رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

مجرد كلام

عندما تحدث احتجاجات أو اضطرابات أو مظاهرات، في أي بلد من بلاد الدنيا، سرعان ما يلجأ السياسيون إلى ما يمكن تسميته بـ "الإجابات الجاهزة" أو إلى توجيه " اتهامات معلبة" ضد أشخاص أو تنظيمات أو جماعات بعينها، وذلك قبل أن تتوافر الأدلة الدامغة التي تبرر توجيه هذه الاتهامات!!

وعقب اندلاع المظاهرات المناهضة للتفرقة العنصرية، بسبب مقتل الأمريكي من أصل أفريقي جورج فلويد، بادر الرئيس دونالد ترامب بتوجيه الاتهامات إلى جماعة أنتيفا اليسارية، المناهضة للفاشية، بأنها تقف وراء أعمال العنف ووصف هذه الاحتجاجات بأنها أعمال منظمة وليست ارتجالية!

ومعروف أنه عند اندلاع حركات الاحتجاج او التظاهر يحدث ما يسميه علماء الاجتماع بـظاهرة "سلوك القطيع"، ويتلخص هذا السلوك في أن الحشود الكبيرة لا يمكن التنبؤ بسلوكياتها، ولا تخضع تصرفاتها لمنطق أو عقل، وإنما تكون غالبا سلوكيات عشوائية طائشة، فلو أن شخصا في مظاهرة هتف بشعار تجد الآخرين يرددونه وراءه دون تفكير، ولو التقط حجرًا وألقاه على متجر أو هيئة أو مبنى يسارع الباقون بتقليده!! وحتى في الحالات العادية، لو جرى أحدهم وراء آخر، صائحا: "حرامي.. حرامي" ستجد البعض يجرون معه ويرددون نفس الصيحة. وهكذا!!

بالطبع، خلال الاحتجاجات الأخيرة، المصحوبة بأعمال العنف في الولايات المتحدة، تم إلقاء القبض على متهمين وتحركت وزارة العدل لتوجيه اتهامات ضد 53 شخصا. وانسياقا وراء اتهامات ترامب، وعد النائب العام وليام بار بشن حملة على أعضاء الحركة المناهضة للفاشية المعروفة باسم أنتيفا وغيرهم من المتطرفين الذين اتهمهم بار بالمساعدة في تأجيج نيران العنف.

لكن دراسة أجرتها رويترز، تم خلالها فحص محاضر ووثائق المحكمة الفيدرالية الخاصة بالاتهامات، ومنشورات مواقع التواصل الاجتماعي التي دونها بعض المشتبه بهم، وبعد إجراء مقابلات مع محامي الدفاع والمدعين، توصلت رويترز إلى وقوع أعمال عنف غير منظمة من قبل أشخاص ليس لديهم سوى القليل من الصلات الواضحة بجماعة أنتيفا أو الجماعات اليسارية الأخرى.

وفي ظل حرية تداول المعلومات ونشرها على الرأي العام، قامت رويترز بتجنيد خمسة صحفيين، منهم اثنان في نيويورك وثلاثة بواشنطن، لفحص القضايا الفيدرالية فقط، وذلك بسبب مزاعم وزارة العدل حول تورط جماعة "أنتيفا" وجماعات أخرى مماثلة، وسبب قيام رويترز بالدراسة أن الاتهامات الفيدرالية عمومًا تنطوي على عقوبات مشددة. واتضح من وثائق الاتهام التي راجعتها رويترز، عدم الادعاء بوقوع أعمال عنف على الإطلاق من جانب بعض المقبوض عليهم.

وامتنعت وزارة العدل عن التعليق على نتائج دراسة رويترز وأشارت إلى مقابلة أجراها بار مع فوكس نيوز، قال فيها إنه رغم أن وزارته تجري بعض التحقيقات حول أنتيفا، فالوزارة لا تزال في "المرحلة الأولية لتحديد الأشخاص المتورطين".

ورغم أن وزير العدل والرئيس دونالد ترامب اتهما مرارًا وتكرارًا حركة أنتيفا، اليسارية المناهضة للسلطة، كمحرض رئيسي للاضطرابات، فإن مصطلح التحريض غير موجود في أي من محاضر الاتهام الفيدرالية التي راجعتها رويترز، وقالت الوكالة إنه يمكن أن يظهر مزيد من الأدلة مع تقدم القضايا.

وقد ورد ذكر جماعة واحدة فقط بالاسم في محضر فيدرالي، وتسمى حركة بوجالو، التي يؤمن أتباعها، وفقًا للمحضر، بقرب وقوع حرب أهلية.

يقول خبراء جماعات الكراهية أن أتباع بوجالو عبارة عن مجموعة متنوعة من المتطرفين اليمينيين. وزعم ممثلو الادعاء أن ثلاثة رجال ينتمون إلى "الحركة" خططوا لزرع متفجرات في لاس فيجاس أملاً في إثارة أعمال الشغب، وذلك قبل الاحتجاج.

وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، تبنى 17 شخصًا التحريض على العنف -مثل التهديد ببدء أعمال شغب أو الاعتداء على الشرطة -أو نظموا أنفسهم باستخدام اتصالات مشفرة، حسبما جاء في المحاضر. وأظهرت ملفات وسائل التواصل الاجتماعي التي استعرضتها رويترز مجموعة من الآراء، بما في ذلك الأناركية ومناهضة العنصرية ورسائل معادية للحكومة.

ألقي القبض على شاب بزعم استخدامه منشورات مباشرة على فيسبوك ورسائل مليئة بالرموز التعبيرية لتشجيع الناس على النهب في إلينوي. لكن صاحب مكتب المحاماة الذي يتولى القضية، قال لرويترز إن الشاب "ليس له علاقة" بأي جماعة سياسية.

ويقول تقرير رويترز، إن المدعين توخوا الحذر بشكل عام فيما يتعلق بتوجيه اتهامات على أسس أيديولوجية، بسبب الضمانات الدستورية لحرية التعبير.

مايكل جيرمان، وهو عميل سابق بمكتب التحقيقات الفيدرالية يقول، إن الحكومة يمكن أن تقدم المزيد من الأدلة في المحاكمة، لكن "عدم وجود مؤشرات واضحة على تورط (أنتيفا) في هذه الاحتجاجات يظهر أنهم لا يقودون بأي شكل من الأشكال أعمال العنف. ومع ذلك، فإن حملة ترامب لإعادة انتخابه تقوم بجمع التبرعات لتمويل الحملة التي تروج لموقف الرئيس ضد أنتيفا.

معظم الذين ألفي القبض عليهم -حوالي 40 – تم اتهامهم بارتكاب أعمال عنف أثناء الاحتجاجات، بدءًا من إلقاء قنابل مولوتوف إلى إشعال النيران أو نهب المخازن، وفقًا للصور والأدلة الجنائية. وفي باقي الحالات لم يتهم أحد بارتكاب أعمال عنف خطيرة. واتُهم بعض المعتقلين فقط بحيازة مخدرات أو أسلحة نارية غير قانونية.

وقال رئيس وحدة المخابرات بإدارة شرطة نيويورك للصحفيين إن هناك بالتأكيد علامات على العنف المنظم من قبل "الجماعات الأناركية" التي شاركت في الاحتجاجات "بهدف إلحاق أضرار في الممتلكات" والمتاجر الراقية التي تديرها الشركات الكبرى. وطورت "شبكة معقدة من كشافات الدراجات" للإبلاغ عن تحركات الشرطة.

ولكن لم يرد في أوراق التحقيقات أن أيًا من الأشخاص الثمانية الذين اتهمتهم وزارة العدل بنيويورك لهم صلات بجماعات أناركية محددة، وفقًا لأوراق المحكمة.

وعلى أي حال، فإن توجيه "اتهامات معلبة" أو الإسراع بتقديم "إجابات جاهزة" من قبل السياسيين، قد لا يفيدهم، بل ربما يتسبب في إلحاق الضرر بمصداقيتهم، خصوصا في المجتمعات المفتوحة والتي يتاح فيها حرية تداول المعلومات والاطلاع على أوراق القضايا وعرائض الاتهام المحايدة، حتى قبل إحالة المتهمين للمحاكمة.

هذه النتائج التي توصلت إليها التحقيقات الاستقصائية لرويترز تؤكد من جديد أن على السياسيين البحث جيدا عن الأسباب الحقيقية للعنف ومحاولة علاجها من جذورها، بدلا من اللجوء للإجابات السهلة واختلاق أسباب غير واقعية للاحتجاجات الواسعة وما يصحبها من أعمال عنف. وما لم تكن هناك أسباب ودوافع قوية للاحتجاج، فلن يفلح المحرضون في تحريك شخص واحد فقط من مكانه، أو لما كانت الاحتجاجات لمقتل فلويد قد وصلت لهذا الحجم!!

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة