الخط المفتوح
رغم ما يُقال أن لكل عصر رجاله وفرسانه، وتحرّك بحيرة الدعوة التي كانت راكدة لسنين طويلة، ووجود العديد من الدعاة الذين أحدثوا حِراكاً واسعاً في البحيرة. إلا أنه بعد مرور اثنين وعشرين عاماً علي رحيله، وظهور العديد من الدعاة خلال هذه الفترة الزمنية التي ليست بالقصيرة، إلا أنني لا أعتقد أن داعية إسلامياً في هذا العصر الحديث اجتمع له من العلم وحبِّ الناس وإجماع الفئات المختلفة ما اجتمع لفضيلة الداعية، بل إمام الدعاة الشيخ محمد متولي الشعراوي- رحمه الله- والذي انتقلت روحه إلي بارئها مع النبيين والصدّيقين والشهداء وحَسُن أولئك رفيقاً، فدعوته مازالت باقية ننهل منها حتي الآن، ومازلنا رغم انتشار وظهور العديد من الدعاة نفتقد الداعية الفارس، حتي رغم مرور هذا الوقت علي رحيل إمام الدعاة!
والشيخ الشعراوي- رحمه الله- وهب حياته وعلمه وفكره لخدمة الدعوة، فكان الفارس النبيل، وإمام الدعاة في هذا العصر، فقد جعل حياته نبراساً للجهاد وتعمَّق في الدين والفقه واللغة والمعرفة، اختار بوعيه الثاقب وحسِّه المُرهف ما يناسب روح العصر، فاجتهد وناضل وثابر من أجل قضايا دينه ووطنه وأمَّته الإسلامية.
فكان- رحمه الله- مُصلحاً كبيراً وداعية اتّسم بالعلم والأُفق الواسع، وكان من كبار المفسِّرين للقرآن يتمتّع بأسلوب شامل، فهو يتحدّث في المعني الظاهر والمعني الباطن، ويحدّثنا عن فقه اللغة وحُكم التشريع، وفوق كل ذلك يتمتّع بأسلوب سهل ممتنع، يفهمه العالِم والإنسان البسيط الذي لا يعرف القراءة ولا الكتابة.
كان- رحمه الله- عالِماً مثقّفاً واضحاً كل الوضوح فيما يقول، لم يعتمد يوماً علي مركزه ولا ماله ولا أهله وعشيرته، لكنه اعتمد علي الله تعالي فأعطاه قَدْر ما يريد.
ونظراً لشُهرته التي بلغت اﻵفاق، فقد كان فضيلته- أيضاً- وسيلة لشُهرة الذين يهاجمونه أثناء حياته وحتي بعد موته، حتي أن بعض مهاجميه كلّما انطفأ بريق شُهرتهم راحوا يهاجمونه من جديد! حتي يعود إليهم بريقهم المفقود!
استولي داعية العصر علي قلوب وعقول الجميع بعلمه الرائق وحكمته النقيّة الخالية من التشدّد والتطرّف والغلو بل كانت لغته سهلة جميلة ورقيقة تمرق إلي القلب في سهولة ويُسر بنفس القدر الذي ينبهر به العالِم اللغوي والمثقّف الكبير.
لم يحظ أي عالِم إسلامي من زماننا بما حظي به سيّدنا وشيخنا الشعراوي، من محبّة ومودّة في قلوب المسلمين، وما اجتمعت الأمَّة علي محبّة عالِم مثلما اجتمعت قلباً وقالباً علي حبِّ وتبجيل شيخنا الشعراوي.
لقد عاش الشعراوي علي القرآن، يعلِّمه للناس ويتعلَّم منه، ويؤدِّب الناس ويتأدَّب معهم، فتخلَّق بأخلاقه وتأدَّب بـﺂدابه، فعاش- رحمه الله- بسيطاً متواضعاً رغم سعة شُهرته، واحتفاء ملوك وأمراء ووجهاء العالم به، وكان يحيا حياة بسيطة، يألَفه الناس ويحبّونه لصفاء نفسه ولُطف مَعْشَرِه وحُسن دُعابته مع مهابة العلماء ووقارهم.
رحم الله شيخنا الذي اجتمعت علي حبِّه الأمَّة الإسلامية وشهد بعلمه وبلاغته كل علماء الدينا، فالإسلام وطنه، والسلام كان غايته وحاضر الأمَّة الإسلاميّة ومستقبلها كان همَّه الأول، فماذا فعلتم أنتم أيها الأقزام المتطاوِلون علي الرجل بعد رحيله؟!
>>>
وختاما:
قال تعالي: (فبما رحمةٍ من الله لِنْت لهم ولو كُنتَ فظًّا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاوِرهم في الأمر فإذا عزمتَ فتوكَّل علي الله)، صدق الله العظيم.
سورة آل عمران آية 159.