معا للمستقبل
في مثل هذه الأيام قبل سبع سنوات أصابت الشعب المصري خيبة أمل كبيرة بسبب حكم الإخوان وفقد ثقته بهم بعد أن مارسوا هدماً متواصلاً لكل ما أنجزه؛ ذلك أن الجماعة أرادت السلطة واستحوذت عليها بلا رؤية ولا مشروع، ولم تقدم دليلاً واحدًا على كفاءتها أو إيمانها بفكرة الوطن أو الدولة الوطنية..فانتفض الشعب ضدها مدركاً أنها جزء من ماضٍ بغيض آن له أن ينتهي وليست طريقاً للمستقبل الذي يرتضيه لنفسه ويسعى لتحقيقه.
ومن يسترجع أحداث العام الذي سقط فيه الإخوان ومشروعهم يدرك بوضوح أن الله حفظ مصر وجعل أهلها في رباط إلى يوم الدين، وقيض لها من أبنائها رجالاً يذودون عنها وعن أمتها العربية والإسلامية كلها ضد قوى البغي والشر والاستبداد، رجالاً يحفظون لها هويتها وتماسكها وبقاءها واستمرارها، ويصونون للحضارة الإنسانية كلها إرثاً وتراثاً مشرقاً أسهم في خروج أوروبا من ظلام القرون الوسطى إلى التقدم والتطور الذي تجني البشرية كلها ثمراته اليوم.
لقد اختارت مشيئة الله رجالاً أفذاذاً أنقذوا أمتهم في ساعة الضيق والمحنة، واختار الله عز وجل لمصر رجلاً وطنياً هو المشير عبدالفتاح السيسي الذي أنقذ مصر والمنطقة العربية بلا مبالغة من خطر الإخوان وجماعات التطرف التي اتخذها الاستعمار مطية لتفكيك المنطقة ونهب مقدراتها، تلك الجماعات والتنظيمات التي اصطنعها الاستعمار وخاض تحت لوائها حربه ضد الإسلام حتى كادت تضيع بسببها هوية مصر وتماسكها لولا انحياز السيسي لإرادة المصريين الذين خرجوا بالملايين في 30 يونيو، مطالبين بإزاحة حكم المرشد وجماعته وهو ما حدث واستعادت مصر توازنها واستقرارها ومستقبلها الذي كاد يضيع في معترك احتراب أهلي أنقذنا الله منه.
وفي مرحلة حرجة اختار الشعب "السيسي" وفوضه لوقف الفوضى ودحر الإرهاب، ثم اختاره لإدارة الدولة وقد نجح بالفعل في العبور بها من مزالق خطرة ومن نفق مظلم حفره الإخوان ليس في مصر وحدها بل في المنطقة كلها بعد عاصفة الخريف العربي وظهور داعش الذي كان على رأسه إرهابي يدعى أبوبكر البغدادي تربى باعتراف الغرب نفسه في حجر الموساد ولقي من العون والدعم الغربي ما مكنه من الانتقال بكل سهولة من سوريا إلى العراق ثم في مرحلة تالية إلى ليبيا ليأكل في طريقه الأخضر واليابس ويهدم العمران ويدمر مظاهر الحضارة كما حدث في بلاد الرافدين.
تحول الربيع العربي إلى خريف مخيف ومفزع لشعوبنا حتى قرر السيسي أن يسبح ضد التيار رغم يقينه بمخاطر هذا التجديف ضد تيار جارف تدفعه أمواج الإخوان والأمريكان ومن جرى في فلكهم من أنظمة وتنظيمات لكلٍ مآربه وأطماعه ..وضع الرجل روحه على يديه ولم يأبه بالفشل إذا ما وقع وكان من الممكن أن يقع ولم يبال بما كان ينتظره من مشانق إذا ما أخفق في مسعاه ..ولا أدري كيف يتجاهل البعض عمداً أو جهلاً مثل تلك المخاطرة في وقت تخلت فيه الأحزاب عن دورها في قيادة الجماهير نحو النضال السلمي بل طالبت غيرها بخوض تلك المعركة نيابة عنها ..والأدهى أن بعض النخب وطيفاً من الإعلام تماهت مع النظام الإخواني وحاولت التكيف والتعايش معه ..ووقف فريق آخر موقف المتفرج إزاء محاولات بيع مصر لحساب مشروع وهمي صنعه الأمريكان وغاصت فيه أقدام الإخوان!!
