تحل اليوم الذكرى الثانية لوفاة المغفور له - بإذن الله - والدي ، قال تعالى في سورة الجمعة : " قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم " .
لاشك بأن الكل إلى الموت صائر ، و للقبر زائر ، فالموت من أعظم المصائب التي يُبتلى بها الإنسان في حياته ؛ لأنه يقف عاجزاً عن دفعه ، و هو الداء الذي لا شفاء منه ، بل هو فينا سهام غير خاطئة ، إضافة ً إلى أنه نهاية كل حي ، قال تعالى في سورة القصص : " كل شىء هالك إلا وجهه" ، وقال في سورة الرحمن : " كل من عليها فان " ، و قال في آل عمران : " كل نفس ذائقة الموت " .
لقد سمى رب العزة الموت مصيبة ، قال تعالى في سورة المائدة : " فأصابتكم مصيبة الموت " ، فالموت مصيبة ؛ لأن العبد إذا مات أُغلق عليه باب العمل ، و فُتح عليه باب الحساب ، فاليوم عمل ولا حساب ، و غداً حساب ولا عمل ، فمصيبة الموت تولد كبيرة و تتضاءل بمرور الأيام لكنها تظل جرحاً غائراً في القلب لا يندمل .
لقد اختار الموت والدي فجر السادس والعشرين من يونيو 2018 م ، و هو إمام للمصلين ، توفاه الأجل أثناء نهوضه من الركوع من الركعة الأولى بعد أن قرأ فيها آيات عطرة من سورة آل عمران إلى أن وصل إلى قول الله تعالى : " فتقبلها ربها بقبول حسن " .
إنها دلائل و علامات من المولى - في علاه - ساقها لعبادة ؛ لتبرز لنا حُسن الخاتمة ، لقد اختاره الله و هو في المسجد ، بيت الطاعة، و مهبط نزول الرحمة ، ، اختاره و تحديداً في صلاة الفجر ؛ لما لها من مناقب عظيمة ، فهي من أهم الصلوات المكتوبة التي تقرب العبد من خالقه ، و هي خير من الدنيا وما فيها إذا التزم المسلم بها ، فقد ورد عن الرسول صلى الله عليه و سلم أنه قال : " ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها " .
اختاره الله ، و هو الإمام ، و السؤال الذي يطرح نفسه الآن ، ماذا كان بينك بين ربك يا أبي ؛ كي يختارك و أنت إمام للمصلين في صلاة الفجر ؟
ماذا كان بينك وبين ربك حتى يُسخر لك فضيلة الشيخ الدكتور ماهر المعيقلي إمام و خطيب الحرم المكي ليدعو لك ؟ أهي صدقة في الخفاء ؟ أم ركعة في جوف المساء تقبلها الله منك ؟
أجيب عن السؤال السابق فأقول : لقد عاش والدي يرتل القرآن الكريم ، فمات على تلاوته ، وكان - رحمه الله - من رواد المسجد ، فمات فيه ، وعاش محباً لله ، فمات وهو واقف بين يديه .
يارب : نُشهدك أنه كان من أهل القرآن الكريم ، فحقق فيه آية كتابك :" قل بفضل الله و برحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون " ، نُشهدك أنه كان من المتسامحين ، فحقق فيه آية كتابك : " و جزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا و أصلح فأجره على الله " ، نُشهدك أنه كان من المحسنين ، فحقق فيه آية كتابك : " للذين أحسنوا الحسنى و زيادة و لا يرهق وجوههم قتر و لا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون " ، نُشهدك أنه كان من المتقين ، فحقق فيه آية كتابك :" إن المتقين في جنات و نهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر " ، نُشهدك أنه كان من الصابرين ، فحقق فيه آية كتابك : " إنما يُوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " ، نُشهدك أنه كان مؤمناً محباً للصلاة و الزكاة ، فحقق فيه آية كتابك : " إن الذين آمنوا و عملوا الصالحات و أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم و لا خوف عليهم و لا هم يحزنون " ، نُشهدك أنه كان محباً للأعمال الصالحة ، فحقق فيه آية كتابك " من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى و هو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة و لنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون " ، نُشهدك أنه كان من الحجاج و المعتمرين ، فحقق فيه قول نبيك : " العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما ، و الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة " ، نُشهدك أنه كان من المحافظين على صلاة الفجر ، فحقق فيه قول نبيك : " بشر المشائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة " .
و ختاماً أقول : لم نحزن يوماً على وفاة الوالد ؛ لأننا نعلم أنه - بإذن الله - في منزلة أحسن ، فسيرته العطرة تلازمنا ليل نهار ، و لا تفارقنا ، لكن لوعة و ألم الفراق هي التي تسيطر علينا بعد رحيله ، رحم الله موتانا و موتى المسلمين جميعاً في مشارق الأرض و مغاربها ، و أسكنهم فسيح جناته .
و أتذكر في هذا المقام قول علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - حيث قال :
لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت بانيها
فإن بناها بخير طاب مسكنه وإن بناها بشر خاب بانيها