رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

أبيض وأسود

"جائحة كورونا" بمقدار ما أتعبتنا وأذاقتنا ويلات الحجر والعزل والإجراءات الإحترازية، وبمقدار ما أحاطت حياتنا بالخوف وآلمتنا بفقدان الأحبة، بمقدار ما علمتنا أن التعب والخوف والعذاب والرجاء والأمل كلها مشاعر لا تجدي نفعًا، وأن العمل في مقاومة الوباء والتسلح بالعلم والحلم والخيال هي التي حاصرت الأزمة، لنقف أمام جيوش من الأبطال في صدارتهم الأطقم الطبية والجيش والشرطة والإعلام، وفي القلب منهم الجيش البرتقالي الذي كان مسئولًا عن النظافة في العاصمة وجمع مخلفات المنازل والمستشفيات والشوارع.

الجيش البرتقالي في العاصمة كما كان في خط المواجهة الأول للوباء، كان من أوائل من دفعوا الثمن فرئيس هيئة نظافة القاهرة السابق اللواء عادل ابو الحديد فقد حياته جراء كورونا وهو يتابع نظافة الشوراع بدأب، ونحسبه عند الله شهيدًا، وفي صمت واجه العمال بالشوارع المرض والمخلفات ونقص الموارد وتأخر المستحقات المالية لعدة أشهر وعملوا بكل جهد ولم يشعر بآلامهم أحد.

الدرس المستفاد من الجائحة أن النظافة مرادف الوقاية من الوباء، والتصور العالمي لما بعد الجائحة يضع النظافة كبوابة لمرور الاستثمارات والسياحة، وينظر لها كعلامة علي قوة وتحضر الدولة، لذلك تتنافس الآن وكالات السفر العالمية ومواقع الترويج السياحي ومعها منظمة الصحة العالمية في إصدار تصنيفات أكثر المدن والعواصم نظافة وفقًا للمعايير العالمية.

وأهم المؤشرات العالمية الذي تدخل ضمنها النظافة مع الصحة والتعليم والسلامة الشخصية والأمن والبيئة، هو مؤشر ميرسر الذي وضع القاهرة في 2019 بترتيب متراجع عربيًا وهو 13، ومتأخر جدًا عالميًا وهو 177، فهل يمكننا أن نحلم بالقاهرة في الأربعينات والخمسينات حينما كانت تضاهي باريس؟ والأهم هل نستطيع أن نرتقي بالنظافة بعاصمة المعز لندعم توفير حياة كريمة للمصريين ونؤمن إيرادات السياحة ونجذب الاستثمارات؟

الإجابة: نستطيع، ونقدر.

تابعت بنفسي البرلمان المصري وهو يتصدي بعلم وموضوعية ودراسة واستفاضة لظاهرة النظافة، والحقيقة أن النائب أحمد السجينى، رئيس لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب، أخذ على عاتقه منذ اللحظات الأولى لانعقاد لجنته بحث حلول جدية لمشكلة النظافة، ولم يحدث فى تاريخ الحياة النيابية أن عُقدت جلسات تتناول هذا الملف بهذا الشكل سواء من حيث الكم أو الكيف أو التنوع من حيث حجم الحضور حتى أنها وصلت إلى 200 اجتماعًا، وقد حضرت بصفتي الإعلامية أحد جلسات الإستماع باللجنة، والتي أسفرت بالنهاية عن قاعدة بيانات علمية عظيمة ودقيقة نستطيع من خلالها تبنى رؤية سليمة تكون مدعمة بإطار تشريعى، وسلمت اللجنة الحكومة تصور شامل وافي للنظافة يعيد للقاهرة وكافة مدن مصر بهاءها ونظافتها وصحتها ويجعلها تنافس عواصم أوروبا عبر تطوير هيئتي نظافة القاهرة والجيزة من خلال شركة قابضة تكون المسئول الأول عن الملف بمصر، وعبر منظومة شاملة للنظافة والتخلص الآمن من المخلفات، وإعادة تدويرها لخلق قيمة مضافة لإقتصاد الدولة.

انتظرنا من الحكومة أن تأتي ببيت خبرة وتبدأ في تطوير الهيئتين وتكوين الشركة القابضة للنظافة، لكنها اكتفت بتطوير المنظومة فقد.. وجاءت الإرادة السياسية للرئيس السيسي في توفير الحياة الكريمة للمصريين لتعيد الروح لمنظومة النظافة التي أخذ يتابعها بنفسه مشركًا كافة الوزارات في المنظومة، ولعل آخر اجتماع للرئيس مع مدبولي ووزيري التنمية المحلية والبيئة في 20 يولية الجاري كاشف عن الإرادة السياسية الصلبة للرئيس في تنفيذ هذه المنظومة الجيدة بالمعايير العالمية ويتبقي أن نتكاتف جميعًا معه في ذلك.

عقب الإجتماع الهام بـ48 ساعة، كان اللواء خالد عبد العال محافظ القاهرة، مقدرًا لجدية ملف النظافة فأصدر القرار رقم 4209 لسنة 2020 بتكليف اللواء إيهاب رمضان حسين الشرشابي، رئيسًا لمجلس إدارة الهيئة العامة للنظافة والتجميل بالقاهرة، خلفا للواء عادل أبو حديد، الذي توفى إثر إصابته بفيروس كورونا المستجد، وهو ما يجعلنا أمام لحظة نتمني أن تكون فارقة في نظافة العاصمة وبعدها كافة مدن مصر، فاللواء إيهاب الشرباشي مشهود له بالكفاءة في كل مواقع العمل، والأمل أن يأخذ نظافة القاهرة علي عاتقه ليس من باب تأدية العمل فقد، ولكن من باب العودة بالقاهرة لعصرها الذهبي ومنافسة عواصم العالم خاصة أن الإرادة السياسية متوفرة لذلك عبر رأس الدولة االرئيس السيسي.

تحتاج القاهرة لإرادة صلبة من الشرباشي لتحقيق حلم القاهرة النظيفة والمهمة صعبة ولكنها ليست مستحيلة، وقد لخص صعوبتها حديث الشهيد الراحل اللواء عادل ابو الحديد أمام محلية البرلمان في فبراير الماضي لإقرار الموازنة الجديدة للهيئة قائلًا:" لدينا مشكلة كبيرة في عجز العمالة، نعمل حاليا بنسبة 10% من العمالة، وعمال النظافة عددهم 3400 عامل، وهو ثلث العدد الذي تحتاجه الهيئة من العمالة، خاصة أن القاهرة فيها 38 حي، بالتالي نحتاج عمالة.. وعندنا عجز في عدد السائقين، وإنعدام في الفنيين، والأسبوع الماضي كان هناك 8 أحياء فيها إضراب شامل بسبب عدم وجود فلوس"، وقال:"الهيئة لديها مشكلة في التعاقدات المتوقفة حاليًا، وعندي 14 حديقة خاصة عايز اجيب مستثمر يأخذ حديقة منها مش عارف وإيدي متكتفة، أي منظومة بالشكل دا تفشل".

الصعوبات التي تحدث عنها ابو الحديد لابد أن ينظر لها الشرباشي ومعها مشاكل النظافة في الشوارع والميادين والجمع السكني، التي تبدأ باحتكارات كبار المتعهدين للعقود دون رقيب ولا التزام بالجودة، وتمر بتقاعس وحدات الرصد البيئي بمختلف الأحياء عن الرقابة الحقيقية، وتراخي أفرع الهيئة بالأحياء، وهناك أحاديث لابد من التأكد من صدقها عن سياسة الدرج المفتوح بوحدات الرصد وأفرع الهيئات للـ"الصهينة" علي تقاعس متعهدي الجمع السكني الكبار وفسخ العقود من المتعهدين الصغار لاعطائها للكبار.. هناك رائحة تزكم الأنوف عن عمولات وشهريات تحتاج إلي التعامل القانوني والملاحقة إن ثبتت صحتها، وإلي تبرئة الذمة لو ثبت مجافاتها للحقيقة.

لابد أن يرنو الشرباشي للتعاون الوثيق مع البرلمان والوزرارات والمجتمع المدني لوضع حجر أساس لنظافة وتجميل القاهرة بمعايير دولية وبخبرات وطنية مصرية، فما تنجزه الدولة في عهد السيسي من توسعات بالقاهرة وطفرة في الطرق والعمران لابد أن توازيه توسعات في النظافة وطفرة في تجميل وتشجير العاصمة.

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة