رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

معاً للمستقبل

قرر العالم أن يتعايش مع كورونا ويعود تدريجياً لممارسة الأعمال والأنشطة بعد أن طال أمد الفيروس وعجزت الدول كافة عن إنتاج لقاح حاسم للمرض الذي يعيش معنا نصارعه ويصارعنا..وأغلب الظن أن ما يتم الإعلان عن اكتشافه من علاجات هنا وهناك لا تعدو مجرد اجتهادات لا تبلغ حد اليقين.

منظمة الصحة العالمية بدت مرتبكة في التعامل مع فيروس غامض سمّته "جائحة اليوم" وتسابقت شركات الأدوية لإيجاد لقاح لهذا الوباء الذي حيَّر العالم فلم يدر مصدره ولا سبب انتشاره وسرعة انتقاله بين البشر بصورة غير مسبوقة..لكن ما يثير الدهشة والعجب أن إحدى شركات الدواء بدأت الإعلان عن إنتاج 400 مليون عبوة من لقاح ادعت أنه يعالج كورونا دون تأكدها من جدية نتائج ما أجرته من دراسات وأبحاث معملية؛ ما يعني أن السباق المحموم للتكسب من الأزمة تقوده شركات أدوية ودول كبرى منذ أكثر من 7 أشهر اجتاح العالم خلالها هذا المرض كأسوأ كارثة تضرب الأرض في تاريخها الحديث؛ ذلك أنه أصاب نحو 12 مليون شخص، وحصد أرواح آلاف آخرين..ما يطرح سؤالاً جوهرياً: إلام توصل العلماء لتحجيم ذلك الوباء..وما فرص التوصل للقاح ناجع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وإنهاء هذا الكابوس الذي أصاب الناس بالضيق والذعر في جميع أرجاء المعمورة..؟!

خطيرة هي مضاعفات كورونا لاسيما على كبار السن الفئة الأكثر عرضة للإصابة به، ومن بينها الفشل الكلوي والنوبات القلبية والالتهاب الرئوي، كما أن فرص وفاة من هم فوق ال 75 عاماً- كما يقول د.مارك وولهاوس أستاذ الأمراض المعدية والأوبئة بجامعة أدنبرة- أكبر بنحو 10 آلاف مرة من الفئات المصابة في سن الخامسة عشرة، وتبدأ المشكلات مع سن الخمسين وتتفاقم من سنة إلى أخرى بعد هذه السن ، ما يعني أن نسبة كبيرة من سكاننا –والكلام للدكتور وولهاوس- تحتاج للحماية من هذا الفيروس ذي العواقب بالغة الخطورة، ولا يزال العالم في حاجة لمزيد من الفحص وعلى الحكومات تطبيق ذلك على أوسع نطاق حتى نتمكن من الحصول على معلومات أكثر بشأن هذا الوباء.

هناك أسئلة لا تجد إجابة لها حتى هذه اللحظة، رغم كثرة الأبحاث التي أجريت على هذا الوباء واستمرارها ..فمثلاً إنتاج أجساد المتعافين من الفيروس أجساماً مضادة تجعلهم في مأمن من الإصابة به مجدداً فلا تزال فترة الحماية محل دراسة وبعض الأبحاث تقدرها ما بين 6 أشهر وعامين، ويمثل فهم مدة الحماية التي توفرها الأجسام المضادة محوراً أساسياً لمواجهة تفشي الوباء فإذا طالت تلك المدة قلَّ تفشيه في المجتمعات..كما لا يزال غير مفهوم لماذا يتعرض بعض مصابي كورونا خاصة الشباب لجلطات في الدم ومن ثم فلا يعرف الأطباء أي الحالات تحتاج لتناول "مسيلات الدم"..أما النقطة الحاسمة كما يقول الأطباء أننا لا نزال طوال الوقت في حاجة لجمع البيانات من اختبارات الدم ومستويات الأوكسجين ومعدلات التنفس ..ويحدونا أمل أن يساعدنا ذلك في توقع من سيكون رد فعله إزاء الفيروس هو الأسوأ، ومن يجب إعطاؤه علاجات خفيفة..ونأمل أن تأتينا الشهور المقبلة بمزيد من المعلومات الحاسمة والمبشرة في هذا الصدد.