لم يبال السيسي بما كان ينتظره من مصير مؤلم إذا ما فشلت ثورة 30 يونيو ضد الإخوان بل تحرك بوعي وبصيرة المؤمن الواثق بتأييد الله ومعاونة شعب مصر الذي طالب قائد الجيش – وقتها- بالتحرك لإنقاذ مصر من دمار يهدد المنطقة كلها ومخططات تقسيم رأينا بوادرها في العراق ثم في سوريا كما وقعت من قبل في السودان.
ما جرى من تداعيات بعد خروج الملايين للشوارع ضد الإخوان سوف يسجله التاريخ ليبين كيف واجه السيسي أزمة عاصفة في وقت عصيب ومؤامراة تعددت أطرافها وخاض الرجل ولا يزال حرباً ضروساً كان يتوقعها ضد إرهاب أعمى لا يعرف للأوطان قيمة ولا حرمة ولا يرى في التاريخ درساً ولا عبرة ولا معنى.
خاض السيسي ومن معه من قادة الجيش وجنوده ورجال الشرطة معركة الشرف والوطنية في مواجهة عدوغادر خسيس يلقى كل الدعم من أطراف وجهات شتى ويجيد التخفي ولا يعدم وسيلة للقتل والإرهاب سواء بالاستهداف المباشر المباغت أو التفخيخ والتفجير..وقد نجح الرجل في إدارة المعركة وتراجعت العمليات الإرهابية بل انحسرت حتى تلاشت فاستحق مزيداً من ثقة الشعب..واستعادت مصر دورها ومكانتها المستحقة كصمام أمان لأمتها ..وكما نجحت من قبل في كسر شوكة الصليبيين والتتار والمغول فقد نجحت بالدرجة ذاتها في تعطيل المشروع الإخواني الأمريكي الذي أراد اختطاف مصر وجعلها قاعدة للفاشية الدينية وذراعاً لأخطبوط الإرهاب في الشرق الأوسط..تحملت مصر هذا الدور نيابة عن العالم كله ودفعت من دماء شهدائها الأبرار ما سيذكره التاريخ بكل العرفان والتقدير.
الانحياز لإرادة الشعب وتقديم الإنجازات تلو الإنجازات بطول البلاد وعرضها هي التي بوأت السيسي الشرعية الحقيقية والمكانة المستحقة في قلوب المصريين وعقولهم ..فلولا جسارته وشجاعته وإقدامه على تحمل المسئولية الخطيرة في وقت الشدة نيابة عن ملايين المصريين لكانت مصر سوريا أو عراق أو يمن أخرى لا قدر الله.
ويبقى أن الشعب هو المعلم وهو معطى الشرعية ومانعها وقد استدعى بوعيه الفطري المشير السيسي لصدارة المشهد، مفوضاً إياه أولاً بمحاربة الإرهاب ثم طالبه بالترشح للرئاسة لدورتين متتاليتين ليشق طريقه الصعب وسط الإنجازات، ويكتب تاريخاً مشرقاً لمصر الجديدة معضداً شرعيته بإنجاز مستمر في كل موقع في واقع متخم بالأزمات والمشكلات والتحديات.
وفي ست سنوات فقط هي فترة حكم السيسي استطاع القائد أن يحقق إنجازات هائلة هنا وهناك ويكفي أنه أعاد للبلاد أمنها واستقرارها وتماسك جبهتها الداخلية وحصنها ضد رياح الفتن والنزاعات والانقسامات والصراعات التي اندلعت على الهوية بعد 2011 كما حارب الجهل والتخلف والعشوائية والفساد والأمراض المزمنة.. وواجه بعزيمة لا تلين جحافل الإرهابيين وأعاد لمصر مكانتها وانحاز للبسطاء الذين هم غايته وشاغله وأهم أولوياته.
أدرك السيسي منذ اللحظة الأولى لتوليه مقاليد البلاد أن الإنجاز الحقيقي هو ما يترك مردوداً إيجابياً على المواطن يسهل له معيشته وحياته..وقد استطاع في سنوات قليلة إنشاء شبكة طرق عملاقة تربط البلاد ببعضها البعض وتمثل شرايين تنمية وروافد مهمة للتوسع العمراني.. كما نجح في إحلال وتجديد شبكة الكهرباء وتشييد مساكن اجتماعية آدمية تضمن حياة كريمة لمحدودي الدخل وخاض معركة الإصلاح الاقتصادي التي لولا جائحة كورونا لكانت مصر في حال أفضل كثيراً من ذي قبل.
