هناك فلسفة أساسية وراء المشروعات القومية العملاقة التي تقوم بها الإدارة السياسية في مصر، فهي أولا مشروعات تشمل جميع البنى الأساسية على مستوى الجمهورية لتستوعب طموحات الأجيال القادمة على الأقل لعام 2030.
كما أنها ترسم على ارض الواقع خريطة مستقبلية للمكانة التي تنتظر مصر والتي يجب أن تكون عليها في ظل حالة السيولة السياسية والاقتصادية التي تعيشها المنطقة العربية والشرق أوسطية.
ولا اعرف لماذا قفز هذا الخاطر في ذهنى وانا اتابع بكل سعادة مسرحية الزعيم عادل امام " شاهد مشفش حاجة" وهو يتحدث مستغربا ومستنكرا الى حاجب المحكمة ويقول له " انت ليه سايب الشقة كلها وقاعد في اوضة بس" .. ربما بقصد او بدونه شعرت ان في هذا المشهد اسقاط مباشر على الشعب المصرى، الذى قرر ان يستغنى راضيا عن اكثر من ٧٠٠ الف كيلو متر مربع من ارض مصر التي تبلغ اكثر من مليون كليومتر مربع، ويكتفى فقط بعدة الالاف من الكيلو مترات ليعيش عليها اكثر من ١٠٠ مليون مصر.
الشاهد مما سبق هو التنبيه على ان مشروع تنمية شمال سيناء يجب ان يحظى باهتمام اعلامى وادراك شعبى بكل تفاصيله ، ليس فقط لانه يتم هناك صرف اكثر من ٦٠٠ مليار جنية لتغيير الواقع الاقتصادى والتنموى في سيناء ، ولكن أيضا لان هذه الأرض تمثل العمق الاستراتيجي لمصر شرقاً والرباط التاريخي بين مصر وأشقائها العرب، لأننا ولازمان طويلة ظللنا نحن المصريين ، يتحابون ويتصارعون وينجبون على تلك الكيلومترات القليلة، دون ان يعيروا اى اهتمام لاكثر من ثلاث ارباع مساحة مصر الجغرافية ، وللحقيقة فأن كل الحكومات المتعاقبة كانت دائما تتحدث عن التوسع والخروج من الوادى الضيق، ولكن جميع مخططاتها زادت من عمق المشكلة ، وكلما كانت الحكومات تسعى للتوسع والخروج ، فانها كانت تعتبر ان الابتعاد عن العاصمة كيلو مترات تعد على أصابع اليد كافية ، ومن هنا جاءت مديرية التحرير، ومدينة نصر، خلال عقد الستينيات من القرن الماضى، ثم جاءت مدينة العاشر من رمضان والشروق والسادات، في محاولة جدية لاستيعاب الزيادات والكثافات السكانية في العاصمة، وفى لحظة ما اكتشفنا جميعنا ان كل تلك المدن الجديدة أصبحت فعليا جزء من ضواحي العاصمة، او امتداد لها، بغض النظر عن التقسيم الادارى.. هكذا أصبحت الازمة مشكلة مستعصية، وتحولت المأساة الى ملهاة.
أن الدولة المصرية تبذل جهوداً غير مسبوقة لتنمية بوابة مصر الشرقية "سيناء ومدن القناة"، من خلال المشروع الذي أعلن عنه الرئيس عبد الفتاح السيسي منذ منتصف عام 2014 كمشروع قومي متكامل لتنمية أرض الفيروز "سيناء"، وذلك ضمن المخطط الإستراتيجي القومي للتنمية العمرانية بمصر حتى عام 2052، وحماية وتنمية هذه المنطقة تتم على عدة محاور منها الأمني لتطهير أرض الفيروز من الإرهاب، والاقتصادي عن طريق انشاء المدن الجديدة، وتنفيذ مشروعات تنموية متنوعة، الى جانب تنفيذ شبكة طرق كبرى، تزيد من ربط شبه جزيرة سيناء بالمحافظات.
اننا حاليا وبدعم ومشاركة من جهات عديدة بصدد الإعلان عن مبادرة قومية لتشجيع العيش واحياء المجتمعات العمرانية الجديدة في سيناء ، باعتبار ان الانسان هو المحرك الحقيقى للتنمية والتطور، بالإضافة الى ان وجود كثافة سكانية في سيناء يمثل عائقا استراتيجيا تجاه اى مخططات غير مرغوب بها في سيناء ، هو بذلك يكون الحل الاجدر الذى يجب ان تبدأ الدولة المصرية في تبنيه والسعي الى تحقيقه بعد ان شارفت على الانتهاء من تنفيذ خططها التنموية التي اعتمدتها لتحويل بوابة مصر الشرقية (سيناء ومدن القناة) الى منطقة جذب سياحى وعمرانى واقتصادى.
أن هذه المبادرة تم الاعداد لها جيدا، وسوف يتم اطلاقها بالاشتراك مع أحزاب ومؤسسات وهيئات، وتهدف إلى اعمار سيناء بشريا للاستفادة من حجم المشروعات العملاقة التي تم تنفيذها خلال السنوات القليلة الماضية ، بما يُحقق مد جسور التنمية من خلال ربط شمال ووسط سيناء بالدلتا، وجذب الاستثمار الصناعي وتشجيع الاستفادة من الثروات الطبيعية، فضلاً عن تعظيم الاستفادة من مقومات السياحة المتمثلة في البيئة المحيطة بهذه البقعة الغالية.
الهدف من المبادرة هو التأكيد على ان مصر ليست مجرد "اوضة وصالة" فقط ولكنها دولة كبيرة يمكنها ان تستوعب كل أبنائها والاجيال المقبلة.. فالمواطن هو الرقم الناقص في معادلة تنمية سيناء الذى يجب ان يتواجد هناك للانتفاع وشغل هذه المساحة المهمة في مصر... فتحية لكل من ساهم ويساهم في تطبيق تلك الرؤية .
----------------------
استاذ بجامعة حلوان - استشارى دولى