منذ بداية انتشار فيروس كورونا اعتقد كثيرون وبينهم علماء وخبراء أنه سيتم التوصل للقاح في غضون أشهر معدودات.. لكن ما حدث كان مغايراً تماماً حتى بات اللقاح أملاً وليس استراتيجية ، ففرص الوصول إليه قبل نهاية العام تبدو ضئيلة جداً، ولا يغير من الأمر شيئاً استخدام بعض الدول علاجات لفيروسات قديمة تم تطويرها لمجابهة "كورونا" وهو ما يشكل بارقة أمل في الوقت الراهن.

يقول د.مارتن هيبرد أستاذ الأمراض المعدية بكلية لندن للصحة "إن اللقاح بعيد بعض الشيء لكن العلاجات المضادة للفيروسات بعد تطويرها تبدو أكثر تفاؤلاً وقدرة على حفظ معدلات الوفيات بين 1% و0.01% ..أما ممثلة الصحة العالمية في روسيا فقالت إنه من السابق لأوانه الحديث عن موجة ثانية من الوباء الذي قد يعاود أدراجه مع بداية الطقس البارد حال حدوث إصابة بالأنفلونزا وقد ينتقل الفيروس إلى السكان الذين لم يتعرضوا له من قبل، وليس لديهم مناعة، وإن كان لا يوجد دليل حتى الآن على أن الأشخاص الذين تعافوا من كوفيد 19 لديهم أجسام مضادة تحميهم من عدوى أخرى محتملة.

وبحسب التقارير والأبحاث وتأكيدات العلماء فلا أحد يعرف على وجه اليقين متى ينتهي فيروس كورونا أو متى تكتب العلاجات الحالية والمحتملة كلمة نهايته, أو أسباب توغله وتوحشه، فكل ما يحدث الآن هو مجرد تجارب على أدوية موجودة وقديمة لكن الحقيقة المؤكدة أن الفيروس يجتاح حياتنا بصورة مذهلة حتى أن 80% ممن أصيبوا به يتعافون منه دون أن يعلموا أنهم كانوا مصابين بكورونا وإن كان العالم أجمع أخذ يتعامل معه وكأنه غير موجود أصلاً.

ماكرون رئيس فرنسا قال إن غداً – قاصداً المستقبل القريب- لن يشبه اليوم بعد جائحة كورونا ، وهو نفس ما ذهب إليه الرئيس الصيني..أما داهية السياسة هنري كيسنجر فيرى أن كورونا سيغير النظام العالمي تماماً، وأن التغيير المقبل سيكون هائلاً، وإن كان المستقبل غامضاً لم تظهر معالمه أو إرهاصاته بعد، ولا يُعرف كيف سيتم التعامل معه ولا كيف سنواجه الانعكاسات الاجتماعية والاقتصادية والإستراتيجية الخطيرة لوباء كورونا على مستقبل هذا العالم.
توقعات الخبراء تنبيء بتغيرات دراماتيكية حيث ذهب بعضهم إلى أن التبعات الاجتماعية للفيروس ستكون أكبر حجماً وأعمق أثراً من تبعاته الاقتصادية خاصة في مجتمعات الغرب الذي يعيش أفراده حياة ناعمة منضبطة ومستقرة ولم يتعرضوا لتقلبات الحياة وصعوباتها وهو ما يجعلهم أكثر هشاشة من الناحية النفسية.. ومع طغيان النزعةالفردية في تلك المجتمعات تضعف المناعة النفسية للفرد والمجتمع وتغشاهم الأمراض النفسية والاجتماعية، حتى أن تفاقم الجائحة في دول الغرب بهذه السرعة المذهلة يقذف الرعب والإحباط ليس في نفوس الأفراد فحسب بل لدى الحكومات والقيادات أيضاً.

وإذا ما طالت جائحة كورونا لا قدر الله فإن ثمة تقارير تتوقع أن يكون ضحايا الانتحار بسببها أكثر بكثير من الضحايا الذين أهلكهم هذا الفيروس كما ذهبت صحيفة الجارديان ..وقد ازدادت بالفعل معدلات القلق ونوبات الهلع والاكتئاب والخوف وهو ما أفضى إلى نتائج أخرى أكثر سوداوية مثل زيادة الإقبال على اقتناء السلاح الشخصي، ومن المتوقع أن تنخفض في المقابل معدلات المواليد المتدنية للغاية أصلاً في أوروبا وأمريكا ، وسوف تكون تلك المناطق أقل جذباً وإغراء للمهاجرين عما كان عليه الحال قبل كورونا الأمر الذي سيؤدي بالضرورة إلى تناقص سكاني حاد سيكون له تبعاته الاقتصادية الخطيرة.

أما تداعيات كورونا الاقتصادية فهي كبيرة للغاية ولم ينج منها بلد، وسوف تكثر البطالة، ويحدث ركود وديون.. وكما توقع صندوق النقد الدولي فقد دخل العالم بالفعل مرحلة كساد أشد من تلك التي ضربته في 2008 إثر الأزمة المالية العالمية المشهورة.

وتحت عنوان "هكذا سوف يدمر كورونا الاقتصاد" قالت صحيفة النيويورك تايمز إن هذا الوباء سوف يدمر الاقتصاد ويهدد بإحداث مضاعفات حادة في اقتصاد عالمي مريض مثقل بالديون، وإن هناك دولاً وشركات ستصبح عاجزة عن سداد أقساط الفائدة، فضلاً عن انخفاض الإنتاج، وارتفاع معدلات البطالة والركود الاقتصادي..وكلما طالت مدة الجائحة زاد احتمال حدوث أزمة مالية أخطر كثيراً من تلك التي شهدها العالم من قبل.

تبعات الجائحة قد لا تنقشع في الأجل القريب، وربما استمرت لفترة طويلة مما يخلق أعباء اقتصادية أخرى تتسبب في تخوف الشركات والدول من ضخ استثمارات ضخمة في مستقبل يحوطه الغموض والتهديدات.

كورونا نقلت العالم من العولمة الاقتصادية إلى اشتراكية المرض، ولم تتسبب تلك الأزمة في فشل العولمة فحسب بل كشفت عن هشاشتها وزيف كثير من الحجج التي سيقت لتبريرها ؛ ذلك أن جميع الدول لاسيما تلك التي روجت لها واستفادت منها اقتصادياً وإستراتيجياً سارعت مع بداية الوباء للانكفاء على الذات والانغلاق للداخل والحد من السفر وإغلاق حدودها وتخزين المستلزمات والأدوات الطبية..كما اعتبرت صحيفة "العولمة" هذا الوباء هدية للقوميين وتوقعت أن يكون له آثار طويلة المدى على حرية الحركة للأفراد والبضائع..بينما ترى تقارير أخرى أنه بينما كانت العولمة تخدم أنظمة رأسمالية دولية على حساب فقراء في العالم فإن كورونا ، وهذا من حسناتها، قد تحطم تلك الفوارق الطبقية وتحدث ما يمكن تسميته ب"اشتراكية المرض"؛ ذلك أن الفقير والغني باتا معرضين للإصابة بهذا الوباء العابر للطبقات الاجتماعية بكل درجاتها وتنويعاتها وجعل الجميع متساوين في عجزهم أمام هذا الوباء وسوف يتصاعد صراع القوى الكبرى على قيادة العالم.

ورغم أن كورونا شغلت الدول بنفسها واضطرتها للانغلاق للداخل إلى حد كبير ..لكن من ينجح في الإفلات من قبضتها أولاً سوف يتمكن من تحقيق قفزة هائلة على سلم السيطرة الأمر الذي يعني سقوط تحالفات وبزوغ أخرى وظهور تكتلات اقتصادية وسياسية جديدة فرضها الواقع الجديد فتزحزت قوى تقليدية عن مواقع الصدارة وتقلصت تطلعاتها وقدراتها الاستعمارية، فالجيوش مشغولة في مجابهة الوباء داخلياَ؛ ومن ثم فمن المتوقع أن تتقلص الأطماع الاستعمارية للقوى الكبرى التي نرجو أن تتخلى عن سعيها المحموم للهيمنة وأن يتخلق نظام دولي جديد أكثر عدلاً من الناحية الاقتصادية رغم أن ذلك يبدو حلماً بعيد المنال؛ فثمة دولة مثل تركيا رغم معاناتها المرة مع جائحة كورونا وآثارها الكارثية عليها فإنها لا تزال سادرة في غيها غارقة في أوهام السيطرة والأطماع الاستعمارية تعربد هنا وهناك ويقف العالم متفرجاً للأسف على ما تفعله في ليبيا وسوريا والعراق يساعدها في ذلك دول كبرى تبغي إبقاء المنطقة على فوهة بركان تتقلب دولها في أتون الصراعات والحروب والاستنزاف الذي يجعلها لقمة سائغة في أفواه الطامعين والباغين ..ندعو الله أن يحفظ مصر ويجنبها شر الفتن والمطامع.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة