مخالفات البناء واحدة من الازمات المعقدة التي تواجه مصر، خاصة ان شق منها متعلق بالثقافة الاجتماعية التي تشوهت في بلدنا خلال السنوات العشر الأخيرة..
ولكن الامر المؤكد ان الدولة المصرية وعلى راسها القيادة السياسية عاقدة العزم على التصدي بكل جدية وحزم لهذا الملف.. وجاء توجيه الرئيس عبد الفتاح السيسى مطلع هذا الاسبوع بتطوير منظومة إصدار تراخيص البناء، وتشديد إجراءات الرقابة وتحديد المسئولية فى هذا الإطار، من خلال الاستعانة بالتكنولوجيا الحديثة لتحديد حجم واماكن المخالفات كصور الأقمار الصناعية، وكذا إنشاء قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة فى هذا الخصوص، بهدف الانتقال من مرحلة التخطيط النظرى إلى ضمان موضوعية التنفيذ، ليؤكد ان الامر من بدايته ليس مجرد قرار عابر يمكن ان يضيع في خضم الازمات التي تواجهها البلد ، ولكنه إرادة دولة قررت ان تقف بحزم ضد ما يمكن وصفهم بتجار الازمات.. وهؤلاء مجموعة من المرتزقة يظهرون وينتعشون في ظل الكوارث السياسية والاقتصادية التي تضعف فيها سيطرة الدولة وتتجلى فيها مظاهر الفوضى..
مطلع هذا الأسبوع اصدرت وزارة التنمية المحلية تقريرا عن حجم المخالفات سواء في البناء او التعدى على اراضى الدولة رصدت فيه وقوع ١٢ ألف و٤٢٥ مخالفة بناء خلال ال١١ شهرا الماضية، بالإضافة الى ٦٢٧٨ حالة تعدى على أملاك الدولة و٦١٤٧ حالة تعدى على أملاك خاصة بإجمالي ١.١ مليون متر مربع.. هذا فضلا عن ١٧ ألف حالة تعدى على الأراضي الزراعية.
وهذا الكم الهائل والصادم من المخالفات الذى وقع في ١١ شهرا فقط يشير الى ان هناك أكثر من ١٣٠ مخالفة وتعدى تحدث في مصر صباح كل يوم، وهو ما يؤكد ان هناك خلل ما في المنظومة الضابطة تبدأ من ضعف الرقابة الى ضعف التنفيذ والضبط.
الإيجابية الوحيدة اذا فرضنا جدلا انها إيجابية هو ان وزارة الإسكان تلقت 330 ألف طلب تصالح في إطار قانون 17 الخاص بالتصالح في مخالفات البناء .. وهذا بطبيعة الحال لا ينفى ولا يبرر وقوع الجريمة ولكنه فقط يشير الى ان هناك من يحاول تصحيح جزء ولو بسيط من الخطأ.. الا ان الرياح لا تاتى بما تشتهى الانفس .. فقد تقدم النائب البرلماني خالد عبد العزيز بطلب احاطة تحت قبة البرلمان بإهدار 700 مليار جنيه على الدولة بسبب التعنت بعض الموظفين تجاه المواطنين الراغبين في تقنين مخالفاتهم في البناء.. وهو اتهام مباشر للمسئولين في تلك الإدارات ذا صح يستوجب بلاغا للنائب العام للتحقيق فيه على الفور خاصة ان المال المهدر يمكن ان يساهم في حل الكثير من الازمات التي سببها فيروس كورونا على الاقتصاد الوطنى.
المشرع المصرى كان على حق عندما وضع شروط للتصالح في مخالفات البناء والتي منها أن يكون البناء داخل حدود التنظيم، وداخل الكتلة السكنية ولكن غير مرخص، وينطبق على السكني فقط، ولا ينطبق على التجاري أو الصناعي أو السياحي وبأي مشروع مرتبط بتسليم أعمال تجارية أو صناعية... لهذا لا يمكن ان يكون هناك تصالح على اى اعتداء على الاراضى الزراعية لانها ليست مجرد مساحات خضراء فقط ولكنها امن قومى وغذائى وأيضا مائي.
لذلك يجب ان يكون هناك أهمية لتفعيل دور المكتب الاستشاري ضمن اصدار تراخيص البناء.
بالإضافة الى ضرورة دراسة بعض الاطروحات التي تم تقديمها في البرلمان المتعلقة بإنشاء شرطة متخصصة للمحليات وحماية الأراضي أو من خلال إعادة هيكلة إدارة شرطة المرافق ليشمل عملها كافة الوحدات المحلية بمختلف مستوياتها، لسرعة التحرك لتفعيل القرارات الصادرة لإزالة التعديات والمخالفات في لحظة وقوعها، فهذه الخطوات بالإضافة الى تعجيل انتخابات المحليات ستساهم بشكل كبير في تنشيط الدور الرقابي والتصدي للفساد.
-----------------------
استاذ بجامعة حلوان -استشارى دولى