معاً للمستقبل
الكلمة نور ..وبعض الكلمات قبور.. مفتاح الجنة في كلمة وقضاء الله هو الكلمة..الكلمة الطيبة صدقة..الكلمة اللينة تفتح مغاليق القلوب وتأسر النفوس وتثلج الصدور وتذلل الصعاب،وتقضي الحاجات ،ولولا ذلك ما قال الله لموسى وأخيه هارون عندما أرسلهما إلى فرعون المتجبر: "فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى"..فإذا كان هذا هو شأن الرسل مع عتاة الجبابرة فما بالنا بسائر البشر مع بعضهم البعض.
لقد حثنا الله على التحدث بالكلمة الطيبة، فقال تعالى : "مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها..." وفي المقابل فإن الكلمة الخبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار.
للكلمة آثارها النفسية والاجتماعية على المتكلم والمتلقي سلباً أو إيجاباً؛ لذلك نهانا الله عز وجل في آيات كثيرةعن الكلام الخبيث فقال تعالى " واجتنبوا قول الزور"..كما ارتبط إيمان المرء بلسانه، فقال النبي الكريم "من كان يؤمن بالله واليوم والآخر فليقل خيراً أو ليصمت"..وقدم الله الكلام الطيب على الصلاة والزكاة في سورة البقرة حيث قال " وقولوا للناس حسناً وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة..."..ويقال إن المرء مخبوء تحت لسانه فإن تحدث ظهرت بواطنه وعيوبه..وقيل أيضاً: "تحدث حتى أراك"..فلسان المرء هو عنوانه وهو الدليل إلى عقله وفكره وقلبه.
الكلمة الطيبة ترفع صاحبها إلى أعلى الدرجات وقد تهوي به إلى الدرك الأسفل من النار، فقد تنزل بلسماً في قلوب الآخرين وقد تشعل نيران الغل والحقد والغضب في النفوس..وليس أدل على خطورة الكلمة من قول النبي " إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يلقي لها بالاً يرفعه بها درجات . وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم".
الكلمة الطيبة دواء يمتص الغضب و يغسل الحقد من قلوب الآخرين، ويقضي على الضغينة ويمحو آثام الماضي، ويفتح صفحة جديدة عنوانها الحب والخلق الحسن..ونبينا الكريم كان أحسن الناس خلقاً وأطيبهم كلاماً حتى مع الأعداء وقد قال عنه القرآن " وإنك لعلى خلق عظيم"..الكلمة الطيبة من شروط الخلق العظيم بل لعلها أهم مقوماته.
لقد قال الله تبارك وتعالى الكلمة الطيبة وليس العمل الصالح؛ لكون الأخير سراً بين العبد وربه إذا كان صالحاً يبتغي به وجه الله..أما الكلام فيكون وسيلة للتواصل بين الناس بعضهم بعضاً، معبراً عن مكنونات صدورهم ومقاصدهم ونواياهم، ومن ثم فالله يأمرنا بقول الحق والعدل والإحسان ويعلمنا أن القول الطيب من مفاتيح السعادة ننشرها على من حولنا.. وبه تتآلف القلوب وتأتلف وبالكلمة الخبيثة تتفرق وتختلف.
الكلمة الطيبة تنفع صاحبها بالذكر الحسن في الحياة الدنيا وبالثواب والأجر في الآخرة حيث تعود عليه بالدعاء الصالح بعد موته، فهي ثابتة لا تعصف بها رياح الباطل..وهي تعني الكثير والكثير ؛ فمنها إفشاء السلام، وإصلاح ذات البين، وذكر الله تعالى، وتعليم الناس خيراً.
وكم من كيان ممزق جمعته الكلمة الطيبة؛ فهى تأسر قلوب السامعين وتلم شمل المفترقين..وكم من عداوة أذابتها كلمة طيبة ..لكن كثيرا من الناس يجهل تأثير تلك الكلمة على الآخرين؛ وينسون أن الكلمة قد تكون سبباً في تعاسة إنسان وسعادة آخر ..ومن ثم علينا أن ننتقي ألفاظنا، ونتقن لغة الكلام الجميل فذلك سلوك يمكن ترسيخه بالتكرار والممارسة..لنكثر من صدقات الكلام الطيب ..وما أكثر صدقاته إن أردنا ألإحسان لأنفسنا قبل أن نحسن للآخرين لقول الله تعالى: " إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها".
مسئولية القلم أخلاقية إذن كما قال الرئيس السيسي مراراً وتكراراً؛ فليس على الكاتب أو المفكر أو صاحب الرأي سلطان إلا ضميره وصالح وطنه ومجتمعه..والكتابة أمانة أخلاقية قبل أن تكون وظيفة نتكسب منها أو مهنة أو أكل عيش.
الرئيس يدرك خطورة الأقلام والأفكار في تشكيل الوعي والوجدان والتبصير بالحقائق وصياغة منظومة القيم والأخلاق والمثل العليا..وبقدر ما يخلص أصحاب القلم في طرح وإثارة ما يحتاجه الناس لا ما يحبونه وبينهما فارق هائل، و تبني ما يبني الأوطان ويحفظ مصالحها العليا تأتي الثمرات يانعة في صالح الفرد والجمع تقدماً وتطوراً ورخاءً ..أما إذا تجرد هؤلاء من الفضيلة وتنازعتهم الأهواء وهيمنت عليهم الأغراض الضيقة فإنهم يلبسون على الناس أمورهم ويغرسون التخبط والتشويش في مجتمعهم ويجعلونه بيئة خصبة للشائعات والانقسامات والوهن والتطرف ومسالك الشيطان.
وإذا استعدنا بعض مشاهد السنوات الماضية لأدركنا كيف أسهم بعض الإعلام وبعض حملة الأقلامفي حرق الوطن وتعريضه للفتن والخطر الذي لولا عناية الله لوقعنا فيما لا تحمد عقباه..لكن كلمة الله سبقت وإرادته نفذت فجمع قلوب الناس على ثورة 30 يونيو التي صححت المسار واستعادت الدولة من براثن اليأس والفوضى والاحتراب الأهلي.
للقلم مكانة لا يعلوها شيء ، ألقت على حملته مسئولية أخلاقية تجعلهم على خطر عظيم ..ولم لا وقد أقسم الله تعالى بما يسطرون..لخطورة ما يعرضون من أفكار وآراء وما يفجرون من قضايا وهموم وشواغل ..فهم قياد الأمة وعقلها وميزانها؛ فما يسلطون عليه الضوء ينجلي ويسطع وما يعرضون عنه يندثر ويخفت..إذا شغلوا مجتمعهم بأولويات الوقت وواجباته الحقيقية تقدم وارتقى وبلغ غاياته وحقق أهدافه..وإذا شغلوه بتوافه الأمور وسفاسفها وأغرقوه في مسارات الجدل والشطط فقل على الدنيا السلام ..وساعتها لا يرجى منهم خير ولا يتوقع منهم نجاح.
رفيعة هي منزلة أصحاب الأقلام ..لكن أي الأقلام تستحق الرفعة والحفاوة والتكريم ..وأيها يستوجب اللعنة والتحقير..هل يستوى المخلصون والمغرضون الأفاكون..هل يستوي من يثبتون على الحق وينصرونه ومن يصفقون للباطل ويسايرونه..من يلهون الناس بالغيبة والنميمة والتجريح والتشهير والفتن ومن يرسمون للوطن خطوط المستقبل وصحيح الأولويات ..من يتحرون الصدق والموضوعية والمهنية مهما يكلفهم ذلك من مشقة وتعب ومن يستحلون الكذب وينتهجون النفاق ويروجون الشائعات والأباطيل..من يؤدون أمانة الكلمة ويدفعون عن رضا ثمن المواقف ..ومن يستسهلون التضليل والخداع ويهادنون الفساد رغباً ورهباً ..من يهدون الناس سواء السبيل ومن يضلونهم بغير حق ويلبسون الحق بالباطل.
حملة الأقلام الشريفة ليسوا كثرة..ومتى كانت الكثرة هي الفئة المؤمنة..لكنهم على قلتهم لم ينالوا حقهم في التكريم والحفاوة اللائقةفي حياتهم ولا بتخليد ذكرهم بعد رحيلهم..الأمر الذي يجعلهم يتساقطون من ذاكرة المجتمع وأجياله الحاضرة والجديدة بعد موتهم..وفي المقابل تنهال التكريمات والجوائز على أهل الفن والغناء وربما الرقص ونجوم الكرة في كل مناسبة..ونادراً ما تعرف تلك الجوائز طريقها إلى المفكرين وحملة الأقلام وأصحاب الرأي المستنير رغم خطورة أفكاهم وجلال مهامهم وأدوارهم ومواقفهم وتأثيرهم القوي في فئات المجتمع وأفراده كافة في المجتمعات والدول والإنسانية جمعاء.
وكفى بأصحاب الأقلام سمواً أنهم يتحملون مسئولية وعبئاً ومخاطر لا طاقة لأحد بها؛ ذلك أنهم طول الوقت هدف مؤكد لأطراف عديدة، فهم تارة يجدفون ضد تيار الفساد وانتقام الفاسدين، ويجدفون تارة أخرى ضد تيار المجتمع العاصف حين يرفضون عاداته وتقاليده وسلوكياته الخاطئة أو المجافية للحق والمنطق ..وما أكثرها في أيامنا هذه..أما الأدهى والأخطر فهو خوضهم حروب الأفكار المغلوطة، واشتباكهم مع تيارات التكفير والتطرف الديني وما يجره ذلك عليهم من ويلات التهديد بالقتل والاستهداف المباشر بالتصفية الجسدية من جانب أنصار تلك التيارات..أفلا يستحق حملة الأقلام بعد كل هذه المتاعب أن يُكرموا وينالوا حقهم في الحفاوة والإشادة والجوائز حتى تخلد أعمالهم في ذاكرة الأجيال القادمة وليكونوا قدوة حسنة لأولادنا يحتذون خطاهم وينهجون نهجهم..ومثل ذلك التكريم دور أصيل لوزارتي الثقافة والإعلام ونقابتي الصحفيين والإعلاميين.
ويبقى دائماً أن القلم مسئولية وأمانة أخلاقية ينهض بها أصحاب الفكر والرسالة بحسبانهم طليعة الأمة وحملة مشاعل التنوير والتثقيف الذين ينهضون بمهمة ثقيلة تتوخى التنبيه لمواطن القصور أينما وجدت وتسليط الضوء على مكامن القوة والإيجابيات والإنجازات لإعطاء دفعة معنوية لأصحابها كى يواصلوا طريق الإنجاز والعطاء بهمة وحماس..فإذا كانت قدمك تترك أثراً في الأرض فلسانك يترك أثراً في القلب..وتلك رسالة أصحاب القلم الذين هم أولى الناس بالإشادة والتكريم.