الخط المفتوح
من الألفاظ التى لاكتها الألسنة فى العصر الحديث كلمة «الرجعية»، واستعملت استعمالاً سيئاً، فيوهم بها المتمسكون بالقديم والراجعون بأفكارهم وأساليب حياتهم إلى الوراء، والمجتمع ينظر عادة إلى الرجعيين بمنظار أسود، ويعاملهم كمتخلفين عن الركب أو معوقين لتيار التقدم فى الوقت الذى يكرم فيه التقدميين الثائرين.
وكثرة تكرار هذه الكلمة جعلت بعض القاصرين فى الفهم يقصدون بالتقدمية الثورة على كل قديم والتحلل من كل موروث وإزالة كل المعالم التى خلفتها العصور المغايرة، وطرح التراث الذى تركه لنا المتقدمون، وذلك لإنشاء قيمة جديدة، ونظم عصرية وقوانين حديثة، حتى جَرهَّم ذلك الفهم إلى انكار الأديان، وما جاءت به من عقائد ومثل عليا وإلى التنكر لرجال الفكر الذين أسسوا معارفهم وثقافتهم فى ظل الدين.
والحقيقة أنه ليس كل قديم يجب أن يترك، كما أنه ليس كل جديد يجب أن يؤخذ منه، فكم فى القديم من كنوز لن يستطيع أن يصل إليها المتأخرون، وكم من الجديد هو غثاء يجب أن يتنزه عنه وسم زعاف يجب أن يحتاط منه، والمتأخرون يعيشون طوعاً أو كرهاً على كتب التراث الضخم من العلوم والمعارف والقوانين التى خلفها الأقدمون، ولولا هذه القواعد المتينة التى أرسوها ما أمكن أن يكون فى الحياة تطور وارتقاء.
إن القوانين الرياضية والعقلية والاكتشافات العلمية التى وضع أصولها الأقدمون هى التى نبنى عليها ونشيد، وهى التى تهدينا السبيل فى تصرفاتنا وترتب لنا المقدمات فى أبحاثنا وتضع لنا المنارات التى تضيىء لنا الطريق فمن الذى ينكر براعة المصريين القدماء فى الطب والتحنيط مثلاً الذى عجز عن فهم سره العصر الحديث بآلاته ومشتقاته؟! ومن الذى ينكر فضل فيثاغورس وأفلاطون وأرسطو؟ ومن يجحد فضل المخترعين للأرقام الحسابية والقوانين الكيميائية والتجارب الرياضية التى ورثها لنا الحسن بن الهيثم وجابر بن حيان وابن سينا والرازى وغيرهم.. ومن الذى لا يقدر جهود العلماء فى استنباط القواعد الفقهية والآداب الاجتماعية وتنقية العبادات من الخرافات، ومن الذى ينكر فضل الأديان فى تصحيح القصائد وتخليص الأفكار من الأوهام؟! ليس هناك عاقل ينكر ذلك، ونحن نعيش فى هذا العصر الحديث على هدى هؤلاء ومخترعاتهم واستنباطاتهم، والدين الذى يقر ذلك ويوضحه لا يجوز أن يرمى بالجمود والرجعة، والذين جاءوا لنا بهذه الفضائل أفنوا أعمارهم فى الدعوة إليها وجهدوا فى سبيل نشرها وصادفوا عنتاً واضطهاداً من الخارجين عليها لا يصح أن يسموا رجعيين متخلفين.. أما الاستهانة بالقيم الدينية والأدبية والإلحاد فى الدين والخروج على الحدود والالتواء فى التفكير باسم الحرية فكلها أمور ألصقت زوراً وبهتاناً بالتقدمية والذين قالوا إنها من مستلزمات التطور الصحيح، قوم ضل تفكيرهم وشوهوا سمعة النهضة وأساءوا إلى المجتمع.
ولذلك نقول إنه لن ينصلح آخر هذه الأمة إلا بما صح به أولها، وإذا كان هناك خلاف فى تقويم بعض مظاهر التقدمية والرجعية فالحكم الفصل فى ذلك هو الجهة المعصومة من الذلل العالمة بمصالح البشر وهى الوحى المنزل والدين الصحيح الذى لو نظر الإنسان إلى جوهره لرآه لا يخالف حقائق الحياة أبداً.
>>>
وختاماً :
قال تعالى : «من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون» صدق الله العظيم.. النحل »97«