الرئيس السيسي كعادته في اقتحام الملفات الشائكة اعتمد منهج المصارحة والمكاشفة ولم يقدم كغيره خطاباً شعبوياً يدغدغ به عواطف الجماهير بل قدم خطاباً متوازناً جاداً وصارماً في السياسة والاقتصاد والاجتماع والعلاقات الدولية، خطاباً يقدم تصوره الواضح للمستقبل، ويحدد المشكلات والأزمات الاقتصادية بدقة وبساطة ويضع أسساً عريضة لحلها حتى تتبوأ مصر مكانها المستحق على خريطة العالم.
لم يلجأ السيسي لوعود براقة ولا مسكنات بل ظهر واثقاً من قدرته على تنفيذ خططه وبرامجه التي تسبب بعضها في آلام الناس ومتاعبهم، ولم يتوان عن تمكين المرأة والشباب بحسبانهم قادة المستقبل وعدته.
لم تكن ثورة 30 يونيو مجرد لحظة فارقة خارج حدود الزمان توحدت فيها إرادة شعب مصر وجيشها وقواها السياسية ضد حكم عصابة الإخوان بل إنها كانت كاشفة لحجم الخطر الذي يمثله حشود الإرهابيين الذين جرى زرعهم في سيناء بأمر من الرئيس الإخواني المعزول ومباركة من مكتب إرشاده بالمقطم، وأغدق عليها حكام تركيا وقطر الأموال والمعلومات والملاذات الآمنة وأوحوا إليهم بالعمليات الإجرامية في حق مصر وجيشها وشرطتها..وكم رجوت أن يكون لثورة 30 يونيو الشعبية احتفال خاص في كل عام فهي أحق بالحفاوة والاعتزاز ..ويكفيها مقاماً أنها جنبت مصر وأمتنا العربية شرور المشروع الصهيوأمريكي الهادف إلى تقسيم دولها وتمزيق أواصرها واستنزاف ثرواتها..كما أنها خلصتنا من حكم فاشي مارسته جماعة إرهابية لو قدر لها البقاء في الحكم يوماً واحداً بعد 30 يونيو لاندلعت حرب أهلية أكلت الأخضر واليابس في مصر وعمت الفوضى في ربوعها وفي المنطقة كلها ..فهل نسينا ما قاله نائب المرشد والحاكم الفعلى للجماعة وقتها خيرت الشاطر "يا نحكمكم يا نقتلكم".
لقد عانت مصر من جحافل الإرهابيين الذين توطنوا في سيناء، واستنزفوا جيشها وشرطتها ومواردها، وهى حشود أراد بها الإسلام السياسي إحكام قبضته على مصر وهو ما يجعل توسيع دائرة المواجهة مع هذا الإرهاب وداعميه فريضة لا مناص عنها حتى يندحر إلى غير رجعة.
وكم أرجو لو تتم كتابة تاريخ ووقائع وأيام ثورة 30 يونيو مدعوماً بالوثائق والمستندات التي يدعمها تحقيقات النيابة وأحكام القضاء الباتة التي لا مجال للتشكيك في مصداقيتها أو الطعن فيها وهي أحكام كاشفة لما جرى في تلك الفترة من جرائم وأحداث يشيب لها الولدان .
وإني أتعجب مما قاله المستشار أحمد مكي وزير عدل الإخوان حين تنصل من "إخوانيته" التي تثبتها أقواله وأفعاله وقت أن كانت الجماعة فوق سدة الحكم..لقد خرج مكي أخيرا متحدثاً إلى "الجزيرة مباشر مصر"ومدافعاً عن مرسى وكأنه "شهيد" وكيف كان من وجهة نظره ديمقراطياً ..ولم يقل لنا سيادة المستشار ماذا يسمي الإعلان الدستوري الإخواني الذي بمقتضاه لا يمكن الاعتراض على أي قرار يصدره مرسي بحسبانه محصناً لا يجوز الاعتراض عليه أو الطعن فيه..فهل هذه هي الديمقراطية التي يدافع عنها مكي الذي لم يطرف له جفن حين هاجم "مرسي" القضاة واصفاً بعضهم بالمرتشين في خطاب رسمي ..,لم ينبس مكي ببنت شفة حين حوصرت المحاكم وانتهكت الحريات والديمقراطية في عام الإخوان..فكيف له أن يدافع عنهم الآن وهم من اعتدوا على المتظاهريين السلميين أمام الاتحادية ..أليس ذلك انفصاماً وازدواجية يا سيد مكي..كفاك كذباً وافتراء فالتاريخ لا يرحم وشعب مصر أذكى من أن يخدعه أحد بمثل هذا العبث!!