستنقع من الرمال المتحركة قد لا تنجو منها مثل سابقيها.
فحتى الان ما زالت اثيوبيا تسير في طريق الضلالة غير عابئة بما يمكن ان تواجهه من مصاعب دولية هي في غنى عنه ، ويكفيها ما بها من أزمات طاحنة ومشاكل داخلية وحدودية لا قبل لاى حكومة وطنية او غير وطنية ان تتجاوزها سواء بالحل او بالقفز عليها.
حتى الان ما زالت تأخذها العزة بالاثم.. وكان اخرها ما حدث في اجتماع امس بين الدول الثلاثة مصر والسودان واثيوبيا بناء على ما خرجت به القمة التي تبنتها جنوب افريقيا ، وكالعادة قبل الاجتماع بلحظات تملصت اثيوبيا عن ما تم الاتفاق عليه ،، وهذا لم يعد غريبا.
حقيقى ان المشهد السياسي والاجتماعى في اثيوبيا يعانى من تعقيدات شديدة مدعومة بحجم كبير من التدخلات الخارجية التي تسعى اما لمكاسب اقتصادية او مكاسب سياسية، وأكثرها تلك الطامعة في الانتقام ومعاقبة مصر وشعبها على لفظ جماعة الاخوان الإرهابية بعد ثورة الثلاثين من يونيو ٢٠١٣، وهؤلاء هم الاسوأ ( تركيا وقطر) الذين يعتقدون انهم وجدوا في سد النهضة ضالتهم المنشودة للتشفى وكسر إرادة المصريين.
اخر تلك التعقيدات ما افرزه مقتل المغن "هاشالو هونديسيا" الذى اشتهر بأغانيه الثورية، التي تحولت لأناشيد قادت الاحتجاجات التي شهدتها البلاد فى 2018، خاصة انه ينتمى لقومية "الاورومو" التي ينتمى اليها رئيس الوزراء ابى احمد، وحتى ندرك أهمية الجريمة يجب ان نشير الى ان "الاورومو" انفسهم اصبحوا منقسمين بين مؤيد ومعارض لابى احمد، ومن الطبيعى ان تحظى قضية سد النهضة بأهمية قصوى في هذا الانقسام العرقى!
فعلى مدار الثلاث سنوات السابقة، قادت قومية الأورومو احتجاجات مناهضة للحكومة، بسبب نزاع حول ملكية بعض الأراضي، واتسعت رقعة المظاهرات لتشمل المطالبة بالحقوق السياسية وحقوق الإنسان، وأدت لمقتل المئات واعتقال الآلاف.
فضلا عن هذا فهناك نزاع حدودى تقريبا بين اثيوبيا وكل دول الجوار، سواء مع السودان او اريتريا ، جيبوتى، حتى الصومال، اما خارجيا فالوضع ليس باحسن حالا، فهناك الصين التي تطمح في التوسع في استثماراتها في افريقيا على حساب الولايات المتحدة ، وتركيا وعرابها المالى القطرى التي تراهن بكل ما تملك لتغير الوضع السياسي في مصر على وهم ان تعود جماعة الاخوان الإرهابية الى حكم البلاد، بالإضافة الى بعض اللاعبين مثل إسرائيل وإيطاليا وفرنسا التي تسعى كل منها الى تبقى على روابط وعلاقات متميزة مع مستعمراتها السابقة.
في ظل هذا التشابك والتعقيدات تخوض مصر معركة من اشرس المعارك بقاء مع الطرف الاثيوبيى، الذى يعاند سواء كان مكروها او مدفوعا للاحتفاظ بكل أوراق اللعبة في يده بالمماطلة والعرقلة في التوصل الى حل يرضى ويلبى طموحات الدول الثلاثة، على الرغم انه يعرف مسبقا النتائج لان موقفة يفتقر للحجج او القوة اللازمة.
وجاء تقدم مصر بطلب إلى مجلس الأمن حول سد النهضة الأثيوبي، تدعو فيه المجلس إلى التدخل من أجل تأكيد أهمية مواصلة الدول الثلاث مصر وإثيوبيا والسودان التفاوض بحسن نية تنفيذاً لالتزاماتها وفق قواعد القانون الدولي من أجل التوصل إلى حل عادل ومتوازن لقضية سد النهضة الإثيوبي، وعدم اتخاذ أية إجراءات أحادية قد يكون من شأنها التأثير على فرص التوصل إلى اتفاق.
ربما تكون المفاوضات الجارية الان هي الأخيرة وليست الحاسمة خاصة ان الجانب الاثيوبي لم يبد اى بادرة إيجابية نحو القضايا الخلافية لتهدئة مخاوف مصر والسودان، ولكن هذا الجانب يدرك ان خطاب مصر إلى مجلس الأمن استند إلى استند المادة 35 من ميثاق الأمم المتحدة التي تجيز للدول الأعضاء أن تنبه المجلس إلى أية أزمة من شأنها أن تهدد الأمن والسلم الدوليين وما يتبع ذلك من فتح الطريق وشرعنة اى يخطوة قد يضطر المتضرر ان يقوم بها دفاعا عن حياته.. فها تعود اثيوبيا الى رشدها؟
-----------------------------
أستاذ بجامعة حلوان - استشارى دولى